مصطفى بوخال - الجزائر

خصوصية الإبداع الروائي لدى نجيب محفوظ

مصطفى بوخالهذه ورقة أحاول من خلالها الوقوف على الأجواء الفنية والمحطات الإبداعية لأحد أبرز أعلام الأدب العربي: نجيب محفوظ، الذي كرس حياته على مدى أربعين عاما في خدمة الرواية العربية، إلى أن أصبح ظاهرة متفردة في هذا الجنس الأدبي.

استهل نجيب محفوظ رحلته الإبداعية في بداية الثلاثينات بمجموعة قصصية، وتوجها بأكثر من خمسين عملا سرديا تحولت إلى منجم أدبي لا ينضب، إذ تمكنت درره الثمينة مثل الثلاثية المشهورة وملحمة الحرافيش وشخصياته الروائية الإشكالية: أحمد عبد الجواد، سعيد مهران وأنيس زكي من الدخول في حلبة المنافسة الأدبية العالمية وتمكن محفوظ من الفوز بجائزة نوبل سنة 1988.

=1= انفتاح النص الروائي العربي:

اهتمت بدايات الرواية الجديدة بالالتفات إلى الواقع من حيث تصويره ومساءلته، "وهو التفات فرضته التحديات الحضارية، والحركات السياسية والخيبات والتطورات الإيديولوجية "[1]. وإضافة إلى ذلك،"أسعف ازدهار التفكير النظري في الرواية وتواصله، كونها جنسا تعبيريا غير منته في تكونه مفتوحا على بقية الأجناس الأدبية الأخرى ومستمدا منها بعض عناصرها مما جعل خطاب الرواية خطابا خليطا متصلا بصيرورات تعدد اللغات والأصوات، وتفاعل الكلام والخطابات والنصوص، ضمن سياق المجتمعات الحديثة القائمة على أنقاض قطائع اجتماعية وابستيمولوجية مع مجتمعات القرون الوسطى"[2].

لا شك أن هذا الجنس الأدبي المفتوح على عوالم متعددة من الفنون والثقافة والفلسفة، قد أغرى كتابا كثيرين لممارسته. وكان نجيب محفوظ من هؤلاء، فبعدما درس النظريات الفلسفية في الجامعة ومحاولات في كتابة المقالة النقدية، عاف قلمه الكتابة الصحفية وولج عالم الرواية والقصة ليخط بذلك تفاصيل النفس الإنسانية بكل تناقضاتها داخل المعترك الاجتماعي من خلال نماذج مصرية استهوته حياتها في أزقة القاهرة وكشف ما يحدث في شوارعها الخلفية.

إن "نجيب محفوظ هو أحد أبناء الطبقة المتوسطة الصغيرة التي بزغت – تبعا لتطور الرأسمال الوطني في مصر – قبل الثورة الوطنية (1919)، لذلك استوطنت هذه الطبقة بين كل تلافيف ذهنه، وتسرب كيانها المادي والمعنوي إلى وجدانه، فظلت قضاياها إطارا اجتماعيا ثابتا لجميع مؤلفاته"[3].

=2= من الرواية التاريخية إلى مرحلة السخرية:

رسم محفوظ في إبداعه الروائي مسار الرواية العربية، إذ عاصر مراحل تحولها، ومكنه حسه التاريخي ووعيه الفني العميق من إدراك مفاصل التطور في المجتمع المصري وخطوطه المتميزة.

وخلال ستة وثلاثين عاما كتب خمسا وعشرين رواية تبدأ بالواقعية شبه التسجيلية، وتنمو عبر الرواية الميتافيزيقية، وينتهي إلى تقنية جديدة في إضاءة الواقع عبر الحلم والهذيان ثم تبديد الحلم نتيجة لهجوم الواقع، وهو ما تمثله رواية "ثرثرة فوق النيل".

في العشرينات كان محفوظ في الثانوية، وفي أوائل الثلاثينات دخل الجامعة. اهتم بالترجمة حيث انكب على ترجمة كتاب حول مصر القديمة. وكتب محفوظ مقالات في شؤون فلسفية وسيكولوجية غير ذات شأن في ذلك الوقت. و"بعد أن خفت صوت الثلاثي الشعري شوقي وحافظ ومطران، وأصبحت مصر مركز السيادة والريادة الثقافية حيث التمعت فيها أقلام طه حسين وأحمد أمين، والزيات والرافعي والمنفلوطي والمازني والعقاد"[4].

في هذه الأجواء الثقافية يكتب محفوظ مجموعته القصصية "همس الجنون" سنة 1932، ويتبعها في ظل الاستبدادين الملكي والبريطاني بأعمال تحررية كفاحية ونضالية: "عبث الأقدار"(1939)؛ و"رادوبيس" (1942)؛ ثم "كفاح طيبة" (1944).

وأردف هذه الثلاثية التاريخية النضالية بثلاثية اجتماعية من واقع الشعب المصري نالت شهرة عالمية ورفعت من مستوى إبداع محفوظ الفني إلى أعلى عليين: "بين القصرين" (1956)، و"قصر الشوق" (1957)، و"السكرية" (1957)، وفيها نعيش مع عائلة من البرجوازية التجارية يصور الكاتب من خلالها "التطور الاجتماعي والعاطفي والفكري والسياسي لأفرادها الذين يمثلون عدة أجيال ويخترق كل فرد من أفرادها وسطا مختلفا "[5].

ثم تأتي مرحلة سماها النقاد الوضع السيكولوجي، وهي صدى للرؤية الاجتماعية والنقدية الذاتية، فكانت رواية "السراب" تمثيلا لها. وفي سنة 1959 يجنح جنوحا ميتافيزيقيا مع رواية "أولاد حارتنا" لتليها الرؤية الوجودية والعبث واللامعقول مع "اللص والكلاب" و"ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار". وفي أواخر أعماله كتب "حضرة المحترم" (1975)، التي تبنى فيها خط السخرية في الكتابة الأدبية.

=3= خصوصية الكتابة الروائية لدى نجيب محفوظ:

يشير غالي شكري، وهو من النقاد الذين عكفوا على دراسة محفوظ، إلى بعض خواص الكتابة الأدبية لدى نجيب بقوله: "لا يسترعي اهتمامه موضوع بعينه يلح عليه بصفة غالبة، وإنما هو يتخير قطاعا إنسانيا يتجاذب ما فيه من خيوط معقدة متشابكة، يحاول أن يستشرف لكيانها المعقد معنى ودلالة. يضطره ذلك لأن يعبأ بكثير من التفاصيل الدقيقة وأن يطرق من الموضوعات المتشبعة ما يصل به إلى مفهوم عام للمجتمع أو الإنسان"[6].

وفي مجال الرواية التاريخية يقول شكري: "اشتهرت بعض قصصه بأنها تؤرخ لمراحل مختلفة من حياتنا الاجتماعية. والحق أن كل عمل فني يعتبر مؤرخا لعصر صاحبه. غير أن الملاحظة العميقة في أدب نجيب تدل على أنه لا يقصد مقدما أن يؤرخ لمرحلة ما بقدر ما يريد أن يؤكد على فكرة بين جوانحه لا تنفصل عن تجربة ذاتية تجد لها متنفسا إذا انحسرت في قطاع إنساني عبر مرحلة زمنية خاصة"[7].

ويعبر نجيب محفوظ عن هذا الاتجاه بقوله: "أنا أعيش في نفس الوقت الذي أعايش فيه الناس ولا أكتبها، وإنما أكتب عن الناس"[8]. وفي التأكيد على الخط الواقعي في كتابات نجيب من خلال سؤال طرحه له الناقد ألفريد فرج: "هل تتصور أدبا هو نتاج العقل الخالص والوجدان الخالص لا يخضع لظروف وأحكام الحياة اليومية والبيئة المحلية؟"
يقول نجيب محفوظ:

"لا يوجد في التاريخ تفكير مجرد. إن التشابه بين نظرية علمية ونظرية فلسفية وتيار أدبي أو فني برزت كلها في عصر واحد وبيئة واحدة. هذا التشابه هو أكبر دليل على وحدة الأصل. على أن التفكير ينبثق من الأرض، جذوره ضاربة في التربة والبيئة الاجتماعية ولا يحلق بجناحيه في السماء".

ويشير نجيب محفوظ إلى المصادر الأدبية التي أثرت في تكوينه كروائي، فبعد القصص البوليسية تعلق بلطفي المنفلوطي وقرأ لتولستوي "الحرب والسلام"، ولدوستويفسكي: "الجريمة والعقاب" و"الاخوة كارامازوف". وفي القصة القصيرة أحب تشيخوف وموباسان. ومن التيارات الحديثة أحب مارسال بروست وكافكا. وعن المسرح والشعر يقول: "لا يوجد من هزني الهزة القيمة سوى صمويل بيكيت في مسرحيته "في انتظار جودو". وفي الشعر لم يسحرني بعد شكسبير سوى طاغور وحافظ الشيرازي"[9].

هذه المصادر ساهمت في تشكيل الوعي الإبداعي لنجيب محفوظ، واستطاع من خلال هذا الوعي أن ينقل إبداعه المحلي إلى الاطار العالمي، وتحولت بذلك نماذجه الروائية إلى شخصيات عالمية تنفتح على قضايا الإنسان بشكل عام، فمن الحارة وأولادها وأزقتها انطلق محفوظ في تصوير النوازع النفسية والمواقف الإنسانية الغامضة والظواهر الاجتماعية المضطربة وهي تتحدث بلغة واحدة هي لغة الإنسان الحائر أمام أسئلة الوجود والمصير.

= = = = =

الهوامش:

[1] خالدة سعيد، حركية الإبداع، دار العودة بيروت، ط1، 1979، ص203.

[2] محمد برادة، مقدمة كتاب الخطاب الروائي لميخائيل باختين، دار الفكر القاهرة، ط1، 1987، ص7.

[3] غالي شكري، أزمة الجنس في القصة العربية، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط3، 1978، ص75.

[4] نجيب محفوظ في مجهوله المعلوم، علي شلق، دار المسيرة، بيروت، 1979، ص145.

[5] خالدة سعيد، حركية الإبداع، ص209.

[6] غالي شكري، أزمة الجنس في القصة العربية، ص76.

[7] نفسه.

[8] نجيب محفوظ، أتحدث إليكم، دار العودة، بيروت، 1977.

[9]نفسه، ص 94-95.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC