فاطمة نزال - فلسطين

طيف على جدار

=1=

تراءت له طيفا. كان كالغريق الذي تعلق بخشبة من حطام زورق على أمواج القدر الذي ساقها إليه. قرأت كلماته التي تقطر آسى ومرارة. حاولت مواساته، استفزته بتعليقاتها اللاذعة، جعلته يستيقظ من تلك النكسة التي أصابته بعد قصة حب فاشلة.

"عليك أن تتعملق في وجه مشاكلك، مثلك لا بجب أن يكون بهذا الضعف. من تركتك لا تستحق إلا النسيان. مثلك سيدي عليه أن يخرج من هذه القوقعة التي حشرت نفسك فيها طواعية تبكي حبا قد رحل".

كانت كلماتها كالصاعقة في وقعها عليه. كل من يتابع كتاباته يثني عليها ويجامله ويبكي أو يتباكى عليه.

"من تلك التي تملك هذه الجرأة لتخاطبني بهذه القسوة؟" تساءل في نفسه، ولا إراديا تحركت أصابعه. ضغط على اسمها المستعار الذي استوقفه لحظات. كأنه يذكره بها. لا بد أن تكون هي من أسقتني كؤوس العذاب بهجرها. تصفح جدارها. لم يجد ما يشفي غليله سوى تاريخ مولدها والذي ينبهه إلى عقدين من الزمن بينهما.

تابع تصفح ما تدونه وما تقتبسه وما تشير إليه من هنا وهناك عله يعثر على خيط يقوده إليها. أصبح لديه شك كبير بأنها هي. لم َ تظهر بعد كل هذا الغياب وما تقصد بتعليقاتها؟ امتلأ رأسه بالأسئلة التي لا جواب لها إلا منها هي. لم لا يراسلها؟ لم لا يسألها؟ واضح أنها تعرفه وتعرف عنه الكثير.

=2=

بدأ يفكر كيف يفتعل حديثاً معها ولكنه متردد لا يعرف ما سر تخبطه الغريب، امتدت يده إلى علبة السجائر التي قاربت على النفاذ. لم يشعر كيف تسرب الوقت كما يتسرب الرمل من بين أصابعه.. التقط سيجارة وهو ما زال شارد الذهن حاول إشعالها، كانت يده اليمنى ترتجف، وكأنها تصلبت من نقرها على لوحة المفاتيح. لا يستعمل سوى يد واحدة فالأخرى قد بترت بسبب حادث أودى بها، وبجزء من ساقه اليسرى. نظر إلى نفسه. إلى جسده تأمل كيف صار أسيرا لكرسي متحرك لا يغادره إلا إلى سريره. أصبحت هذه الغرفة بكل ما تحويه من مجلدات وكتب. وهذا المكتب الخشبي وذلك الجهاز المنصوب عليه، نافذته على عالم يخصه وحده. تململ في مقعده. ارتشف نفسا عميقا من لفافته ونفث دخانها كأنها فوهة بركان قد فتحت. أحس أنه أطلق معها كل ما يعتمل في صدره.

تشكلت سحابة أمامه. ارتسم طيف حبيبته التي اختفت دونما أن تودعه. تنهد تنهيدة عميقة وراح مع ذلك الطيف في خياله. على صوت أيقونة من صفحة الدردشة. تنبه إلى سيجارته التي احترقت حتى الرمق الأخير. وضعها في المنفضة وعاد إلى نافذته يتفقدها.

دردشة فيسبوككان أحد الأصدقاء يستفسر عن حاله. تجاهله لم يكن مهيأ للحديث مع أحد. عاد إلى صفحة هذه المقتحمة لعالمه. استجمع كل قواه، فتح الرسائل وبدا يخط بضع كلمات باقتضاب.

"السلام عليكم".

"وعليكم السلام".

وبدون مقدمات

"هل تعرفينني؟"

"عفوا".

"اقصد هل سبق أن تحادثنا؟"

"لا".

"لا أدري لماذا اشعر أنك تعرفينني".

"ههههه، هذه مشكلتك".

توقف فجأة أمام جملتها الأخيرة. "مشكلتك". فعلا مشكلتي. من هذه التي ما زالت تستفزني؟ عاد لسؤالها مرة أخرى:

"لماذا علقتِ على ما كتبت وأنت لست من قائمة أصدقائي؟"

تأخر الجواب أو لا جواب. انتظر كمن ينتظر على جمر من التساؤلات. كانت الثواني تمر كساعات ولكنه شعر أنه انتصر عليها إذ لا تجد ما تجيبه به.

"ولماذا تكتب إذن. ألا تنتظر تفاعل قرائك مع ما تكتب؟ ثم ما يمنع أن أعلق. ألست أنت من فتح جداره للعامة؟"

لم يتوقع أن تجيبه بسؤال بل لم يتوقع إجابتها الواثقة.

كان يشعر في داخله بشيء يجذبه للحديث معها بالرغم من إجاباتها المستفزة.

"نعم معكِ حق. اعتذر ، هل ما يمنع من أن أضيفك إلى قائمة أصدقائي ما دمتِ تملكين هذه الموهبة في الكتابة؟"

"أبدا ذلك يسعدني سيدي. أعتذر إن كانت تعليقاتي قد أزعجتك، ما تكتبه رائع وذلك استفزني وعلقت. ليس بالسهولة أن تستفزني نصوص أحد للكتابة إلا نادرا، وأنت تملك موهبة ومتمكن مما تكتب، وأعتذر مرة أخرى، أنا لم أقصد شخصك بتعليقي وإنما تلك الشخصية التي تكتب عنها".

"لا عليكِ، وأشكركِ على المتابعة وإن كنتِ، صدقا، أول من انتقد لغة الضعف المستكينة في نصوصي".

انتهى الحديث على هذا النحو حتى بدون تحية ربما لخلل في الشبكة. هكذا برر غيابها إذ لم يظهر على شاشة الحاسوب أنها قد قرأت عبارته الأخيرة.

انتهى الحوار دون أن يعرف عنها شيئا. من يدري؟ ربما الأيام القادمة تحمل له ما لم يتوقعه.

=3=

على الجانب الآخر كانت هي. تتأمل ذلك الحوار القصير، ترى ما الذي يجعل كاتبا معروفا وله من المعجبات ما لا أستطيع حصره أن يهتم بما كتبته من تعليق على نصوصه. وما الذي في كلامي استفزه ليطلب الحديث معي؟

تساءلت: هل استشف فعلا موهبتي؟ أم أن ما كتبته آثار شجونه؟

عادت تتصفح جداره كأنها تراه للمرة الأولى. هذه المرة ليس من أجل ما يكتب، بل لتعرف من هو.

"كاتب في العقد الرابع من عمره دكتوراه في الأدب العربي متقاعد مبكرا ومتفرغ للكتابة".

قرأت هذه المعلومات وعادت لتصفح ما يكتب بإعجاب ينم عن انبهار. ربما أحست أنها أمام كاتب له سطوة لدرجة أربكت قلمها فتسمرت أناملها على لوحة المفاتيح عاجزة. فعندما يتحرك شيء ما في داخلنا شعور مبهم لا توصيف له، نعلم أننا نمر بحالة من التذبذب بين قطبي مغناطيس، ولا ندري أي القطبين ستكون له الغلبة.

=4=

كعادته كل صباح جلس في مكتبه يرتشف قهوته على أنغام فيروز، ويشعل لفافة. هذه الطقوس تهيئه لكتابة نصه الصباحي على صفحته الرسمية. شغل الحاسوب وبدأ بتصفح الأخبار اليومية، لا شيء لفت انتباهه سوى هذه العبارة:

"ما زالت الفراشات تحوم حول قناديل حروفك وتحرقها الكلمات. ولكني لست فراشة. بقلمي: شهرزاد".

ماذا تخبئين لي يا شهرزاد؟ ومن أنت؟ أحس أن كلماتها موجهة إليه بل ولا تقصد غيره.

فتح نافذة الدردشة فوجد أمام اسمها الإشارة الخضراء.

"لستِ بفراشة أيتها الجميلة؟ ماذا تكونين إذن؟"

جاءه الرد سريعا حتى خيل إليه أنها تنتظره:

"لستُ إلا مهرة في البراري جامحة لا تغريها قطعة سكر".

"وأنا سائس الخيل وفارس الليل أسافر على متن القصيدة وأجوب البراري بحثا عن ذلك الجموح لأروضه".

"لستَ سوى هاوٍ، غره مدح الفراشات وتحلقهن حول بيانه فخدعك سحرهن سيدي".

"وهل يلتفت النور للفراشات يا صغيرة؟ إنه شعاع لا يحد من نوره عقول بليدة. سأمتطي صهوة جموح الفكرة المجنونة وأخوض غمار اللغة من أجل ترويض المعاني التي تستعصي على هاوٍ مثلي".

"المعاني لا تستعصي إلا على من يأخذ الكلام على علاته".

"وأنا قرأت ما بين السطور وفهمت يا صغيرة".

=5=

ماذا قرأ يا ترى بين السطور؟ تساءلت وهي نفسها لم تعرف ماذا كتبت أو إلى ماذا ترمي، أشاحت بنظرها عن تلك الشاشة، بعد أن ارتعش جسدها بلفحة برد خريفي. اتجهت إلى النافذة، وتأملت تلك الطبيعة المطلة من شرفتها. تشرين على الأبواب وتقلباته تربك جسدها، كما أربكها هذا الخريف المطل من شاشة حاسوبها.

ألقت برأسها على حافة تلك النافذة. كانت رياح صباحية غاضبة نزعت عن الأشجار رداء بلون الشفق ، مشبع بالألوان الدافئة. أوراق تشبعت بحرارة شمس آب وألوانه الملتهبة ، ليأتي أيلول وتقلباته يزفها إلى تشرين يعمدها بطهر غيث تجمع في سحب ساقتها الريح بسرعة عجيبة.

منذ لحظات كانت الشمس تطل على استحياء من خلف ذلك الغمام المسافر. فدثرها وانهمر رذاذا يغسل تلك الصبايا التي تعرت على خفر في مغطس الأرض العطشى للمطر. فتمايلت أغصانها طربا على وقع سقوطها مع صوت الريح الذي يعزف سيمفونية الفرح. وغطت الأرض بسط من الأرجوان المذهب. تدوسه أقدام المارة ليتلاشى بين ثقوب الأرض. عجلة الحياة تدور ونحن نتقلب بين فصولها.

تساءلت: هل يمكن للربيع والخريف أن يلتقيا دون زمهرير الشتاء وفيضانه ؟ مغامرة متحمسة لخوضها؛ كيف لا وهي الجموح المحلقة على جناح من هذيان؟

أغلقت النافذة وتركت رذاذ المطر يوشوش سمعها على أنغام الفصول.

=6=

"إليكِ يا من تبحرين عبر أوردة الكلمات. تنعشين الروح بحضورك البهي. تسكبين الشهد على وجعي فيحلو رغم مرارته. إليكِ يا من لم أعرف لها عنوانا ولا اسما ولا وطنا. أزيلي هذا الغموض الذي يحيرني ويشقيني. وانثري زهورك في دروبي ، لاستنشق ذلك الشذى العابق كلما مررتِ. واقرأ سِفْر العاشقين، تعويذة على خطاك العابرة"

كانت هذه افتتاحية جداره ذلك الصباح. لم يراجعها، شعر أن روحه تنساب على الورق، فتسيل مناهل لعينيها.

أليس غريبا أن يتعلق المرء بطيف لم يره. لم يسمع صوته وحتى لم يعرف أي شيء عن حياته.

ما هذا الجنون الذي يعتريك يا محمود؟ قال محدثا نفسه. أم أن مراهقة متأخرة تجتاح قلبك وعواطفك؟

الأرواح لا تعرف الملموس وما يحسه إن روحها تحلق في عالمه تناحيه تبحث عن ثنائية البوح تشتاق لروحه.

توالت الإعجابات بما سطره على حائطه، وانهالت التعليقات من فراشاته كلٌّ ترمي بسحرها ومجاملاتها الخاوية من الإحساس، أو هكذا خيل إليه. لم يلفته أحد. انصرف إلى عمله المكتبي وبين فينة وأخرى يسترق النظر لجداره. لعل طيفها يمر ولو بإعجاب.

كان الوقت بطيئا مملا رتيبا. هكذا الوقت لمن ينتظر. وهكذا الانتظار موت بطيء على قارعة المسافة. فلا تنتظروا من لا يأبه بكم. إذا كانت قلوبكم لم تهمس لكم بسر التماهي في استدعاء الآخر. إذا وجدتم ذاك التماهي فلا تهملوه واتبعوا حدسكم. فما السعادة إلا أمل نتوق إليه ولو بحلم.

=7=

يعترينا الخوف من المجهول، ويربكنا. هكذا تبادر إلى ذهنها وهي تقرأ ما خطه على جداره، تحسست لوحة المفاتيح، وبدأت بالعزف على أزرارها لترد على ما قرأته هناك. للمرة الأولى تشعر برهبة كلماتها، هذه المرة تقصده هو وليس ما يكتب. كلامها لشخصه، لقد تجسد هو بكليته أمامها تخاطبه بين سطورها كما أرادت وكما فهم.

"ليتني أستطيع أن اختزل العمر في لحظة تجمعني بك. هل لساعة الزمن أن تتوقف عندك وتجري دون توقف عندي؟"

كتبت هذه العبارة في خانة التعليقات وهمت بإرسالها لكن وفي اللحظة التي قررت ذلك تراجعت، قامت بنسخ النص ووضعته كمنشور على جدارها. كانت تعي ما تفعل وفضلت أن تحيط نفسها بشيء من الغموض. أليس الغموض سحرا؟ تحيط نفسها بهالة، وتعرف بحسها الأنثوي كيف تعزف على أوتار رجولته، كيف تجعل منه باحثا عنها يلاحقها، وهي التي تلاحقه، تلك هي الأنثى الساحرة. تلك هي التي تبقي الرجل صاحب المبادرة وهي التي توجهه.

أتعلمون لماذا يخشى بعض الرجال المرأة الذكية؟ وهل تعلمون أن قليلا من الرجال الأذكياء يعرفون كيف يديرون ذاك الدهاء في شخصها لصالحهم؟ لقد غنت، وهو لحّن لها فكيف ستشدو أغنياتها القادمة ؟

=8=

وتمضي الأيام. تتوالى الأحداث وكل منهما يناجي الآخر على جداره. يقرأ ما تبثه على حائطها فيجيبها على صفحته وهي كذلك. أحب طيفها بكل جوارحه. وهامت بطيفه حتى الثمالة. لم يجرؤ كلاهما على مواجهة الآخر. كانت تعي أن فارق العمر بينهما يجعل من المستحيل أن تفكر بشخص مثله، وهي الوحيدة أبويها المدللة. ووالدها يريد عريسا مفصلا على ابنته. حسب ونسب ومركز اجتماعي ، وعمر مناسب ،ولم لا؟ وهي الجميلة التي طلباتها أوامر. لكن كل ما كان يشغل بالها. ذلك الذي يملأ عقلها وقلبها.

من بين كل من تقدم لخطبتها لم تجد من يسكن روحها وفكرها، فلجأت إلى جدارها تبثه لواعج قلبها تسكب ذاتها عبرات تارة. وابتسامات أخرى فكان مرآتها التي تعكس قلبها الناصع بياضا وروحها شفافية. إنه "فيسبوك" وجهها الآخر الذي لا يعرفه أحد.

لم تعرف عن شخصه سوى ما كتب في "بروفايله" ولم تسأله. ربما لأنها لا تريد إلا أن ترسم الصورة التي تتمنى أن يكونها. كانت تعلم أن من في عمره بالتأكيد متزوج وله عائله وله واقعه الذي يعيشه. تتهرب من هذه الحقيقة فلا تقترب منها كأنها منطقة ألغام ستنفجر في وجه أحلامها أو أوهامها التي تعيش. فكثيراً ما نتمنى ما لا نملك ونادرا ما نحصل عليه، فإن حلمتم فارفعوا سقف أمنياتكم وارقوا سلم الأمل، فمن يدري؟ ربما إذا طلبتم وآمنتم ستتلقون.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3178942

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC