د. سهام علي السرور - الأردن

الزمن في سرد سهيل إدريس

تكسير زمن السرد: الاسترجاع والاستباق في روايات سهيل إدريس

د. سهيل إدريس (1925 - 2008): مؤسس مجلة «الآداب»، ودار الآداب للنشر. والفقيد من أعلام الثقافة العربية فهو أيضا روائي وقصّاص ومعجمي ومترجم. للمزيد من التفاصيل عن حياته وانجازاته انظر العدد 22 من "عود الند".

د. سهام السرور: دكتوراه في اللغة العربية. التخصص: أدب ونقد. جامعة اليرموك، الأردن، 2013.

الموضوع أدناه مقتطف من رسالة ماجستير نوقشت في جامعة آل البيت (الأردن) عام 2010 تحت إشراف د. نبيل حداد. عنوان الرسالة "البناء الفني في روايات سهيل إدريس".


(أ) الاسترجاع

لا تسير الرواية بخط زمني واحد انتقالاً من الماضي إلى الحاضر ثم المستقبل؛ بل تراوح بين الوحدات الزمنية: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ لأن الأحداث في الرواية لا تُرتّب كما حدثت على أرض الواقع، وإنما يكسر الخط الزمني من خلال استخدام تقنيتي الاسترجاع: أي العودة إلى الماضي، والاستباق، أي القفز إلى المستقبل.

وحسب ما يرى حسن بحراوي "فإن كل عودة للماضي تشكل، بالنسبة للسرد، استذكاراً يقوم به لماضيه الخاص، ويحيلنا من خلاله على أحداث سابقة عن النقطة التي وصلتها القصة"(1).

وتشرح سيزا قاسم مفهوم الاستباق على النحو التالي:

"يترك الراوي مستوى القص الأول ليعود إلى بعض الأحداث الماضية، ويرويها في لحظة لاحقة لحدوثها. والماضي يتميز أيضاً بمستويات مختلفة متفاوتة من ماضي بعيد وقريب ومن ذلك نشأت أنواع مختلفة من الاسترجاع:

=1= استرجاع خارجي: يعود إلى ما قبل بداية الرواية.

=2= استرجاع داخلي: يعود إلى ماضٍ لاحق لبداية الرواية قد تأخر تقديمه في النص.

=3= استرجاع مزجي: وهو ما يجمع بين النوعين"(2).

يأتي الاسترجاع الخارجي على صورة تذكّر لأحداث سابقة للحدث الذي تبدأ به الرواية، وأدّى إلى تذكّرها ظهور إشارة معينة في الحاضر تذكّر بها؛ كوقوع حدث هو على النقيض من حدث وقع في الماضي، فيُذكر الحدث الماضي لبيان مدى المفارقة بين الحدثين. ومثال ذلك استمرار سامي بارتياد حانوت المعلّم أبو محمود والإصرار على ذلك بالرغم من معاملة المعلّم القاسية له ولأخيه في الماضي: "أتذكركم "فلقاً" أكلنا على يد أبو محمود؟"(3).

وهذا الاسترجاع جاء أيضاً لتذكير الشخصية بما قد تكون نسيته.

ووظيفة الاسترجاع الخارجي إنارة ماضي الشخصية "فالاسترجاعات الخارجية، لمجرد أنها خارجية، لا توشك في أيِّ لحظة أن تتداخل مع الحكاية الأولى، لأن وظيفتها الوحيدة هي إكمال الحكاية الأولى عن طريق تنوير القارئ بخصوص هذه "السابقة" أو تلك"(4).

ومن خلال الاسترجاع يجد القارئ معلومات إضافية تعينه على فهم أحداث حاضر الشخصية. ويشرح عدنان خالد عبد الله ذلك يقوله إن: "القاص يقطع تسلسل الحدث الزمني ليقدم خلاصة لحادثة حصلت في الماضي. والارتجاع الفني مهم لفهم أحداث العمل القصصي، من حيث تقديمه للقارئ معلومات إضافية تعينه على تتبع الحدث ومجريات الأمور"(5).

سهيل إدريسأما في «الحي اللاتيني» فقد استخدم سهيل إدريس الاسترجاع الخارجي عند الحديث عن ماضي الشخصية لتقديم مشاهد من هذا الماضي القابع في الشرق؛ وذلك ليعقد أمام ناظري القارئ مقارنةً بين الشرق الذي يمثّل ماضي الشخصية، والغرب الذي يمثّل حاضرها.

وجاءت مقاطع الاسترجاع الخارجي لخدمة البطل، وتبرير موقفه من الشرق، وهربه إلى الغرب. واللقطات التي تمّ استرجاعها من خارج الرواية نراها من خلال عين البطل التي تركّز على عيوب الشرق وإيجابيات الغرب، فالشرق هو المعين الذي يُستمد منه الاسترجاع الخارجي؛ لأنه ماضي الشخصية، ومستقبلها البعيد الذي تتناساه، وتتهرّب منه؛ أما الغرب فهو حاضر الشخصية ومستقبلها القريب.

ويُعين الاسترجاع الخارجي القارئ على الربط بين حياة الشخصية في الشرق وحياتها في الغرب. وعندما يكون القارئ بحاجة إلى توضيح أو ربط أحداث الحاضر بالماضي يستخدم المؤلّف الاسترجاع ويقدم "معلومات إضافية تعين المشاهد أو القارئ على تتبع الأمور والأحداث وفهمها"(6). ويستخدم المؤلّف الاسترجاع الخارجي ليقدّم للقارئ شيئاً عن ماضي الشخصية كي لا يشعر القارئ بأنه لا يعرف عنها شيئاً قبل الرواية، وأن علاقته بها محدّدة بصفحات الرواية بحيث لا تبدأ إلا مع أوّل صفحة.

من أمثلة الاسترجاع الخارجي في «الحي اللاتيني» المشهد الذي يتذكّر فيه سامي اللقاء الأخير مع ناهدة، وهذا يُعد أبرز مثال على الاسترجاع الخارجي في «الحي اللاتيني»، وهو أطول استرجاع خارجي فيها؛ حيث امتدّ خمس صفحات: "ها هو ينبع من بين أصابعها هي، ناهدة، وهي تضع الأسطوانة على الغرامافون ... وتنبّه فجأة على يد عدنان تهزّ كتفه"(7).

ومع أن «الحي اللاتيني» و«الخندق الغميق» لا تفصل بينهما مدة زمنية، حيث إن «الحي اللاتيني» بدأت من حيث انتهت «الخندق الغميق»، إلا أن الاسترجاع الخارجي المذكور في «الحي اللاتيني» غير مستمد من «الخندق الغميق»، وإنما يذكر أحداثاً لم ترد في «الخندق الغميق».

أما «أصابعنا التي تحترق» فقد استخدم المؤلّف الاسترجاع الخارجي فيها بشكلٍ أقل منه في «الخندق الغميق» و«الحي اللاتيني». ولعلّ السبب في ذلك هو أن ماضي الشخصية (سامي) أصبح واضحاً للقارئ بعد قراءة الروايتين السابقتين، ولا حاجة للاسترجاع الخارجي فيها إلا لإعطاء إشارات تربط بين هذه الرواية وبين «الخندق الغميق» و«الحي اللاتيني»، أو تقديم بعض الشخصيات التي لم تظهر إلا في هذه الرواية.

وبدا هذا واضحاً في تقديم عدد من شخصيات الأدباء وغيرهم من رفاق سامي. ومن الأمثلة على الاسترجاع هنا: "وينظر إلى وحيد، وهو يحس أنها نظرة الإعجاب نفسها، تلك التي وجّهها إليه منذ أكثر من ستة أعوام، في لقائهما الأول في القاهرة. آنذاك، كان قد قضى أسابيع طويلة وهو يترقب تلك البرقية من اليابان التي يُعلمه فيها وحيد نبأ مغادرته طوكيو إلى القاهرة"(8).

وكان المؤلّف بحاجة إلى استخدام الاسترجاع الخارجي في التقديم للشخصيات لأن الكثير من شخصيات هذه الرواية لم تظهر في الروايتين السابقتين، لا سيما وأن بين «الحي اللاتيني» و«أصابعنا التي تحترق» فجوة زمنيّة تمتد منذ عودة سامي إلى أرض الوطن في نهاية «الحي اللاتيني» إلى لقائه بإلهام في بداية «أصابعنا التي تحترق».

وبين هذين الحدثين مدّة زمنيّة تم تجاوزها، وتشمل عدّة أحداث، كإنشاء المجلة، وبداية معرفته بعدد من الشخصيات. وكان لابد من الإشارة إلى الأحداث المهمّة في هذه الفترة لتجاوز الفجوة الممتدّة بين الروايتين باستخدام الاسترجاع.

(ب) الاستباق

قسّم جيرار جنيت الاستباق إلى: "استباقات داخلية وأُخرى خارجيّة"(9). وإذا كان الاسترجاع عودة إلى الماضي، فالاستباق على النقيض من ذلك، وهو القفز إلى المستقبل، و"هو مخالفة لسير زمن السرد تقوم على تجاوز حاضر الحكاية وذكرِ حدثٍ لم يحنْ وقتُه بعد"(10).

غلاف الحي اللاتيني سهيل إدريسويُضاف إلى الاستباقات الداخلية والخارجية أخرى مختلطة؛ وتعريف هذه المصطلحات مشابه إلى حد ما تعريف مصطلحات الاسترجاع من استرجاع داخلي وخارجي وآخر مزجي. والاستباق الداخلي "هو الذي لا يتجاوز خاتمة الحكاية ولا يخرج عن إطارها الزمني"(11)؛ أي أن الاستباق الداخلي لا يخرج عن آخر حدث في الرواية من حيث التسلسل الزمني للأحداث، وعلى العكس منه الاستباق الخارجي و"هو الذي يتجاوز زمنه حدود الحكاية، يبدأ بعد الخاتمة ويمتد بعدها لكشف مآل بعض المواقف والأحداث المهمة والوصول بعدد من خيوط السرد إلى نهاياتها (استباق خارجي جزئي).

وقد يمتدّ إلى حاضر الكاتب، أي إلى زمن كتابة الرواية (استباق خارجي تام)"(12)؛ أما الاستباق المختلط فهو يجمع بين النوعين السابقين، الداخلي والخارجي، و"هو ذاك الذي يتّصل فيه الاستباق الداخلي بالخارجي فيكون قسمٌ منه داخلياً والقسمُ الآخر خارجياً، أي يتجاوز خاتمةَ الرواية ويتعدّى الحدث الرئيسي الذي تتكوّن منه الحكاية"(13).

جاء الاستباق في روايات سهيل إدريس على شكل إشارات تمهِّد لأحداث ستقع في المستقبل، ومنها في «الخندق الغميق» الكتاب والقلم؛ حيث حصل سامي عليهما كهدية. وانتهى الجزء الأوّل من القسم الأوّل من الرواية بعبارة "الكتاب والقلم"(14)، وفي هذا إشارة إلى مستقبل سامي الذي ينتظره في العمل بالصحافة، وهذا نوع من الاستباق الداخلي؛ لأن سامي يلتحق بالعمل الصحفي قبل نهاية الرواية. ومثاله أيضاً: "ولكن أملاً غامضاً بعودة سميّا كان يمسكه من التردي في اليأس المميت"(15). وفعلاً تعود سميّا إلى لقاء سامي.

"ومدّت سميّا إليه يدها تصافحه"(16). وكذلك خَلْع سامي الجبّة والعمّة، فقد تَقدَّم على هذا الحدث عدد من الأحداث تشير إليه منها إصرار سامي على النجاح بدراسته؛ لأنه "كان على يقين من أن ذلك وحده سينقذه"(17)، وكذلك تشجيعه هدى على خلع حجابها "كانت المرّة الأولى التي شعر فيها بأنّ ذلك الحجاب الذي تسدله على وجهها كان شيئاً غريباً لا يفهم لوجوده معنى"(18)، "فلا تتراجعي يا هدى"(19).

إلا أن الاستباقات المستخدمة في روايات سهيل إدريس قليلة إذا ما قُورنت بالاسترجاعات، ولعل مرد ذلك إلى أن الاسترجاع يفيد النص الروائي أكثر مما يفيده الاستباق، فالاسترجاع يؤدّي إلى ربط حاضر الرواية بماضيها؛ أما الاستباق فهو يُفقد الرواية شيئاً من عنصر التشويق، "الاستباق ... وهي تسمية نادرة الاستعمال بالمقارنة مع السابقة، الاسترجاع، لأنها تتنافى وفكرة التشويق التي تكون العمود الفقري للنصوص السردية الكلاسيكية التي تسعى جادةً نحو تفسير اللغز، وكذا مع مفهوم السارد الذي يعلّق نهم القارئ في معرفة مآل الأحداث"(20)، وهذا ينطبق على الاستباق بأقسامه الخارجي والداخلي والمختلط.

كما قد وردت عدة استباقات في «الحي اللاتيني» ومنها: "إنك منذ اليوم ستحاول أن تقبس مثالهم. أترى حيويتهم هذه الجديدة كيف تنعش وجودهم جميعاً"(21)، وهذا يبيّن أن البطل سيعيش في باريس حياة صخب ولهو كالحياة التي يعيشها كامل، وزهير، وأسعد.

ومن الملاحظ على الاستباقات في «الحي اللاتيني» أنها قليلة جداً وهذا ما يجعل القارئ ينجذب إلى متابعة الرواية، وكان عنصر التشويق بارزاً في الرواية.

وفي «أصابعنا التي تحترق» كان الاستباق أقل منه في «الحي اللاتيني»؛ ولكن مع ذلك لم تتمتع الرواية بعنصر التشويق الذي تمتعت به «الحي اللاتيني»، ومَرَد ذلك إلى عدّة أسباب أبرزها عدم وجود حدث مركزي في الرواية، وأن الحبكة فيها متراخية، ولا يوجد كبير عناية بهذه الحبكة.

ومن الأمثلة على الاستباق في «أصابعنا التي تحترق»: "وأغمض هو عينيه، لا، لم أنْسها، وإنما كانت مستكنّةً في أعماقي، لقد غشي صورتها جسدُ رفيقة"(22)، فهذا يدل على أن علاقة سامي بإلهام لن تكون كعلاقته بـ"رفيقة"؛ علاقة عابرة وإنما ستكون علاقة لها أثرها في حياته؛ لأن صاحبتها مستكنّة في أعماقه.

م يكن الاستباق مقتصراً على استخدام ضمير المتكلّم؛ بل استخدم المؤلّف ضميري المخاطب والغائب أيضاً. وحسب جينيت فإن "الحكاية "بضمير المتكلّم" أحسن ملاءمة للاستشراف من أي حكاية أُخرى، وذلك بسبب طابعها الاستعادي المصرح به بالذات، والذي يرخِّص للسارد في تلميحات إلى المستقبل، ولا سيما إلى وضعه الراهن، لأن هذه التلميحات تشكل جزءاً من دوره نوعاً ما "(23).

ويؤدّي الاستباق وظيفة التنبؤ بالمستقبل، وتقديم إشارات للقارئ تربط حاضر الشخصية بمستقبلها، والربط بين أجزاء الثلاثية: «الخندق الغميق»، و«الحي اللاتيني»، و«أصابعنا التي تحترق».

الهوامش

(1) حسن بحراوي، «بنية الشكل الرّوائي»، ط1،المركز الثقافي العربي، بيروت،1990، ص 121.

(2) سيزا قاسم، «بناء الرواية؛ دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ص 40.

(3) سهيل إدريس، «الخندق الغميق»، ص 13.

(4) جيرار جنيت، «خطاب الحكاية»، ص 61.

(5) عدنان خالد عبد الله، «النقد التطبيقي التحليلي»، ط1، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986، ص 80.

(6) نوّاف نصّار، «المعجم الأدبي»، ط1، دار ورد للنشر والتوزيع، الأردن، 2007، ص 13.

(7) سهيل إدريس، «الحي اللاتيني»، ص 78-82.

(8) سهيل إدريس، «أصابعنا التي تحترق»، ص 18-19.

(9) جيرار جنيت، «خطاب الحكاية»، ص 77.

(10) لطيف زيتوني، «معجم مصطلحات نقد الرواية»، ص 15.

(11) المرجع السابق، ص 17.

(12) المرجع السابق، ص 16-17.

(13) المرجع السابق، ص 18.

(14) سهيل إدريس، «الخندق الغميق»، ص 11.

(15) المصدر السابق، ص 95.

(16) المصدر السابق، ص 117.

(17) المصدر السابق، ص 96.

(18) المصدر السابق، ص 128.

(19) المصدر السابق، ص 165.

(20) عبد العالي بوطيب، "إشكالية الزمن في النص السردي"، مجلة «فصول»، مجلد12، عدد2 صيف 1993، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 135.

(21) سهيل إدريس، «الحي اللاتيني» ، ص 19.

(22) سهيل إدريس، «أصابعنا التي تحترق»، ص 90.

(23) جيرار جنيت، «خطاب الحكاية »، ص 76.

وصلة للمزيد من المعلومات عن د. سهيل إدريس

http://www.oudnad.net/22/suhail_idris22.php


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3306590

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC