هدى الكناني - العراق

قطرات دؤوبة

قلت: سأُكرم حبنا وستُخّلدني بكلمات حروفها ألقٍ وعشق، فصدقتك.

كتبتُك كلمات حروفها وريقات الزهور وتويجاتها. لفعتها بغلالات عطري. أودعت فيها أغلى أمنية. كحلّتها بقطرات الندى ووَسمُتها برحيق شوق مختوم.

وكتبتني بأحرف استعرتها من شوقٍ سابق، توق لاحق وحروف زائدة لعشرات النساء.

جئتني مرة حاملا سلّة كلمات منمّقة، كسلال الورود والفاكهة، يفوح شذاها في كل الاتجاهات فاشتريتها بغباوة، ونسَجت منها رداء ارتديته صدقا، خلته سيلتصق بالروح و يعبّق مسامي لآخر العمر. زهوت به كأميرة هاربة من بين سطورِ حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. تبخترت برداء كلماتك، ومشيت على أطراف أصابعي كراقصةِ باليه ترقص على أنغام موتزارت. لو سرت على صفحة ماء بحيرة ما عكّرت صفوها ولو برقيق المويجات. فإذا بثانية ترتدي رداء كلماتك وأُخرى وأخرى؛ بل كُن عشرات، فخلعته وغسلت جسدي بشلال دموعٍ ونشّفته بحرارة الآهات.

جئتني ثانية حاملا حزمة من ضياء النجوم، فاغتسلت بها ونثرت ما بقي منها على جدائلِ شعري، فثارت ألقا، رقصت طربا، شعّت ضياء؛ فاشتعلت اللحظات، وضجّت الأحاسيس وتسابقت أجمل الكلمات.

لمحتَك من بعيد محملاً، وكتفك تميلُ بحملها. تساءلت: أتراه قِدراً من معسولِ الكلمات، تطفو السعادة على وجهه وتتربّص في قعره المرارات؟

كنت متسلّحا بنظراتِ طفل مدلّل يندم كذباً بدموع زائفات، ما بلُلت رمشاً و لا منديلاً، ليُغفر له ما اقترفت يداه من شقاوات.

ناشدت قلبي: إياك إياك أن تُخدع مرة أخرى بعسلٍ مغمسٍ بنقيع سُم ومرارة حكايات، برجلٍ كممثلٍ مسرحي يضع ويخلّع عشرات الأقنعة في لحظات.

ما بالك؟ هل قطِعَت أوتار أحاسيسك كما ُتقطع شرايين الحملان في الأعياد؟ حتى الثياب إن غُسلَت تذرف دموعها حزناً على ما تغَلغّل في مسام نسيجها من ذكريات. و الطيور تبكي إناثها إن غادرتها وتتذكر لحظاتها الحانيةّ ودقائقها الحميمات. وأنت يا حاضرك مبهم،كليل أدهم، إن رحلت لا تعود، بلا ظل؛ بلا وطن؛ بلا غدٍ آت.

قلت: اشتقت إليك، فخِلتُك ستسابق المذنبات وتأتي وبقلبك الدافئ ستُسِكنُني، ولكنك كذبت. وعدتني بفرحة، فانتظرت وضحكتي طويلا، وأفل أملي كنجمةٍ غادرها القمر.

ما بال قلبي ما برِح يُحبك، لا يُخزن الألم و لا يتذكر الجفاء. كم وعدتني بفرحة فانتظرت ودمعتي طويلا، ورحلت ووصَمت القلب بالوجع مرة وأخرى بل لعشرات المرات.

قلت لكَ لم اعد احبك وسأنساك، فلم أقوَ على ذلك وكذبت. قلت لن ابكي رحيلك، وفي حزني غرقت. لمَ تهجر وتريد أن أنسى؟ كيف يُنسى الحب الكبير أو الوجع الكبير؟

أتدري بِمَ أُدين لك؟ أدين لك بوجعٍ، لم يكسرني بل جعلني شامخة كنخيل بلادي، دؤوبة كقطرات ماء منسية على سفح جبل، ألانت صخراً أصماً وانبّتت في قلبه الصخري نبتة أمل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC