محمد محمود التميمي - الأردن

موظفة الترويج

محمد التميميتقف في وسط السوق بكامل أناقتها، مرتدية ابتسامة خفيفة وزي الشركة الذي يغطي شعارها كل ما حولها والجدار من خلفها . تعرض بضاعة وعروض شراء لها رغم عدم إقناعها بالبضاعة او عروضها ولكن "لقمة العيش". رغم هذا فهي تحاول إقناع الناس بها بكل الطرق، حتى في بعض الأحيان تضطر لأن تخلق كذبة بأنها ستأخذ هذا العرض لنفسها لو لم تكن قوانين الشركة تمنعها.

جلس على طاولة في مقهى قريب، وبدأ يراقب تحركاتها، علامات وجهها، انفعالاتها، ابتساماتها الجميلة عند إقناعها لأحد الزبائن بشراء قطعة، خيبة أملها من عزوف زبون عن الشراء في اللحظة الأخيرة، ولكن ما كان يؤلمه حقاً، أولئك الذين كانوا يومئون لها برؤوسهم أنهم لا يريدون الشراء أو يشيرون بأيديهم إليها لكي تصمت ولا تفكر حتى بالمحاولة معهم.

بقي يراقب، وإذا به يلمح شاباً، أقل ما يقال عليه أنه "أزعر"، يتهامس مع أصدقائه ويشيرون إليها ثم تنطلق منهم ضحكات مجلجلة تلفت انتباه كل من في السوق، وبعض قليل من الهمس واللمز، يتوجه هذا "الأزعر" بخطواتٍ بطيئة؛ ملتفتاً نحو أصدقائه بين خطوة وأخرى، مبتسما أو مشيرا لهم نحوها. وقبل أن يصلها بقليل التفت إلى أصحابه وضحك بقوة.

وصلها "الأزعر" وهو لا يزال منتشيا من الضحك، وبدأ يُقلِّب البضاعة المعروضة، فأتت هذه المسكينة إليه وبدأ الحديث بينهما. حاول من مقعده في المقهى أن يفهم الحوار الدائر بينهما قدر استطاعته، حاول أن يقرأ الشفاه ولكنه لم يستطع، حاول فهم تعابير الوجه ولم يفلح، فلم تغادر الابتسامة المصطنعة بعد وجهها. بعد بضع رشفات من قهوته أحس بوتيرة الكلام تزداد سرعة، واختفت الابتسامة فبدأ القلق يدب في أوصاله.

فجأة علا صوتها وصوت الأزعر، بدأت الدماء تغلي في عروقه فأخرج محفظته، دفع للمقهى وانطلق مسرعاً نحوها. ومع اقترابه منها بدأت ملامحها بالتكشف، ووجهها المحمر وأوداجها المنتفخة تدل على غضبها الشديد وصوتها يعلو مع كل خطوة يقترب بها، والأزعر لا يزال هناك يقف مستهزئا بها ناظراً ومن خلفه أصدقاؤه يشجعونه.

وصل بسرعة وبدون أدنى تفكير، وجه بقبضته اليمنى لكمة قوية للأزعر طيرت ثلاثة من أسنانه وبدأ بعدها تبادل للشتائم واللكمات قبل أن يتدخل رجال أمن المجمع التجاري ويفضوا المشكلة.

وقف يلملم نفسه، وينفض ما علق به من غبار المعركة ويعدل من هندامه ويمسح بعض الدماء النازفة منه ويتفقد أماكن اللكمات. تقدمت نحوه فلاحظ اقترابها وابتسم وسألها: "أأنت بخير؟" لم تبادله الابتسامة بل سددت لوجهه لطمة قوية، وقالت بكل عصبية: "ومن أنت لتتدخل وتدافع عني؟" وغادرت قبل أن ينبس ببنت شفة.

بقي متصنِّماً مكانه، دون أن يدرك ما حدث، بقي هكذا بضع دقائق وقبل أن يهَمَّ بالمغادرة، إذا بصوتِ عجوز كانت تراقب كل هذه الأحداث تقول له:

ومن يصنع المعروف في غير أهله - - يكن حمده ذماً عليه ويندم (1)

وضع يده على خده مكان اللطمة وتبسم للعجوز وقال:

وكم عذلتني العاذلات مخافة - - علي ويأبى ذاك عزمي وهمتي (2)

وغادر.

= = = = =

1= الشاعر زهير بن أبي سلمى.

2= الشاعر إبراهيم بن قيس.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC