د. رانيا كمال - مصر

اتجاهات فكرية في النظرية النسوية

رانيا كماليستند التعريف العام للنسوية (Feminism) إلى الاعتقاد بأن المرأة لا تعامل على قدم المساواة لأي سبب سوى كونها امرأة فى المجتمع الذى ينظم شئونه ويحدد أولوياته حسب رؤية الرجل واهتماماته.

وتعتبر النسوية حركة متعددة الجوانب من الناحية الثقافية والتاريخية. وقد حظيت أهدافها بتأييد في شتى أنحاء العالم. ويمكن تقييم مدى فعالية النسوية اذا ما نظرنا إلى الخطاب النسوي ومدى تفعيله في التفكير على المستوى الحياة اليومية. وقد كان من التحديات الصعبة التي واجهت الباحثات النسويات تعريف النسوية داخل الأسوار الأكاديمية وتحديد مفاهيمه المستخدمة.

كما كان السؤال الملح هو هل النسوية منهج بحثي أو اتجاه أيديولوجي أم نظرية علمية أم حركة اجتماعية؟ تاريخياً، يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات نسوية أساسية تترتب على النحو التالي.

اتجاه النسوية الليبرالية (الفردية) Liberal/Individual Feminism

يقوم هذه الاتجاه في النظرية النسوية الفرضية البسيطة بأن جميع الناس قد خلقوا متساويين، ولا ينبغي حرمانهم من المساواة بسبب نوع الجنس، والمذهب النسائى الليبرالى يرتكز على المعتقدات التى جاء بها عصر التنوير والتى تنادى بالإيمان بالعقلانية والإيمان بأن المرأة والرجل يتمتعان بنفس الملكات العقلية الرشيدة، والإيمان بأن التعليم كوسيلة لتغيير وتحويل المجتمع، والإيمان بمبدأ الحقوق الطبيعية. وبناء على هذا، فما دام الرجال والنساء متماثلان من حيث طبيعة الوجود، إذن فإن حقوق الرجال ينبغى أن تمتد لتشمل النساء أيضاً (انظر السيد حنفي عوض، 2001)[1].

وتعد النسوية الليبرالية مصطلحاً غير طيع لأنه يشمل مجموعة كبيرة من الآراء ليست جميعها متوافقة، لكن بصفة عامة يمكن القول إن النسويات الليبراليات يسعين لتحقيق مجتمع يقوم على المساواة ويحترم حق كل فرد في توظيف إمكانياته وطاقاته. وتدلنا القراءة المتأنية للاتجاه النسوي الفردي أو الليبرالي إلى أنه أقدم الاتجاهات النسوية تاريخياً. وقد تضمن مساحة كبيرة لمناقشة جدية المرأة سواء في ارتباطها بالأسرة أو في تحررها من الأسرة تماماً (انظر سارة جامبل، 2002) [2].

وقد تمثل الاتجاه النسوي الفردي في المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية في إطار مجتمع ينهض بناؤه على منح الذكور مزيداً من الحرية والديمقراطية. وحقق هذا الاتجاه تقدماً ملموساً خلال القرن التاسع عشر في هذا النطاق، وخاصة في المسائل المتعلقة بحق التعليم وقوانين الطلاق وحق رعاية الأطفال في العديد من مجتمعات أوروبا وأميركا.

وتمتد جذور المبادئ الليبرالية إلى الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر والتي عرفت بحركة التنوير، فقد ظهرت من خلال تعاون ستيوارت مل وهربرت تايلور. لذلك أصبحت المبادئ الليبرالية سلاحاً هاماً في المطالبة بحق الإناث في الانتخاب.

الهدف الأساسي في الاتجاه النسوي الليبرالي هو المناداة بالحقوق المدنية والسياسية للمرأة في إطار مجتمعات تقوم على منح الذكور جميع الحقوق وحرمان الإناث من كثير من تلك الحقوق.

الاتجاه النسوي الماركسي: Socialist Feminism

لم ترفض النسوية الاشتراكية قضايا الاتجاه الفردي الليبرالي الخاصة بالحرية والمساواة، ولكنها اعترضت على تطبيق مفاهيم القيمة والمكانة على أفراد منفصلين اجتماعياً عن حياتهم ككائنات اجتماعية ويدركون فقط بوصفهم أفرادا مستقلين أكثر من إدراكهم في إطار الحياة الجمعية والأفعال الاجتماعية (انظر فاتن أحمد، 2001)[3].

وتتمثل الفكرة الأساسية في النسوية الاشتراكية في الافتراض بأن الزواج البرجوازي يُعاد إنتاجه في شكل صراعات وتناقضات المجتمع البرجوازي الأكبر، فالزوجات يمثلن الطبقة المضطهدة أو حتى العبيد بينما تمثل السلطة الأبوية في هذه الطبقة دور أصحاب الأعمال أو الملاك. ويشير هذا التحليل إلى الرجال كأعداء للمرأة وأن صراعهم يعد انعكاساً لصراع أكبر حيث تشتغل النساء في سياق الرأسمالية. وبهذا المعنى فإن الرجال هثيات النظام الاستغلالي وهم بدورهم مضطهدون، فالمساواة بالرجال التي يطالب بها الليبراليون ليس لها معنى بالنسبة للاشتراكية حيث أنها تعني مساواة مع جماعة مضطهدة بالفعل في إطار نظام اجتماعي فاسد (انظر سامية قدري، 2002)[4].

سلم هذا الاتجاه أيضا بأن حل التناقضات الطبقية ونجاح الثورات الاشتراكية هو أمر حتمي في إلغاء كافة أشكال التميز بالمجتمع، وهذا بالدعوة إلى تبني فكرة (تنمية الوعي). ويقصد بهذه الفكرة ضرورة وجود نظرية للمرأة تسير معالدعوة إلى الثورة الاشتراكية، وتساعد النساء على فهم خصوصية الاضطهاد. وانعكس ذلك في صورة قيم ومفاهيم وأفكار طبعت العلاقة بين المرأة و الرجل بطابع تقليدي يصعب تغييره، إلا بوجود وعي نسوي يحرر طرفي العلاقة من كثير من القيم والمفاهيم والتقاليد الموروثة (انظر ليلى عبد الوهاب، 1985)[5].

وتظهر تيارات كثيرة في قلب هذا الجدل الدائر حول أوضاع المرأة في ظل النظام البرجوازي، حيث تحاول جوليت ميتشيل في كتابها (سلطة المرأة 1971) أن تمزج بين الفروع الأساسية للمذهب النسوي تحت مظلة مفهوم واحد جامع وهذا النوع (Gender). وتقول إن قمع المرأة ينحدر في صيانتها في ظل المجتمع الطبقي ولذلك يجب تغيير وضع المرأة ووظيفتها في المجالات العامة والخاصة كي تتحقق لها الحرية الكاملة، حيث تذهب إلى أن النوع لا يتوقف على الجوانب البيولوجية، فالجنس ينبع من الخصائص التشريعية. أما النوع فمكتسب من خلال عمليات التأثير والتأثير الثقافي فالنوع منتج من منتجات الثقافة (سارة جامبل، 2002)[6].

الاتجاه النسوي الراديكالي:Radical Feminism

ظهرت هذه النظرية خلال الفترة من نهاية الستينيات وبدايه السبعينيات، حين أدركت الحركة النسائية مدى القهر الذى تتعرض له النساء بسبب المعاملة السيئة من للرجال. ومن هنا يمكن القول إن الاتجاه النسوى الراديكالى جاء كرد فعل تاريخى تجاه نظريات التنظيم والاتجاه نحو حركة اليسار الجديد.

يطالب الاتجاه الراديكالي للمرأة ليس فقط بمكانة متساوية مع الرجل، بل ينظر للمرأة باعتبارها تمثل إحدى الأولويات السامية، وبالتاي المطالبة بإذعان الرجل للمرأة، بل باستبعاد الرجال جميعاً من عالم النساء (انظر فاتن أحمد، 2001)[7]. وكان من نتائج هذا ظهور الحركة النسائية الأمريكية من جديد كحركة مضادة لمناهضة السلطة الأبوية للرجال وعزلهن عن سوق العمل. كما قام أصاحبات/صحاب الاتجاهات الراديكالية المعاصرة بالنظر إلى التمييز الجنسى باعتباره أمراً موجوداً فى المجتمع الأبوى (انظر السيد حنفي، 2001)[8].

ويمكن التمييز بين خطين فكريين في إطار النسوية الراديكالية. الخط الأول يرى أن دور المرأة التابع والضعيف ينتج من السلطة الأبوية ومن خلال التقسيم الأول للعمل الذي يخص المرأة بالأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، وأن المرأة سوف تستمر في القيام بهذا الدور ما دامت مستمرة في إنجاب الأطفال. ومن ثم تؤكد النسويات/النسويون الراديكاليون أن المرأة يمكن أن تتمتع بالمساواة مع الرجل، إما من خلال الثورة التكنولوجية التي تفصل ولادة الأطفال عن جسم النساء من خلال الأرحام الصناعية أو من خلال تجنب الاتصال الجنسي بالرجال.

أما الخط الفكري اثاني ضمه هذا الاتجاه، وحظي بقبول واسع النطاق عند كل من الاشتراكيين والليبراليين فهو يعتبر أن التكوين البيولوجي للمرأة ليس عيباً في حد ذاته، وإنما بقدر ما تضيفه التقاليد والثقافة والمجتمع عليه. الأبوية تصف كل ما هو أنثوي بأنه متدن في مقابل كل ما هو ذكري، فعملية التلقيح تفوق عملية الحمل. كما أن العضو الذكري يتفوق أيضاً عنه في المرأة، ومن ثم فإن دور الأم الذي تصطبغ به المرأة –ثقافياً– يجعلها مخلوقاً متدنياً. وقد اتخذ هذا الاتجاه منطلقا له من مقولة سيمون دى بفوار "إن المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة"(انظر سامية قدري، 2000)[9].

قامت الحركة النسائية الراديكالية بتصميم فكرتها العالمية الزائفة حول خبرة النساء ولكنها تجاهلت خصوصيات الجنس والطبقة والثقافة وتوصلت إلى مفهوم نسائي وهو أن كل النساء في العالم أياً كانت جنسيتهن أو ديانتهن أو طبقتهن فلديهن شئ مشترك بسبب عضويتهن في جماعة النساء يفوق كل اختلافاتهن الأخرى., وبمعنى آخر إن تماثل وتشابه موقفهن كنساء كان أكثر أهمية من فروقهن الاقتصادية والثقافية. وقد نشأت فكرة "العالمية الزائفة" من الحاجة إلى وضع النوع كعنصر فكري شرعي ضروري إلى حد معين (انظر علياء شكري، وآخرون، 2001)[10].

اهتم دعاة الاتجاه النسوي الراديكالي والثوري بنظريات وقضايا النوع والطبقة وفي إطار مناقشة العمل المنزلي. نظر هؤلاء إلى النسوة بالمفهوم الاقتصادي والسياسي باعتبارهن يشكلن طبقة أو نوعاً محكوماً بالعنف الواقع عليهن بالفعل أو مهددات بالعنف. وقد التمس عدد قليل من الراديكاليين موضع قهر المرأة في عدم التكافؤ البيولوجي كالاشتراكيين، بينما يراه معظمهم في البنية الاجتماعية سابقاً على وجود الرأسمالية. ومن هذا المنطلق انتقد الراديكاليون دعاة الاتجاه النسوي الماركسي بقولهم إن سلطة الرجل وهيمنته ترجع إلى النظام الرأسمالي، وأكدوا أن هذا الشكل من علاقات الهيمنة سابقة على الرأسمالية، وربما يكون مصدر جميع اتساق الهيمنة كالطبقة والعرف (انظر ايمان بيبرس، 2002)[11].

وبصفة عامة فإنه على الرغم من تباين الاتجاهات النسوية فيما يتعلق بتحليل وضع ومكانة المرأة في المجتمع، ودرجة التركيز على علاقات وقضايا النوع، إلا أن تلك الاتجاهات تشترك جميعها في الاهتمام بقضايا عدم المساواة في القوة فيما يتعلق بعلاقات النوع، وأن هذا التميز يرجع إلى البناء الاجتماعي والمؤسسي والثقافي الأكبر الذي يمنح الرجال السلطة والقوة والمكانة، في حين تحرم المرأة كثير من الحقوق في المجتمع.

وفى الختام أرى أن الشئ الذى يبدو هنا أننا أمام كيانين مختلفين، لكل منهما عامله وحياته ومصيره: عالم للذكو، وعالم آخر مختلف ومستقبل عنه، هو عالم الإناث. على أن الأمر فى الحقيقة غير ذلك. نحن بإزاء وجهين لشئ واحد، تماماً كوجهى العملة الواحدة، فرغم اختلافهما، فلا انفصال بينهما لأن الرجل والمرأة هما وجها الوجود الإنسانى.

= = = = =

الهوامش

[1] السيد حنفى عوض، الحركات النسائية العمالية، وتحديات سوق العمل، ص 72.

[2] سارة جامبل، "النسوية وما بعد النسوية"، دراسة ومعجم لغوي، ترجمة أحمد الشامي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002، ص 453.

[3] فاتن أحمد، عرض تحليلي للاتجاهات الحديثة في دراسة المرأة، في: علياء شكري وآخرون، علم إجتماع المرأة، مكتب زهراء الشرق، القاهرة، ص 5.

[4] سامية قدري ونيس، التيار النسوي والعمل الأكاديمي في مصر، ص 443.

[5] ليلى عبد الوهاب، موقف علم الاجتماع من قضايا المرأة، واقع المرأة الوفية مجلة الوحدة، السنة الأولى، العدد 9، المجلس القومي للثقافة العربية، شركة تيب للطبع والنشر والترجمة والإعلان، يوليو 1985، ص 59، ص 60.

[6] سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، ص 482.

[7] فاتن أحمد على، عرض تحليلي للاتجاهات الحديثة في دراسة المرأة، ص 6.

[8] السيد حنفى عوض، الحركات النسائية العمالية، وتحديات سوق العمل، ص 76.

[9] سامية قدري ونيس، التيار النسوي والعمل الأكاديمي في مصر، ص 444.

[10] علياء شكري وآخرون، علم إجتماع المرأة، مكتب زهراء الشرق، القاهرة، ص 8.

[11] إيمان ضياء الدين بيبرس، بطلات وضحايا ( المرأة والسياسات الاجتماعية والدولة في مصر) المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002، ص 23،24.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3423906

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC