د. محمد محمود التميمي - الأردن

الآن فهمتكم

محمد التميميعاد إلى بلده، وطنه، بيته. عاد محملاً ببعض المال والكثير من الآمال والأحلام والمشاريع. عاد ويحمل في قلبه الشوق والحنين لبلده الذي تركه منذ زمن ليس بالبسيط. يجلس في الطائرة التي اختارها من أسطول الخطوط الجوية لبلده ليعيش كل اللحظات مع وطنه الحبيب، ينظر من حوله ليرى العائلات العائدة لنفس الوطن، يا ترى أتقاسمني نفس الحنين وتتلظى معي بنفس لهيب الشوق؟

يسترق نظرة أخرى لعائلة ثانية؛ يا للأسف، أبناؤهم يتكلمون الإنجليزية رغم أن لهم ذات البشرة العربية، يشتكون ويتململون ويتساءلون: لماذا لم تكن إجازتنا هذه السنة في فرنسا أو إسبانيا؟ تجيب الأم بإنجليزيتها المصطنعة بغير إتقان: هذا قرار والدكم، جدكم مريض ويود رؤيتنا جميعاً قبل أن ... وتصمت.

يصمت الجميع بعد أن أخرجوا من حقائبهم أجهزتهم الإلكترونية وغابوا في تيه ألعابها وتطبيقاتها. يشيح بنظره عنهم قائلاً: هم ليسوا سعداء، أضاعوا هويتهم واستكانوا لهوية الغرب فلا هم منا ولا منهم، وعاد لينظر من شباكه قبل أن يغط بنوم عميق.

استيقظ على المضيفة وهي تهزه من كتفه تعلمه بقرب وصول الرحلة ووجوب ربط حزام الأمان، يطير النعاس من عينيه، وتحملقان في النافذة التي بجانبه، وإذا بالخضرة والجنان قلبت لصحراء صفراء، وكأنما تغير اللون الأخضر بكبسة زر للون الأصفر. قال في نفسه: لا يهم نحن أبناء الصحراء وهي علمتنا الرجولة.

أطلت مدينته من بعيد، صغيرة رغم ما فيها من مبان، هادئة رغم ما فيها من حياة، جميلة رغم ما فيها من شقاء، وادعة مسالمة، أو هكذا ظن بها.

هبطت الطائرة وقبل أن يسمح لهم الطيار بفك الأحزمة، كان قد فك أحزمته وجهز متاعه وانتظر على باب الطائرة كي يفتح، كان يهيئ نفسه ليعبئ رئتيه من هواء بلاده، فقد مل الغربة وهواءها المصطنع البارد.

فتح باب الطائرة وبلمح البصر كان يعدو في المطار كمن يريد اللحاق بطائرة أخرى على وشك الإقلاع. وصل إلى مكان ختم الجوازات.

"لحظة من فضلك يا أستاذ، المدنيين من الشباك الآخر، هذا الشباك مخصص فقط للدبلوماسيين".

نظرة واحدة للشباك الآخر كانت كفيلة بأن تخفف من اندفاعه قليلاً، ولكن لا يهم، فبعد قليل سألتقي الأهل والخلان.

بعد مضي ساعة، جاء دوره، ابتسم للشرطي وسلمه جوازه مضيفاً: والله زمان عن البلد، اشتقت لها جداً.

نظر له الشرطي نظرة لم يفهمها وسأله: "وماذا كنت تفعل طوال هذه المدة في الخارج؟"

بدأ يشرح له كيف انه ذهب للدراسة ثم حصل على فرصة عمل جيدة وانتقل بعدها لعمل آخر وقبل أن يسرد باقي الحكاية، قاطعه صوت الختم وهو يهوي على الجواز مخلفاً بقعة زرقاء تحمل اسم مكان وتاريخ الدخول، مرفقة بعبارة ساخرة من الشرطي: "ولماذا أتيت إذن؟" لم يسمح له بالإجابة ونادى على من يليه.

توالت عليه الأيام الطوال بعد ذلك وتكرر عليه السؤال ألف مرة من ألف شخص مختلف، وبعد هذا السؤال يأتي سؤال آخر: شخص يريد منه إن يقرضه قرضاً حسناً، ويا حبذا لو لم يطالبه به من بعد ذلك. وذلك يريد أن يصلح بيته بوصل الإنترنت إليه، وآخر يود منه تسديد بضعة أقساط متبقية على سيارته الجديدة، وذاك ليزوج ابنه، وتطول القائمة.

بعد مضي أسبوع من إجازته، تأمل ذقنه الطويلة التي لم تطل هكذا من قبل، حقيبة سفره وقد تبعثرت بعد أن نهبها الأطفال وهي التي تحولت لخزانته طوال هذا الأسبوع، فما الفائدة من أن تفرغ من أجله خزانة وهو لا يريد الإقامة سوى لشهر واحد؟

رتب أوراقه وجمع ملابسه في الحقيبة وبعدها توجه لصالون الحلاقة وحلق شعره. وفي طريق عودته من السوق تبضع ببعض ما يعز وجوده هناك على الطرف الآخر من العالم من أكلات وأعشاب شعبية وعاد لمكان إقامته.

في الصباح، وجدوا سريره مرتبا كأن لم ينم فيه ليلة البارحة، وعلى الوسادة ورقة كتب عليها: "الآن فهمتكم".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3153646

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC