د. يسري عبد الغني عبد الله - مصر

بلاغتنا الجميلة: من ينقذها؟

تقديم

نحاول في هذه السطور أن نسجل قدر الطاقة والإمكان ما يجب علينا نحو بلاغتنا العربية الجميلة حتى نستطيع أن نقيل عثرتها، فتؤتي ثمارها على الوجه الأكمل، ونعود بها إلى حقلها الثري وهو الأدب، وخاصة أن البلاغة متصلة تمام الاتصال بالمعارف البشرية العامة، علوماً كانت أم فنوناً، فهي تستمد موضوعها من: القرآن الكريم، والحديث النبوي المطهر، وكلام الأجداد العرب بجميع ألوانه وأنواعه. أي إجمالاً: من الأدب، وأحسن ما في الأدب.

وطوال اتصالنا بالأدب العربي في عصوره المختلفة تطلعنا بجلاء ووضوح على التراكيب الفنية، وما فيها من تأنق في القول، وإن صح أن لها قواعد أو ما يشبهها، فليس ذلك في التحليل الأخير إلا أثراً من آثار الاستقراء الأدبي المتأني والملاحظة الفنية التي تتأتى من طول الدربة، وعمق الممارسة.

والموهوبون أدبياً يعرفون تمام المعرفة مزايا الذوق الأدبي بأنفسهم ودون واسطة، أما غيرهم فلا يصلون إلى ذلك المرمى إلا إذا ساعدتهم الوسائط، ونعني بها الدراسات الفنية التي توقظ في وجدانهم ما خفي من الذوق الأدبي ومزاياه وأسراره.

وإذا كان الأدب هو مصدر البلاغة ومنهلها العذب الذي لا ينضب، فإن تاريخه الممنهج الصحيح هو وسيلة الاستنتاج الصادق من هذا الأدب. ومن هنا تعود آثاره على الدرس البلاغي، وتمنح أسسه وقواعده الصحة والدقة.

إن الأدب وثيق الصلة بالبلاغة، وتاريخه الطويل الممتد متصل بها عن قرب قريب، وعلينا أن ننتفع بتلك الصلة الحميمة من أجل أن تكون أحكامنا البلاغية أهدى سبيلاً وأدق نظراً ووعياً وإدراكاً.

ولغتنا العربية التي نزل بها القرآن الكريم هي من اللغات الشاعرة التي يلعب فيها الخيال —إذا ما أحسن الوعي به، وأحسن استعماله— دوراً كبيراً فاعلاً، وهي قادرة رغم ما يدعيه الذين يهاجمونها ويحطون من شأنها، قادرة عى المرونة والتطور والبقاء واستيعاب كل أوجه إبداعنا الفني والأدبي والعلمي، والاتساع لكل ما يجد في حياتنا المعاشة من مصطلحات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، واختراعات علمية وتقنيات حديثة، وكأني بها تعتب علينا في قول الشاعر حافظ إبراهيم:

وسعت كتاب الله لفظاً وغاية — وما ضقت عن آي به وعظــات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة - - وتنسيق أســماء المخترعات؟

أنا البحر في أحشائه الدر كامن - - فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟

فلا تكلوني للزمان فإنـــني - - أخاف عليكم أن تحين وفـــاتي

فأين ذلك الغواص الماهر الذي يكشف عن صدفات لغتنا الشريفة؟

إن علينا تجاه دراسة وبحث وتدريس البلاغة العربية عامة، وألوان الخيال بصفة خاصة (التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز، إلى آخره) بكل ألوانها وفروعها، واجبات أربعة مهمة: واجبنا نحو تدريس البلاغة. وواجبنا نحو التأليف في البلاغة. وواجبنا تجاه البلاغة نفسها. وواجبنا فيما يخص تطبيق المسائل البلاغية في النقد الأدبي.

تدريس البلاغة وصلتها بالحياة

إن واجبنا نحو تدريس البلاغة العربية هو وصلها بالحياة المعاشة، وذلك يكون بالتدرج، ونقترح أن يكون ذلك عبر ثلاث خطوات:

الخطوة الأولى

أن نتلمس في لغتنا الدارجة عبارات تصلح ـ بعد أن نجعلها معربة ـ أمثلة لمسائل البلاغة، فإذا عرضنا على أبنائنا من الطلاب أو القراء هذه الأساليب، كان من اليسير عليهم أن يتذوقوا جمالها، وفي كلامنا اليومي العادي ألوان بارعة لضروب التصوير البياني (الخيالي أو البلاغي)، ولغيرها من ألوان الخيال البسيط المعبر، فعلى سبيل المثال: نحن نكني عن شدة الزحام بقولنا: "ترش الملح ما ينزلش"، يمكن لنا أن نحول الفعل الأخير إلى فعل فصيح، فتصير الكناية غاية في الروعة.

وكقولنا لمن لم يفعل ما كنا نرجوه منه: "قصرت رقبتنا"، وكقول بائع الطماطم في السوق "مجنونة يا طماطم". وتلك كناية عن عدم استقرار سعر الطماطم التي تتأثر بتقلبات الجو فيرتفع ثمنها تارة وينخفض تارة أخرى، أو قول بائع (الكتاكيت): "المِلاح المِلاح"، وتلك كناية عن جمالها.

ويطول بنا المقام لو حاولنا مجرد عد أمثال هذه الصور اللطيفة الجميلة المعبرة فضلاً عن حصرها.

وعلى الإجمال فإن معظم أمثلتنا العربية الفصيحة والشعبية الدارجة تتحقق فيها تلك المزية النادرة، ولكن أين الغواص الماهر كي ينقب لنا عن هذه الصدفات؟

الخطوة الثانية

وبعد التلمس في لغتنا الدارجة والتي لا نشك في أن الأغلبية العظمى من ألفاظها تعود إلى أصول فصيحة، نقترح أن ننتقل بعد ذلك مباشرة إلى أدبنا الحديث، شعره ونثره، لأن لغته أقرب وأيسر للمتلقي من الأدب القديم، فيسهل عليه تبين أوجه الجمال البلاغي، والوقوف على أسراره الجمالية، وإدراك مناحيه البلاغية.

الخطوة الثالثة

وبعد هاتين الخطوتين أعتقد أنه يصبح المجال سهلاً لتذوق أمثلة أدبنا العربي القديم بمراحله التاريخية المختلفة.

وبهذه الخطوات ينتقل الطالب أو الدارس أو القارئ للبلاغة العربية انتقالاً طبيعياً تدريجياً، ويرى بجلاء ووضوح أن مسائل البلاغة ليست بعيدة الباتة من حياته المعاشة، ولكنها قريبة كل القرب وموجودة بالفعل في واقعه اليومي، وبين يديه، في أدبه الحديث المعاصر، وفي نفس الآن موصولة بتراثه القديم.

الحاجة إلى نظرات جديدة

نعم، نحن في حاجة ماسة إلى نظرات جديدة، نظرات جادة في مبادئ هذا الفن الجميل الذي ظلمناه طويلاً، فن البلاغة العربية.

ونرى أن الضرورة قصوى، والحاجة ماسة، لأن نفعل ذلك، ونساعد عليه، وقد يرى معي كل مهتم بلغتنا العربية الشاعرة أن عقارب الساعة تشير إلى أن ذلك قد حان بالفعل، حان الوقت لأن نرفع الظلم الذي وقع على بلاغتنا العربية، وذلك عن طريق النظر في قواعدها، وتصفيتها من جديد، تصفية علمية استقرائية منهجية تلائم لغتنا العربية، بعيداً عن المناهج المجلوبة من الخارج، وبعيداً عن الآراء المتحذلقة المتفيقهة الممجوجة، والتي تضر ولا تنفع.

وقد أجد أحد القراء الأفاضل يقول لي: إن هذا الكلام الذي تقوله عام جداً، فهل لك أن توضحه أو تفصحه بشيء من الخصوصية؟

وأرد قائلاً: إن هذا يثلج صدري، وأحب أن أقول:

ينبغي أن يكون في حسابنا وحسباننا أن البلاغة العربية هي سناد الأدب، وهذا ما اتفقنا عليه في بداية هذه السطور، كما لا يغيب عن السائل الكريم وعنا أن الأدب هو صورة للحياة وسجلها الدائم، وإذا كانت الحياة من سننها التقدم والتطور، وإذا أُتيحت الفرصة للأدب أن يساير هذا التطور الحياتي في مختلف أشكاله، وشتى مظاهره، وكافة مستحدثاته، فلا أقل للبلاغة —وهي معتمده— أن يشملها التطور هي الأخرى حتى لا يشعر أهل التلقي من القراء والمتذوقين والمتابعين ببعد الشقة بينها وبين الأدب بشتى أجناسه وأنواعه.

وعليه فيجب علينا أن نفتح الباب على مصراعيه —دون خوف أو وجل أو تردد— كي ننتفع كل الانتفاع بعلوم كثيرة باتت بين أيدينا في هذا المضمار، وذلك مثل: علم الجمال، وأبحاث التذوق الفني، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس الأدبي، وعلم الاجتماع الأدبي، وغير ذلك من العلوم التي تبحث في الاتصالات الواسعة بين الفنون الجميلة، كما يجب علينا الاستفادة بالموسيقى والتصوير والرسم والنحت، وكل الفنون المعبرة التي قطعت فيها الإنسانية شوطاً كبيراً.

كل هذا يدفعنا إلى إعادة النظر في بلاغتنا العربية على أساس خصب متعمق، لا يعرف التقوقع أو الانعزال، أساس يستلهم هذه المنافع الفنية من أجل أن يوردنا حياضها، فنسقى مع الشاربين، دون أن نقف جامدين متجمدين، إلى أن يجف المنهل العذب.

الغرض من التجديد

إذا كان الأمر كذلك، فإن التجديد الذي ننشده له غرضان: غرض قريب، وغرض بعيد.

أما الغرض القريب فهو ضرورة تسهيل دراسة المواد الأدبية، وتوفير ما يبذل فيها من جهد ووقت مع تحقيق المطلوب من دراستها تحقيقاً علمياً مفيداً ومؤثراً. والذي يحقق هذا الغرض المنهج الصالح المتكامل، والكتاب الجيد المنظم، والمعلم أو الباحث الكفء.
والغرض البعيد هو أن تكون دراسة البلاغة العربية مادة مهمة من مواد النهوض والارتقاء والإصلاح الاجتماعي تتصل بشكل حميمي ومباشر بمشاعر الأمة كلها، وترضي كرامتها الشخصية، وكينونتها الذاتية.

وإذا كان الأمر كذلك، وقد اتفقنا عليه فلا مانع إذن من أن نتجاسر ونختلف مع أستاذنا الشيخ الجليل أمين الخولي (رحمه الله)، والذي كان يرى أن نعمد رأساً إلى تحقيق الغرض البعيد في تجديد البلاغة العربية، تجديداً يمس الأصول والأسس (الثوابت) فنغيرها، وننفي منها ما نشاء، ونثبت ونخالف، ونتناول بعد ذلك كل المسائل كما نريد، وذلك بعد ما استطعنا التحكم في الأصول الكبرى.

لهذه الأسباب نعيد النظر في البلاغة

وبالطبع نحن نقدر ونحترم هذا الرأي السابق، ونؤمن تمام الإيمان بضرورة النظر في قواعد البلاغة العربية، ولكن لنا أسبابنا، والتي نوجزها فيما يلي:

=1= نعيد النظر في قواعد بلاغتنا العربية القديمة لنهذبها ونشذبها، ليسهل على الجميع تعاطيها، والاستفادة منها.

=2= نعيد النظر في هذه القواعد لننقيها مما أصابها من الخلافات والاعتراضات السقيمة التي تعطل القدرة على الاستيعاب والفهم.

=3= نعيد النظر في هذه القواعد لننقيها من منطق المقدمات الجامدة، واستنتاج النتائج التي طغى عليها.

=4= لنقلل من القواعد الجامدة العقلانية التي تحد من إدراك القيم الجمالية المنطلقة من الأحاسيس والمشاعر الصادقة.

=5= لنكثر من الشواهد، ونظهر جمالها.

=6= لنكشف عن القيم الجمالية التي تكسب الشاهد رفعة ومكانة.

=7= لنتجنب فرض القاعدة على النص حرفياً دون نقض أو إبرام.

=8= لنتحسس وندرك ونعي سبب الحسن والجمال في النص الذي نتعامل معه.

=9= لا ضرر ولا ضرار في أن ندمج بعض الألوان البلاغية التي تتشابه، وذلك حتى لا تكثر التفريعات و التعريفات التي شوهت بلاغتنا العربية الجميلة، والتي هي من المفترض مفتاح الوصول إلى القيم الجمالية في العمل الأدبي.

عندما نكتب في البلاغة

وهنا نطالب بضرورة ألا نقف ونحن نكتب في بلاغتنا العربية عند ذكر التعاريف والمفاهيم والأمثلة، ونسعى إلى تبيين أسرار الجمال، وصلة ذلك بالنفس الإنسانية، فذلك هو المهم والأهم.

عندما نكتب للناشئة والطلاب علينا أن نحاول ترك الأمثلة التقليدية التي لا تصلح لعصرنا الراهن، وإن كان من اللازم اللازب استعمالها فيكون ذلك بحذر شديد، فلا نستعملها إلا من أجل فهم القديم واستيعابه وإدراكه، لأنه لا جديد لمن لا قديم له.

وعلينا أن ندع على الفور طريقة التلخيص وتلخيص التلخيص وشرح التلخيص وشرح شرح التلخيص، وهذه طرق عقيمة لا تناسب المتلقي الحالي، كذلك علينا أن ندع خلط المسائل البلاغية بالفلسفة والمنطق.

ويجب ألا نقف في دراسة المفرد والجملة عند الحدود التي رسمها الأجداد، بل علينا البحث الجدي في ألوان جديدة للجمال في المفرد والجملة.

ولنعلم تمام العلم أن أهل البلاغة وكتابها فتحوا باب الاجتهاد في البلاغة على مصراعيه، وقرروا أن البلاغة علم ينضج، ولم ولن يحترق.
نأتي بعد ذلك إلى ضرورة تطبيق المسائل البلاغية على النصوص الأدبية، كمقياس من مقاييس النقد الأدبي، يجب أن نعرض هذا التطبيق في ثوب عصري مناسب، ثوب يستفيد من دراسة الذوق والفن والجمال، ثوب يعتمد على الدرس النفسي مؤثراً للشرح والتوضيح.

التجديد: بين الهدف والجهود المشكورة

لعلنا جميعاً نتفق على أننا نشعر شعوراً واضحاً بأن الوقت قد حان للنظر في قواعد البلاغة العربية، وتصنيفها من جديد، وقد يلح علينا هذا الشعور لما نجد من (التزايل) والتلاؤم بين الأدب والبلاغة، الأمر الذي يظهر لنا بجلاء السلبيات التي تواضع عليها البلاغيون القدامى في قواعدهم ونظرياتهم.

إن سنة التطور التي تشمل واقعنا المعاش تدعونا حتماً إلى التفكير الناقد (المعتمد على الفحص والتمحيص والتدقيق)، فيما بين أيدينا من قواعد بلاغية أكل عليها الدهر وشرب فتحجرت، وأصابها الجمود فلم تعد صالحة للنظر أو للقياس.

والحق يقال إن بعض الباحثين الأجلاء قد لمس قبلنا هذا الجمود في القواعد بلاغتنا العربية، ورأى أن الأمر يستلزم أن نكر كراً على هذا الركام المتراكم الذي طفحت به كتب البلاغة، ودعوا بكل الصدق والحماس إلى ضرورة استخلاص النافع المفيد منه.

وطالب هؤلاء الأساتذة الذين تعلمنا على أيديهم ونهلنا من علمهم الغزير، طالبوا بإعمال الفكر المبتكر لتلافي وتقويم ما عسى أن يكون قد ند عن أذهان الباحثين في البلاغة عبر تلك العصور المتطاولة، ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال لا الحصر: أستاذنا أحمد مصطفى المراغي في كتابيه: (علوم البلاغة)، و(تاريخ علوم البلاغة)، ونذكر كتاب (البلاغة الواضحة) لأستاذينا على الجارم و مصطفى أمين، وكتاب (دفاع عن البلاغة) لأستاذنا أحمد حسن الزيات، كما نذكر كتابات أساتذتنا الأجلاء: أستاذنا عباس محمود العقاد، وأستاذنا الدكتور طه حسين، وأستاذنا الشيخ أمين الخولي، وأستاذنا الدكتور إبراهيم سلامة، وأستاذنا سلامة موسى، وأستاذنا أحمد الشايب، وأستاذنا الدكتور بدوي طبانه، وأستاذنا الدكتور حفني شرف، وغيرهم. وكلها كتابات جادة راقية تعلمنا واستفدنا منها الكثير، رغم خلافنا الفكري والمنهجي المتواضع مع بعضهم.

ولكن وجهات النظر التي عبر عنها هؤلاء العلماء وغيرهم لم يتسع ضوؤها لينير، كما لم يتسع صداها ليفيد، وبقى بين أيدينا من قواعد البلاغة ما يعيد رجع الماضي، ويسمح بشيء من الأناقة والزخرف السطحي أحياناً، وليس هذا ما نبغيه من تجديد أو تطوير.

نعم، لقد حان الوقت لتجديد بلاغتنا العربية، وقد توافرت بعون الله الدواعي الكثيرة التي تحتم علينا أن نعيد النظر في قواعدها، وأن نضع أسساً جديدة للنقد الأدبي المعاصر من واقع الثقافة العميقة التي أضحت حقاً مكفولاً للجميع، ومن واقع ثقافتنا العربية الإسلامية الأصيلة، دون أدنى احتياج إلى مناهج وافدة تضر بخصوصياتنا ولا تفيدنا، بل أنها تدفع بنا إلى بحر التغريب دون هوادة.

دوافع متضافرة

هناك دوافع كثيرة متضافرة تلح على مسألة تجديد البلاغة، منها طبيعة الأدب العربي، فهو متجدد أو قابل للتجدد، مثله بالطبع كسائر آداب الدنيا، وأنه تسري فيه دماء الحياة، وقد واكب قواعد البلاغة منذ زمن طويل، فقبل العصر العباسي كانت هناك نظرات صائبة في النقد الأدبي، وتعليقات عديدة جادة على إنتاج الأدباء.

ومنذ أظل العصر العباسي حركات الترجمة التي نقلت إلى لغتنا العربية بلاغة أرسطو اليوناني، والعلماء مشغولون بتأصيل قواعد البلاغة العربية، والدارس لهذه الفترة يعرف أن البلاغة والنقد الأدبي في العصر العباسي سارا في تيارين مختلفين: الأول تيار متأثر بالثقافة اليونانية، وبلاغة أرسطو إلى حد واضح. والثاني تيار من وحي الذوق العربي الخالص.

لقد واكبت البلاغة الأدب العربي، ولكنها لم تؤثر التأثير الكافي في تصحيح مفهوم الأدب أو معناه كفن، وشغلت بمسائل جزئية استهلكت طاقتها، وبددت سلطانها، مما أعاقها عن حسن القيام على الأدب.

وقد أحسسنا في العصر الحديث ببعد الشقة بين الأدب والبلاغة، وذلك لما سرى في حياة الأدب الجديد من تطور، الأمر الذي يحفز الهمم إلى إعادة النظر في بلاغتنا العربية.

البلاغة هي سناد الأدب

ينبغي أن يكون في تصورنا وحسباننا أن البلاغة هي سناد الأدب، قوامة عليه، وإذا كانت نظرتنا اليوم إلى الأدب نظرة تقدمية أو حدثية، إذ أن أدبنا صورة لحياتنا الجديدة المتطورة، فنحن ننتظر من الأدب اليوم أن يدفعنا إلى التقدم والتطور، وأن يزيد إحساسنا بالحياة العصرية الحديثة التي نعيشها، بشرط الحفاظ الكامل على قيمنا وثوابتنا.

فكيف إذن يلتفت الأدب الحديث إلى البلاغة الجامدة؟ كيف يستوحيها؟ كيف يستفتيها؟ كيف يصدر عنها؟

الأمر كما ذكرنا يتأتى من الفارق الكبير بين أدب متطور، وأدب مدفوع بعوامل النهضة المختلفة، وآلية التأثير والتأثر، وشراكة الحياة المتجددة المتطورة، وبلاغة لم تجدد ثيابها، وقد أبلت أسمالها القرون.

وقد جدت في فنون الأدب أشياء وأشياء نتابع الآن إبداعاتها، ولم يرها أدبنا من قبل في كلاسيكياته، ولم يخض غمارها، فبأي مقياس نقيم ونقوم ونحلل ونستقرئ وننقد ما جد على أدبنا من فنون؟

نقول في صراحة لا مواربة فيها: إن نقادنا من المعاصرين بل الذين قبلهم، منذ الثلث الأول من القرن العشرين، يستوحون لتلك الفنون الجديدة كالمسرحيات بأنواعها المختلفة، والمسرحيات الشعرية منها على وجه الخصوص، والقصة، والأقصوصة، والرواية، والشعر الحر، أو ما يدعى بقصيدة النثر، يستوحون قواعد النقد الغربي بكل آلياته.

نؤكد هنا على أنه لا ضرر ولا ضرار من الاقتباس المفيد، الاقتباس الواعي، الاقتباس المازج بين الثابت والمتغير، بين الأصيل والوافد، ولكننا في نفس الوقت نلح على أن الأدب هو نتاج فكرة، نتاج إحساس، فيض مشاعر، نبع عواطف، يخرج إلى الناس من أجل المتعة المنطلقة من التذوق الراقي، ومن تغذية الأحاسيس والسمو بها، وكذلك إمتاع الوجدان والمشاعر.

هذا الأدب ينبغي أن تكون مقاييسه كلها نابعة من روح المجتمع الذي يصدر عنه الأدب، المجتمع الذي هو المستمتع بها، وهنا لا يصلح للأمر الاستيراد أو التصدير، كما لا تصلح الخصخصة أو السوق الحرة، فكل أدب له مجتمعه، وكل مجتمع له أدبه الذي يعبر عنه، وبالتالي يستمتع به.

عصر العلم الذي نحياه

نحن الآن نعيش عصر المعلومات والاتصالات، عصر التكنولوجيا والحاسب الآلي، والاتجاه الذي يسود فكر الناس، وطرائق تفكيرهم هو العلم أو فلنقل الاتجاه العلمي المتعمق، ومن هنا كان لزاماً علينا أن نغير مقاييس بلاغتنا العربية بروح من البحث العلمي الخصب المتعمق.

وهنا أحب أن أذكر ملاحظة مهمة: أننا حين نكسب بلاغتنا روحاً من الخصوبة والتعمق لا نقصد على الإطلاق أن ننحرف بها عن ميدانها الأصيل ونعني به الهيمنة على الأدب كفن ذوقي في المقام الأول، يقصد به الاستمتاع الفني، والدفع القوي إلى أعلى مراتب السمو الوجداني والنفسي.

ونحن نرى مقدار ما خاضت فيه الدراسات النفسية بجميع فروعها، وما جد على حياتنا المعاصرة من علوم إنسانية نافعة، فعلم الجمال وأبحاث التذوق الفني، وعلم النفس الأدبي وغيرها من العلوم، وكذلك الدراسات التي بحثت الصلات الواسعة بين الفنون التشكيلية المختلفة، والموسيقى، والرسم، والتصوير، والشعر، والنحت، وعلى الإجمال كل الفنون المعبرة عن مشاعر الإنسان وأحاسيسه في مختلف المناحي.

ولعل هذا كله يدفعنا دفعاً إلى إعادة النظر في قواعد بلاغتنا العربية، ونقدنا الأدبي على أساس متعمق خصب يستلهم هذه المنابع الفنية التي برزت في عصرنا.

مهمة البلاغة

ينبغي لنا أن نحدد مهمة البلاغة الحديثة في ظل الأدب، وقد يكون واضحاً للمتابع أن مهمة الأدب هي: إمتاع الذوق، وإعلاء الفكر بما يصوره لنا من خوالج النفس السوية، وومضات الفكر الباهر.

إذن فلتكن البلاغة قواماً أميناً يرسم الطريق للذوق الأصيل كي يطرد الابتذال والسوقية والعشوائية من حياتنا، ويشرح المنهج للفكر الواعي المستنير الذي نحن في أمس الحاجة له.

وهنا يقفز على الفور سؤال يعترض أذهاننا، سؤال متوقع من المتابع لسطورنا ألا وهو: هل كانت البلاغة القديمة مما يرسم الذوق، ويبين قصد السبيل للبصر النافذ الحساس؟

أعتقد أن البلاغة العربية القديمة أوغلت في شعاب من جمود الفكر، وصخور من تحجر الحس حتى كادت تنفصل عن الأدب انفصالاً تاماً، وتفترق إلى طريق غير الطريق.

وعليه نصرخ من الأعماق: إن مشكلة البلاغة أزمنت وتعقدت، وهي تطلب التيسير، وتناشدنا أن نسارع إلى ذلك.

عندما يسيطر المنطق

أعود لأقول: إن سيطرة الذهن والمنطق أو العقلانية المجردة على ما هو وجداني، أو على ما هو بسيل الوجدان أمر شاذ كل الشذوذ، غريب كل الغرابة، وهذه هي مشكلة البلاغة العربية، وعقبتها الكئود.

ليست البلاغة منطقاً آرسطياً بحتاً، وليست قواعد بروتوكول، أو أسس كهنوتية جافة جامدة لا تقبل الأخذ والرد، أو التجديد والتطور، وإنما هي قواعد الذوق الشفاف، قواعد الوجدان المنطلق، الوجدان الهائم الذي ينشد أناشيد الفن الجميل الصادق، ناظراً في جمال الحياة، يستكنه هذا الجمال، ويسبر أغواره، فيكسبه فناً من التعبير يتملاه الذهن الرفيف، والحسن الذواق، فناً نقياً رائقاً جميلاً، تستعلي به النفس، ويستمتع به الوجدان في سماء الصفاء والنقاء والطهر بعيداً عن دنايا الواقع بكل صغائره وسفاسفه.

أقول لكم: حين بدأت البلاغة بقواعد أرسطو في العصر العباسي سارت في دروب مظلمة، مرتطمة بصخور قاسية في شعاب الذهن الجامد المدلهم، وأصبحت وهي فن الذوق الجميل، باباً من أبواب المنطق تعيش أبوابها وفصولها على هامش المنطق والفلسفة، فلا هي من الفلسفة ولا من المنطق، ولا صلة ولا رحم يجعلها تمت إليهما بنسب.

وكانت مشكلة البلاغة هينة جداً في العصر العباسي، وذلك حين كان الذوق قوياً خصباً غير معقد، ولكنها تعقدت فيما بعد وذلك خلال ما تلى الفترة العباسية من عصور، ففي أيام الأتراك والمماليك عاشت البلاغة العربية أياماً كالحة حالكة، وكادت أن تلفظ روحها لفظاً في غياهب الذهن المتحجر، وجفاف القواعد الجامدة.

ولعل المتابع بعد ذلك يرى معنا كيف كان المنطق هو الدعامة التي روعيت في تأصيل قواعد البلاغة، بل كشف أسرار الجمال في التعبير أو في الأسلوب.

وكيف أنه ينبغي أن نرجع البصر أكثر من كرة إلى هذه القواعد فنقوم بفحصها ودرسها وتمحيصها وغربلتها على أساس جديد من دراسة النفس والذوق، وليسيطر التيار الذوقي/النفسي على قواعد البلاغة بدلاً من المنطق القاسي الواهن.
ولا بد أن نناقش بعض هذه القواعد البلاغية كما رآها البلاغيون أنفسهم، ثم نقضي بما نرى من نظر جديد، ولعل سطورنا أو مناقشتنا هذه فيها ما يكشف عن وجه الصواب، ويجلي الحقيقة ويكون اقتراب من فصل المقال في هذه المشكلة.

وختاماً، فإن كل ما نأمله أن تكون سطورنا المتواضعة هذه مجرد لبنة تسير في الاتجاه النقدي الذي نرجوه ونتمناه كلنا لبلاغتنا العربية الجميلة في غمرة الاندفاع العلمي والمعرفي الذي مس كل جوانب حياتنا.

= = = = =

الأسانيد

(1) حفني محمد شرف، التصوير البياني، القاهرة، 1972.

(2) حافظ إبراهيم، ديوان حافظ إبراهيم، دار الكتب المصرية، القاهرة.

(3) أمين الخولي، من النقد والأدب، القاهرة.

(4) حفني محمد شرف، مذكرات في البلاغة العربية، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، 1964.

(5) أحمد مصطفى المراغي، علوم البلاغة، القاهرة.

(6) أحمد مصطفى المراغي، تاريخ علوم البلاغة، القاهرة.

(7) أحمد حسن الزيات، دفاع عن البلاغة العربية، لجنة التأليف والنشر، القاهرة.

(8) عباس محمود العقاد، لغتنا الشاعرة، دار المعارف، القاهرة.

(9) عباس محمود العقاد، مقالة عن البلاغة العربية، صحيفة الأخبار القاهرية، بتاريخ 29/1/1964.

(10) سلامة موسى، البلاغة العصرية واللغة العربية، القاهرة.

(11) أمين الخولي، البلاغة العربية وأثر الفلسفة فيها، القاهرة.

(12) إبراهيم سلامة، بلاغة أرسطو بين العرب واليونان، القاهرة.

(13) حفني محمد شرف، البلاغة العربية، القاهرة، 1971.

(14) يسري عبد الغني عبد الله، معجم المعاجم العربية، دار الجيل، بيروت، 1991.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3180822

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC