لطفي بن إبراهيم حتيرة - تونس

الحاجة أمرّ

لطفي حتيرةقطرات تتساقط. قطرات تتابع ثمّ تسيل على الأرض هنا وهناك. جداول صغيرة وبرك تكبر وتتّسع.

قدماك في الوحل تخوض. رجلاك في الطّين اللزج اللازب تدوس وتغوص. شلك حذاؤك يوقّع النغمات ويردّد الزفرات بعد أن امتلأ ماء ونفايات ساخرا ومستهزأ. ثيابك تنزّ وأنت تئزّ وتهتزّ. تآكلت أطرافك وصدأت أعصابك. بعضك يأكل بعضا وينخر السّوس عظامك وأطرافك.

المطر لا يكفّ ولا يهدأ. سماء قريبة وكئيبة ونفسك غريبة وحزينة. ما أشبه اليوم بأمس وأوّل أمس! وما أتعس القلب! ذاتك مهترئة. متهرّئة. خرقة بالية. قصّة باهتة. شخوصها مبعثرة.
متشرّدة. متناحرة وغير مبالية.

الأرض ضاقت وما رحبت والكون تمزّق وتفكّك وتمدّد. تلملم أفراحك عناقيد خاوية وترمّم أقداحك وتشرب حثالة وعصارة أوجاعك حمضا وعرقا. لا أنت كنت ولا أنت أصبحت. بل أمسيت وأبليت وأفنيت وخلف نفسك سرت وانتهيت. ماضيك لخّصته كلمة مبهمة غير مشكّلة وسطّرته الأيّام في سطر متكسّر. متموّج ومنحرف.

دخل المقهى. تشرب قهوة. تدخّن سيجارة. تذكر سلوى وتتذكّر عبير ونجوى. تسقط منك دمعة. تطفئ شمعة. تبحث عن منديل وعن قنديل تمكث في الوحشة والظلمة. تخرج من المقهى تشتهي قهوة فتجلس في حانة "البجعة" تشرب كأسا تملأ جوفك. تطير رأسك. تجنّح أطرافك. تنمو أغصانك وتورق الحيطان حواليك.

تزيد كأسا. تعمّق جرحا. تسيل الدماء وتبعثر الأحشاء وأنت و"ماو" أصدقاء أوفياء. ماو كان هنا. يجلس هنا ويشرب عصير الجبناء والأشقياء. ويعزف لحنا جنائزيّا شهيّا.

قال له: "أنت تشبه ضفدعة".

فضحك.

فقال: "الآن أنت تشبه فتحيّة".

فضحك وقهقه وتمرّغ.

فقال: "أنت مثل عجوز تبيع جسدها للبلهاء والمجانين".

لكنّه تمادى ورقص وتراقص وانقلب وانبطح. فصفعه فتوقّف وركله فتنبّه وزاده أخرى فترنّح.

قلت له: "هذا يكفي".

فضحك وتضاحك وتغامز وقال: "أنا ماو".

فدنوت منه ونظرت في عينيه وقلت: "ماو أو "هاو" هذا يكفي".

فنظر وعبس ونظر وتبسّم ثمّ قال: "أهلا. أهلا".

فقلت: "أهلا وسهلا".

وتصافحتما وتعانقتما وشربتما نخب الحرب وعلى جفف الموتى وصرتما أصدقاء في الظّاهر. لكن الصراع ضلّ بينكما في خفاء تحت الظلام وخلف الستار.

تمضي تحت المطر. تسير في الوحل. غريق النّفس عديم الرّوح. هو المساء. هي السماء. هي الأمطار والرّعود هي العواصف والبروق. هي المدينة متحجّرة عفنة. مسالكها كمجاريها نتنة منتنة. هي الشوارع موحلة. موحشة ومتوحّشة. وأنت لا قطعت ولا أبقيت ولا زرعت ولا ملكت. تشتهي وتتشهّى. تحلم بالسكينة وتبحث عن السكون فتسقط في العدم والجمود.

حناياك بلا ماء. ثناياك بلا ضياء. عيونك كالحة. جفونك متساقطة. غريب مغترب. وحدك تمضي. وحدك تأتي ووحدك تجلس في المقهى بلا معنى ولا مبنى. ذاتك متعالية نجمة منتهية في كونها مترامية. أنت بعيد بلا بعد وقريب بلا دنوّ. تمضي تحت المطر. الطريق لا ينتهي واللّيل طويل والفجر لا يطلّ. والغربة مرّة والحاجة أمرّ.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3101709

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC