جمال بوزيان - الجزائر

أقلام وأوراق

جمال بوزيانلم يستطع قلم أن يجمع بين أربع ورقات في آن؛ فقال: حين أقتربُ من الورقة الأولى تحترمني وتساعدني؛ تحسنُ عِشرتي؛ بياضها ناصع؛ وتعرف أصول الكتابة؛ تفهمني؛ تمازحني؛ تراقصني؛ تسعدني؛ وتنقلني إلى عالم آخر. ظلالها وارفة تغطّي أشعّة الشّمس الحارقة. لها باب ونافذتان؛ تحسنُ فنّ الفتح والغلق متى شاءت. مواعيدها مضبوطة؛ تقدّس الصّفاء والنّقاء؛ معها فقط ودون غيرها من الأوراق أعيش نشوة الحياة.

تسعدني على طريقتها؛ تقذف بأحزاني في البحر وتؤسّس دولة الحبّ الحقيقيّ الخالد عاصمتها الأبديّة الشّرف؛ تعشق الضّاد؛ معروفة الهويّة؛ وتزداد بياضا على بياض؛ يليق بها اللّون الأخضر؛ ولا تحتاج إلى تعليق؛ فهي الأولى دائما؛

قال لي مرّة أحد الأقلام عنها في مكالمة هاتفية: "أجمل ما في تلك الورقة أنّ حروفها تتراقص على أنغام كلماتك؛ كأنّها…" وانقطع الاتّصال دون أن يكمل.

ورقة ثانية

كلّما أدنو منها تزداد بعدا وسوادا كأنّها خُلقتْ من ظلام دامس؛ من أقربائها الوحش. مسالكها وعرة؛ أبوابها مغلقة؛ خطوطها عرجاء؛ لها رائحة غير طيّبة. أزهارها ذابلة لا تعرف الاخضرار؛ كلّما أختصر في عباراتي تشمئزّ. لسان حالها يقول: لا تكتب بطريقتك؛ أريدك أن تكون لي وحدي دون كتابة.

تلبس السّواد في الفرح والقرح؛ تحبّ أن أنقط الهاء من أسفل؛ تغرّد خارج السّرب؛ قيل عنها إنّها ببغاء القرن الواحد والعشرين. دعتني لأتصدّر قائمتها في الانتخابات؛ رفضتُ لأنّي أحبّ الشّفافيّة وهي تعشق الظّلام؛ وتخاف صريري فهو سلاحي النّوويّ.

ورقة ثالثة

أنا بعيد عنها وخائف منها؛ تتعطّر بالجهل لكنّها جميلة في نظر أقلام أخرى، تحبّ المؤامرات والدّسائس؛ تجيد الصّراخ بكلّ أبعاده وعوائده؛ هذه سيرتها الذّاتيّة أقرأها من مذكّراتها. تكتبُ عنّي في إحدى المجلاّت؛ تصوّرُ للقارئ أنّي أعشقها حتّى الجنون ! تعترض سبيلي كلّما أمرّ قربها.

أردّ كلّ هداياها؛ ذوقها سيّء جدّا؛ ترتدي الأحمر لونا مميّزا؛ مصابة بمرضين: العظمة والنّرجسيّة. أرسلت إليّ عدّة دعوات؛ رفضتها فأنا متزوّج من حبيبتي الأولى والأخيرة؛ كما عرفتُ عنها من وريقة أخرى أنّها تخشى تدفّق حبري.

ورقة رابعة

لم أتّصل بها بعدُ؛ فهي ترى نفسها ملكة جمال الأوراق؛ تتعالى في حين تعيش في الحضيض. تتباهى بي وأنا لستُ لها. افترتْ على أكثر من قلم؛ فضحها مداد أحد الأقلام في قناة فضائيّة على المباشر؛ وكانت ترى نفسها الأصلح.

تريدني مثل باقي الأقلام أن أعبدها. مدادي يرفض أن يقطر عليها؛ فهي رغم تكبّرها وتجبّرها تبقى صغيرة جدّا على قلم مثلي. وهي لا تدرك أنّي ذو كبرياء وعزّة.

أفهم نفسها جيّدا؛ فأنا خرّيج لغات. تعدّل دساتيرها كلّ فصل؛ هكذا هي؛ تتلوّن كالحرباء. لا لون لها؛ هذه "استراتيجيّة" تتبعها منذ زمان؛ يعرفها القاصي والدّاني.

* * *

على تلك الحال هو القلم؛ جاءته ورقة شاحبة الوجه؛ باكية العينين؛ حزينة القلب؛ كسيرة الجناح كمن فقد عزيزا أو خسر امتحانا مصيريّا. كانت مثل انتظار في نسخة صيفيّة باهتة؛ أَذِنَ لها بالكلام.

قالت له: كان قلمي مثلك تماما؛ كأنّه أنتَ.! يرقص عليّ كل حين؛ فجأة افتقدتُه؛ سكنتِ الحسرة نفسي من أجله؛ حزنتُ؛ تألّمتُ؛ بكيتُ؛ قلتُ فيه شعرا كتبتُ فيه نثرا؛ بعثت رسائل مدبّجة ومخضّبة بالدّماء عن طريق حمام الزّاجل؛ هدايا أرسلها له لا تعود؛ تأتيني الوصولات؛ ولا يردّ على مكالماتي؛ يتّصل دون اتّصال؛ فهو حبيب ليس كأيّ حبيب. بحثتُ عنه في الإنترنت؛ بكيته بدموعي؛ وبكيته بقلبي؛ ثمّ بكيته بطريقتي.

تأثّر القلم لحالها؛ وتذكّر قلما حدّثه مرّة أنّه يعرف ورقة واحدة فقط منذ زمن الدّراسة؛ تُبادله حبّا ورومانسيّة بإخلاص.

قال في نفسه: "هذا قلم لا يعدّد ورقات ولا أوراق".

وفجأة رآها تجهش بالبكاء؛ هدّأ روعها: "اصبري؛ إنْ كان قلمكِ صادقا معكِ سيعود حتما".

ردّت وفي صوتها بحّة: "لقد انكسرتْ جرّة الحقيقة؛ وأنا كنتُ مغفّلة؛ فمتى تتحسّن الأقلام؟"

قال هو في هدوء: "الأقلام ليستْ مثل بعض؛ فمتى أيضا تتحسّن تلك الأوراق؟"


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3254608

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC