مهند فوده - مصر

مات جنينا يا ليلى

مهند فودهما كان لي يا ليلى خياراً في حبك، وأنــا الذي لم أؤمن بالحب قبلك بل وكنت استخف دوماً بالمحبين.

كان الحب بالنسبــة لي نوعاً من الهراء، فكيف لإنسان ولد حراً أن يبيع نفسه عبداً لما يسمى "الحب"؟

كنت أسمع دوماً عن عذاب المحبين وآلامهم، عن شقائهم و اكتئابهم، وما كان لي فضول في تجربة ألم الحب، فيكفيني ما أنــا فيه.

وكأن الحب سمعني أسبّه، وكأنه سمعني أسخر من مُريديــه، وقد غضب و استحلف لي من وصفي لهم بالعبيد، فأراد أن يشتريني عبداً و أنــا الذي عشت عمري قبله حراً.

أراد أن يتحدى نفسه في مباراة كنتِ أنتِ يا ليلى فيها خصمي ورهان الفوز كان على قلبي. وقد كان وفزتِ به وبدلتِ لدي كل المبادئ والمفاهيم. ورغم هذا أجدني اليوم قد خسرت كل شيء حتى ما كنتِ تعدينه فوزاً مبيناً وجعل مني بشرا من جديد.

قبله، كنت أظن أنني سأكون أقوى في مقاومتـه، وبعد أن وقعت في أسره، ظننتني سأكون أكثر شراسة كي لا يفارقني وأفارقه، فما أجمل قيد الحب! وما أروع أن يكون الحبيب أسيراً لهوى الحبيب!

ورغم أن الحب لم يباغتني كما عادته حينما ينفذ لقلوب المحبين، إلا أنني لم أجهز عتادي كما يجب وينبغي، وأعد العدة لحرب غافلتني على حين غُرة، حرب لم أدرِ لها سبباً وإلى الآن لا أدري لما اندلعت، حرب لم أتوقع أن يكون أقرب الناس لي فيها هم خصومي والحب هو قضيتي.

لم يدر بخلدي يوماً أن الحبيب بحاجة لحمل سيفه متى نوى الإعلان عن حبه، وأن يتحسس جيبه بين الحينة والأخرى ليتأكد أنه يحمل ما يكفي من طلقات البارود ليدافع عن حبه متى استلزم الأمر وقرر أن يمشي بين الناس حاملاً بين ضلوعه قلباً ينبض.

لا يهم في تلك الحرب، إن اختلط عطر الحب برائحة البارود، ولا إن تلطخ ثوب الزفاف الأبيض بدماء من أحبوك. هكذا كان يحارب العشاق في مدينتي، هكذا علمتنا الجدات، وما زالت تحكي شواهد القبور.

ولكنني يا ليلى لم استطع أن أحذو حذوهم، لم أستطع أن أشهر سيفي في وجوههم، أو أمد أصابعي لأي من رصاصات جيبي، وإما قاتل لهم وإما على يديهم مقتول.

كيف لي أن اختار، بين كوني حبيباً لكِ مُجرماً في حقهم، وخائنا للحب باراً بهم. وبدورهم لم يدعو لي فرصة للتردد والاختيار، فهم في قتل الحُب أساتذة وخبراء. قرروا عني واتخذوا القرار.

وقد كان.

مات جنينا يا ليلاه، أجهض كما يجهض في تلك البلد كل حلم، وقتل قبل أن تتكون بين ضلوعنا بذرة حب.

لم يكتب لبذرة حبنا الحياة لأنها لا تنبت بداخلنا فقط، تنبت وفروعها تتشابك بين أناس نحبهم ونحيا معهم، وليس كل ما ينبت بداخلنا يا ليلى يروق لهم.

اقتلعوها من صدورنا قبل أن تنبت لها جذور كما يدعون. قبل ان تنفخ فيها الروح كما يبررون.

ليس لقتل الحب يا ليلى أي مبرر أو دافع. هو جريمة نكراء كما علمتنـــا كل الشرائع. كما روت لنا حكايا التراث وليتنا بعِبر حكايا أجدادنا نعتبر.

يظنون أنه لن يؤلمنا استئصاله منا متى كان ذلك مبكراً. وان النقاهة بعد نزعه منا ستكون شيئاً يسيراً هيناً.

يظنون أن أثر الحب سيُمحىَ من ذاكرتنا متى نزعوه من أحشائنا، وأن العيش دون قلب أمر مألوف كما سبق وتعايشوا بدونه منذ عقود قبلنا.

يؤمنون بأن زمن قيس قد ولى، وأن لا مكان للحب في هذا الزمان بيننا.

أما كان لنا يا ليلى أن نكون معاً بعيدا عن بلاد يوأد فيها الحب جنيناً كما توأد البنات؟

أما كان لنا أن نحيا بعيداً عن أناس برعوا في بناء مقابر للحب بدلاً من الشروع في بناء مساكن تضمهم متاحبين تحت سقفه وبين جدرانه؟

في بلاد عز للحب فيها أن يحيا، ما كنت أنشدها يوماً موطن لحبي لكِ يا ليلى. ما كنت أبغاها أرضا لي ولكِ، ولأولادي منكِ يرثوا فيها القهر من سكانها والكُرهِ.

سيأتي يوماً يا ليلى تتوقف فيه الجدات عن سرد حكايا الحب. وستتعاقب أجيال ستحيا وتموت دون أن تدرك معنى للحب. ستندثر ذكراهم برحيلهم عن الدنيا، لأنه لم يكن في سيرتهم شيء يذكره ويخلده الحب.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3181547

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC