لطفي بن إبراهيم حتيرة - تونس

شهادة

لطفي حتيرةخذ نفسا عميقا. شهيقا وزفيرا. تخيّل نفسك تركب حمارا أو بغلا تجوب به طرقات المدينة. بين السيّارات والحافلات وتسابق به الدرّاجات الناريّة والعاديّة.

خذ نفسا أعمق وأعمق. شهقات وزفرات. تخيّل نفسك تركب فيلا أو جملا يتهادى بك ويتمايل يمنة ويسرة. ملتفتا هنا وهناك. وعلى فمه كشكوشة بيضاء وهو يرغي ويزبد. تتقاطر من حين إلى آخر على الأرض بيضاء ناصعة.

خذ نفسا وتنفّس. خذ نفسا وتخيّل. خذ نفسا واركب فإن لم تركب فلا بأس أن تذهب راجلا حافي القدمين. عاري الرّأس. منتفخ القفص. متورّم البطن. تبوّل على نفسك ومدّ يدك وأبسط قدمك وردّد.

"متسوّلا في بلادي. بين أهلي وأصحابي. أجوع الأيّام وأعطّش اللّيالي. الاتكال على الله. الاتكال على الله".

خذ نفسا وأغمض عينا وسكّر الأخرى. حاول وحاول مرّة أخرى. لا بأس عليك. خفيفة هذه المرّة. السقوط مخيّب. السقوط مؤلم وموجع.

لا بأس قم وسر في سبيل الحياة فمن نام لم تنتظره الحياة. الحافلة لن تمرّ. المترو لن يقف. سيّارات التاكسي في إضراب عام. العام مرّ. رأس السنة اشتريت "كعبة ملفاي" و"قازوزة نصف لتر" و"دبوزة مرناق" حمراء صهباء. كانت ليلة عظيمة إلى مطلع الفجر. تغنّيت وترقّصت وتجرّعت الحثالة وتمرّغت وتمردت وتمنّيت وحلمت واحتلمت.

كنت وحدك. أنت العالم والعالم أنت. خذ نفسا هذه فرصتك. خذ نفسا وتعمّق في أعماقك. أحفر أكثر وأنبش أرضك بقوّة وأذهب أبعد وابتعد عن المشاكل. السياسة لعبة قذرة. قوانينها نتنة وحدودها عفنة. السياسة غدر ومكيدة.

وتذكّر حين كنت هناك تحت، في وسط "حلقوم الماء" تنام مطمئنّا، قرير النفس. فأخذوك أخذا وسحبوك سحبا وقطّعوك إربا وفصّلوك تفصيلا. ثمّ طبعوك بأيديهم بألوان غامقة حمراء وزرقاء وخضراء وبعدها كفّنوك ووضعوك في سلّة مهملات وأرسلوك إلى الجحيم.

خذ نفسا. أنت لا تسمع ولا ترى ولا تتكلّم. "قص جناح العصفور مرّة فلن يطير وقصّ جناحه مرّتين فلن يطير ولن يرى ولن يسمع أبدا".

تنفّس بعمق. صدرك ينتفض. قلبك يضمحلّ. يؤلمك. يوجعك. تمدّد على ظهرك كقطّ مريض. اصرخ وانبح ككلب كسيح. وتمطّط وتقلّص وتثنّى ولملم جسدك وتقرفص.

أشعل سيجارة. أين هي علبة السجائر؟ أين هي؟ "وين خشّت" يعطيها عزاء. أخيرا ها هي في جيبك. وين البريكيّة (الولاّعة)؟ "وين باش نلقاها؟ أوف. مالك؟"

تائه. ضائع. أنت مبعثر كلّك مبعثر. متبعثر كلّ شيء فيك بعيد عن بعضه. اسحب نفسا. دع السيجارة تحترق. اجعلها تلتهب، وتفرّج على الدّخان وهو يرتفع إلى أعلى ويتركك في الأسفل.

لماذا لا أرتفع أنا؟ أنا ملتصق بالأرض لا أستطيع التخلّص منها. هي تريدني بقربها. أنا لن أتخلّى عنها. عطفت عليّ وحملت لي الطّعام وأسقتني الماء البارد في أيّام الصيف الحارّة. وقدّمت لي الملابس النظيفة.

أنا أحبّها كثيرا رغم أنّها في عمر أمّي تقريبا. هي عجوز لكنّها عجوز طيّبة شرهة. دائمة الابتسام. هي تعيش وحدها في منزل صغير لكنّه جميل ونظيف.

حين سمعت خبر وفاتها بكيت كثيرا حتّى أصابني الغثيان وأغمي عليّ. وحين أفقت وجدت نفسي في أحد المستوصفات.

لكنّي سرعان ما تذكّرتها، فغلبتني الدّموع وغيمت الدنيا وغبت. وحين أفقت وجدتني في زنزانة منتنة متقوقعا على أرضيّة لزجة رطبة وتتقاطر على رأسي قطرات ماء متّسخ عفنة. لا باب. لا شبّاك. لا نور ولا ضياء ولا هواء.

تركوني هناك وأهملوني وتناسوني حتّى تعفّنت وتقيّحت.

وحين أفقت في الثالثة وجدت نفسي في سلّة المهملات.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC