إبراهيم يوسف - لبنان

رابعة

رابِعَةْ

وَلَيْتَ الَّذي بَيْني وبَيْنَكَ عامِرٌ
وَبَيْني وَبَينَ العالَمِيْنَ خَرابُ

ما الذي يُفجِّرُ ينابيعَ الحنينِ إلى الماضي؟ هل هي رغبةٌ دفينة بالهُروب مِن قسوة الحاضر، إلى العيشِ في دِفءِ حبٍ قديم؟ أمِ عُذوبةُ الماضي المدهشة، بدّدَها عَقلُ اليوم، ومَسَخَتْها ثقافةُ هذا الجيل؟

وأنا أستطلعُ أفكاري مساءَ اليوم، توَلاّني قلقٌ وحزنٌ وغموضٌ وحبٌ وحسرةٌ ونَقْمةٌ وارتباك. كان ينبغي يا صغيرتي أن تنتزعي حقّكِ عنوةً، فالبقاءُ للأقوى، ولا مكانَ لضعيفٍ أو مُتَرَدِّدٍ أو خائبٍ، تحتَ عينِ الشمس.
هذا النهار التقيتُ بِرَابِعَة. التقيتُها في موقفٍ للسيارات في ضاحيةِ بيروتَ الجنوبية. الضاحيةُ؛ كما صبرا وشاتيلا، وكما غزّةَ وقانا والفلُّوجة، يعرفُها الجميع في أرجاءِ الوطنِ العربيِّ الفسيح.

الضاحيةُ قَصَفَتْها إسرائيلُ بالطائرات لأربعةٍ وثلاثينَ يوماً؛ بلياليها. ساوَتْها بالأرضِ ولم تنجحْ. هيَ المحطةُ والتاريخ؛ منها وُلِدَتِ الحكاية، وبعدَها ماتتْ كلُّ الحكايا والأساطير.
كانتْ في سيارتِها "النِّيسَانْ" وبجانبِها طِفلتُها. طِفْلتُها تباركَ الخالق المبدع، كأنّهَا انحدَرَتْ من أصولٍ مَلَكية. تَراها فَتُبَسْمْلُ وتسبِّح،"وتَدُقُّ على الخشب، خوفاً من العين" كي تُبْعِدَ عنها الحسدَ وغوايةَ الشياطين، ولا يغيبُ عن بالكَ أنّها ابنَتُها.
عَرَفَتْني؛ واستوقفَتني ببسمتِها الجميلة. غابتْ عن خاطري للوهلةِ الأولى. حَفَّزَتْ بِعَينَيْها المَسيحِيَتَين ذاكرتي وأنعَشَتْها، فعَرَفْتُها في لحظات. رابِعَة بعينِها!
"ألْحُسْنُ أقْسَمْتُ بِيوسُفِهِ".

حَضَنَتْني بكثيرٍ من الوفاء والمودَّة والوداعة واللهفة والمغفرةِ والحنين. أحلى اللحظات أن يشعرَ الآخرُ أنّ قلبَكَ مشغولٌ بهِ بلا إعلان. لاطفتُ شعرَ طِفْلَتِها ووجنتيها، وتبادلنا كلماتٍ سريعة، تمنيتُها لو استغرقتْ وقتاً أطول، أو بَقِيَتْ مَنْسِيَّة في البال. كنتُ مأخوذاً بالمفاجأة، فلم أُماطِلْها في المزيدِ من الكلام.
لم يطلِ اللقاء؛ ودَّعَتْني وانصرفتْ، وخلَّفتْ في نفسي حسرةً وندامةً على مروانْ.

مروانْ؛ لم يُوَفَّقْ كثيراً في اتِّخاذ لقرارات. لعلَّ رابِعَة أهمّ الأماني التي فشل في صونِها ورعايتِها.

كانتْ زميلتُهُ في "القِدِّيس جاوِرْجيوس" مِن أيامِ الدراسة، في ثانويةٍ مُخْتَلَطَة. فتاةٌ تتمَيَّزُ بالعفويَّة، باديةُ الحضور؛ مُتَفِوِّقةٌ في صفِّها؛ ملحوظةُ الفطنة؛ لمَّاحةُ الخاطر؛ عزيزةُ النفس؛ مكحولةُ العينين؛ نشيطةٌ كالنحلة؛ وتَهْوى العزفَ على"الغيتار". فَتَنَتْ بحُسْنِها قلبَ مروان ، فَتَيَّمَتْهُ واستولتْ عليه.

كانتْ تتردَّدُ علينا في أوقاتٍ متقاربة، لا يكادُ يمضي نهارٌ دونَ أن تزورَنا، كانتْ حجَّتُها في الزياراتِ المتلاحقة صداقتُها لابنتي، وغايَتُها كانتْ مروان. مروان إبني وحبيبي وحبَّةُ قلبي.

منذُ كانَ الوفاءُ والقُوت، وكان البحرُ والماء، كانتْ حكايةُ الشراعِ، وكانتْ أمْنِيَةُ المتنبي وخيبتُهُ مَعَ الرِّيح.

انقطعتْ رابِعَة عن زيارتِنا فجأةً. وتولاّني عليها القلق. التقيتُها مراتٍ وشجعتُها على العودةِ إلى الزيارات، واستجابتْ لإلحاحي، لكنَّها كانتْ تأتي إلينا في أوقاتٍ تَعْرِفُ أن مروان غائبٌ عن البيت.

استأنفتِ الحضور في زياراتٍ مُرْبَكَة، يكتنفُها الجفاء والخيبةُ والتردُّد في الخلاص، وحسم العلاقة التي أدمتْ نفسها، وخدشتْ كبرياءَها. ثمَّ بدأتْ زياراتُها تتباعدُ بالتدريج، حتى انقطعتْ نهائياً.

ألمرَّةُ الأخيرة التي التقيتُها فيها، كانت عندَ المنعطف على طريقِ المدرسة. استوقفَتْني والذّلُّ يكسو حالَها، أرادتْ أن تقولَ شيئاً أو تشكو، ثم تراجعتْ. تعثّرتْ بدموعِها واختنقَ صوتُها، فتركتني وانصرفتْ في سبيلِها.

تبادَرَ إلى خاطري، رامي والسنباطي وأم كلثوم ، وذلك الشجو الحزين. وتوَلاّني عليها قلقٌ وحزنٌ وغموضٌ وحبٌ وحسرةٌ ونقمةٌ وارتباك.

كانَ ينبغي يا صديقتي أن تنتزعي حقَّكِ في الدُّنيا بيَدَيْكِ. إن لم تصدِّقي فَسَلي الأرضَ المُحَرَّرَة، تُنْبِئْكِ أنَّ البقاءَ للأقوى، ولا مكانَ لضعيفٍ أو مُتَرَدِّدٍ أو خائفٍ أو متسوِّلٍ أو متخاذلٍ تحتَ عينِ الشمس. فإن لم تصدقي، فويلُ لكِ منكِ، فقد حكمتِ على قلبكِ بالضَّيَاعِ أوِ الموت.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3156002

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC