ذكاء رواس قلعه جي - سورية

وقرر أن يخوض

كان البحر هادئا والسماء صافية وطيور النورس تحلق قليلا ثم تنقض لتلتقط شيئا من ثنايا موجة خجولة تتدحرج ببطئ لتنهي رحلتها بدغدغة الرمال المستلقية على الشاطئ. مشى ساعة من الزمن، ثم توقف في المكان الذي اعتاد أن يتوقف فيه ليراقب مجموعة من الصيادين يعالجون شباكهم بهمة ومرح، وهم يتجاذبون حديثا لا يتناهى منه الكثير إلى مسمعه. إلا أنه كان يوحي له بالسعادة والحبور، وكعادته يرفع لهم يده ملوحا : "قواكم الله يا شباب"، فيردون عليه بأيد مرتفعة وكلمات لايأبه كثيرا بأن يفهم معناها. ويستمر في مراقبتهم، ويستمرون هم في عملهم.

كم يشعر بالسعادة لرؤيتهم، حتى في اليوم الذي لا يأتون فيه إلى البحر، يظل هو وفيا لهم فيقف في نفس المكان يراقب حركة قاربهم وهو يتأرجح مع كل موجة تصفعه، ويرى مكانهم كيف هو بغير وجودهم. كعاشق يتأمل أطلال الحبيبة، ويتخيلهم مشمرين ويتصور حركتهم الدؤوبة، ومرحهم الصاخب أحيانا والهادئ أحيانا أخرى.

أعوام مرت عليه وهو يفعل ذلك كل صباح. وكم تمنى أن يكون معهم! أن يشمر عن ساعديه ويسمح للموج أن يداعب قدميه العاريتين، أن يسحب الشباك، أن يرتبها ثم ان يركب الزورق ويطويه الأفق. ولكنه أبدا لم يجرب ذلك، فقد كانت رحلته الصباحية تنتهي غالبا بعد هذا المكان بقليل ليعود بعد ذلك أدراجه حيث يصعد الدرج الحجري الموصل إلى بيته الذي يستقر بهدوء عند حافة الحرش، وفي البيت يلبس القميص الأبيض المكوي بعناية، يحكم ربطة عنقه، استعداد لانطلاقه إلى قصر العدل.

ومن موقع عمله في قصر العدل كان يراقب كل أطياف المجتمع. الجميع يقف في طابور طويل أمام مكتبه لعمل توكيل عام أو توكيل خاص. تعابير وجه كل واحد منهم تحكي قصة مختلفة، وكم قرأ في حياته من تلك القصص! هذا رجل ثري يريد أن يعمل توكيلا لشريكه والحذر يبدو عليهما، وذاك أخ يريد أن يسافر ليبحث عن الرزق فيوكل أخاه ويتوكل على الله، وتلك زوجة توكل زوجها، يبدو أنها مغلوبة على أمرها، يبدو ذلك جليا في تعابير وجهها، ونظرة عينيها المنكسرة.

كان قلبه يتفطر حزنا حينا و يرفرف سعادة في حين آخر. ولكنه كان باعتباره كاتبا للعدل عليه أن يحافظ على وجه صارما، وملامح لا تدل على أي معنى. هذا هو المفهوم السائد للعدل، ما دام الموكل يوقع، ويبصم لا يهم ما تقول عينيه و لايأبه لما تتحدث به تعابير وجهه، أو رجفة يده، أو حتى رفة جفنه، فكاتب العدل عليه أن يكون حياديا، لا يتدخل في قرارات الناس بل إن ما يتبادله معهم من عبارات كانت لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، وكلها من نوع:
هل قرأت؟ هل قبلت؟

حتى كلماته هذه ليس لها قيمة حقيقة. المهم ما يخطه بقلمه من عبارات وأرقام سواء كان في السجل الكبير المفتوح أمامه، أو على تلك الورقة المطبوعة والممهورة بعشرات الأختام، التي يحملها أصحابها ويولون من غير كلمة شكر أو حتى نظرة امتنان، فقلمه هو الحاكم الفصل في كل ما يدور حوله، ولقد عاصر هو كل أنواع الأقلام، بدءا من الريشة التي يغمسها بدواة حبر ثم ينفضها، إلى الحبر السائل، ثم الحبر الجاف، وقد سمع مؤخرا أن كل شيء سيصبح على الكمبيوتر، ولم يستطع أن يتخيل كيف سيكون ذلك: هل سيجلسون مكانه على الكرسيه جهاز كمبيوتر ليتأكد أن الشخص المعني هو من وقع وليس أحدا غيره.

لم يتعب نفسه كثيرا في تخيل ذلك، فما له وللكمبيوتر، فهو لم يعد له مكان في ذلك المبنى الكبير المزدحم، فقد وصل لمرحلة التقاعد. ولن يكون هناك أبدا، وقريبا سينسى الجميع أنه كان هناك. كثيرون قبله ساروا على ذلك الدرب ثم طواهم النسيان، فما أن يرحل الموظف حتى يأتون في اليوم بموظف جديد يجلسونه على نفس كرسيه، ويصطف أمامه المراجعون وكأن شيئا لم يحدث، وكأن حياة لم تنته وحياة جديدة لم تبدأ.

أما هو فسيفتقد الجميع، سيفتقد قراءة تعابير وجوه الموكلين والموكلين، وسيفتقد ثرثرة زملائه وهم يتجهون إلى مكاتبهم، وقصص أولادهم وزوجاتهم بل وجيرانهم التي كانوا يقصونها على عجل. سيفتقد الساعي وصينية القهوة التي يدور بها بين المكاتب على عجل وكأنه يريد أن يؤمن طلبات الجميع في وقت واحد، ورغم أنه لم يكن يشرب من قهوته إلا أنه كان يستمتع بتلك التحيات الصباحية الجميلة التي كان ينثرها من حوله.

لو أن تقاعده عن عمله وزوجته موجودة، لكان الأمر أسهل بكثير، فكل شيئا معها كان يمر بسهولة، ولكنها رحلت.

* * *

عندما رحلت الغالية خيل إليه أن الحياة ستتوقف بعدها، كان ذلك قبل ثلاث أعوام، وقتها عرف لماذا الناس يقدمون على الانتحار، ولكنه احتسب فقده لها عند الله فعوضه الله صبرا لم يكن يعتقد أنه يمتلكه. الغالية لم تكن مجرد زوجة، هذا اسمها الذي يطلقه عليها بعد أن رحلت. لقد كانت توأم روحه، فمن أول يوم تزوجا فيه يوم كان طالبا في كلية الحقوق يسكن في غرفة فوق سطح عمارة كبيرة، سكنت معه هناك، ثم جاء تعيينه في هذه المدينة الساحلية بعيدا عن أهله وأهلها. يومها خاف إن أخبرها أن تحزن. ولكنها قبلت الأمر ببساطة لم يكن يتوقعها، قالت: "ما دمنا معا فكل شيء سهل".

حتى يوم عرفت أنها لن تستطيع أن تكون أما، فقد استطاعت أن تجعله يشعر أنه ببساطه قادر على تعويضها عن ذلك. تلك البساطة التي صاغت كل مفردات حياتهما، فقد اختصرت كل تفاصيلها بأن تكون معه جزءا منه كفكره. كظله، كرمش عينيه دائما فوق جفنه، فقد كانت دائما هناك، لم تكن تشكل جزءا من حياته بل كانت حياته كلها، وبذهابها تغيرت ملامح حياته كلها.

رشحت له أخته عددا من السيدات، وحدثته زوجة أخيه عن الكثيرات. ولكن هل هناك امرأة في الوجود تستطيع أن تملأ الفراغ الذي تركته الغالية؟ وعليه أن يتعود على إيقاع حياته الجديد، فمشواره اليومي على البحر الذي صار يستغرق أغلب وقته، شرود ذهنه وهو يقوم في عمله في قصر العدل جعله أكثر صمتا مما كان عليه، حتى زيارته لمدينته صار لها إيقاع مختلف، صار يقضي أغلب الوقت يتنقل بين الدكان والمستودع والمعرض، هاربا من البيوت وحديث النساء فيها عن الزواج بامرأة أخرى.

كان معظم أفراد أسرته يعملون في طرق النحاس وزخرفته. حتى هو نفسه كان ماهرا في ذلك، لقد فتح عينيه على الدنيا وهو يرى نفسه وبيده إزميل، وطرق النحاس هو الإيقاع الذي حدى مسيرة حياته من أول يوم خطا في هذه الحياة إلى يومه هذا، فقد كان طرق النحاس مهنة العائلة، وقد آلى أبوه على نفسه أن يكون زعيمها، فجعل طرق النحاس إكسير الحياة عند أولاده: قبل المدرسة بعد المدرسة في العطل والأعياد، في البيت، وفي الدكان.

ورغم أنه شذ عن قانون العائلة ودرس الحقوق، إلا أنه لم يشذ عن حبه للنحاس وطرقه فكان يمارس ذلك كلما سمحت له الظروف. وكانوا دائما يطلبون منه أن يترك وظيفة الحكومة التي لا تأتي إلا بالهم ويأتي ليعمل معهم، وفي زيارته الأخيرة ألح عليه أخوه الكبير أن يعود للعمل معهم. أطرق قليلا قبل أن يجب، حتى خيل لأخيه أنه سيوافق، ولكنه قال بنبرة حزينة:

"من عاد يطرق على النحاس في هذه الايام؟ الآلات صارت تقوم بالمهمة. حتى دكان والدنا الذي كان يغص بالعاملين لم يعد به إلا عدة صناع، لقد صار تجارة مرتبطة بالسياحة أكثر منه عملا فنيا. الطرق على النحاس ولى زمانه".

فرد عليه أخوه: "كلنا تربينا على حب زخرفة النحاس، ولكن بقاء الحال من المحال". ثم عقب مختصرا المسألة: "عد إلى هنا ولك ما لنا وعليك ما علينا، ولكن لا تبق هناك وحدك".

وتسللت ابتسامة إلى وجهه، وهمس ووجه متجها إلى البحر: "وهل سأكون إلا وحيدا أين ما كنت؟"

وسبح بنظره في البحر وفي الطيور التي لا تمل التحليق والانقضاض. كانت الشمس قد ارتفعت قليلا، معلنة عن بدء نهار جديد. يوم جديد آخر ليس فيه قميص أبيض مكوي، ولا مكتب يرتبه وهو يستمع لثرثرة زملائه ويراقب حركة النادل وهو يوزع أكواب القهوة والشاي واليانسون كل حسب طلبه.

كان يبدو للجميع أنه لا يهتم بما يجري حوله، ولكنه كان حقيقة يهتم ويتفاعل، ويحزن لمشاكلهم الصغيرة، ويحزن لأنهم لم يستطيعوا أن يتعاملوا معها ببساطة كما علمته الغالية أن يفعل. ولكن الآن انتهى كل شيء، وكأنه مشهد تمثيلي من فلم واقعي، بل واقعي جدا.

مشى ببطء على طول الشاطئ، قابل رجال البحر، وقد أنهوا إعداد شباكهم. حياهم، وكعادتهم ردوا عليه التحية، بأيديهم ولكنه أرهف السمع هذه المرة ليتحقق مما سيقولون، فسمعهم ينادونه: "تعال اركب معنا، سيكون الصيد وفيرا في هذا اليوم".

نظر إلى الشمس التي بدأت تعلو قليلا عن خط الأفق، أصغى لهمس موجة أنهت للتو رحلتها واستراحت على رمال الشاطئ، تردد قليلا، قبل أن يجيب: "ولكن كل خبرتي في البحر لا تتجاوز السير على شاطئه".

رد عليه أحدهم، وقدماه تخوضان في المياه الضحلة وهو يدفع القارب باتجاه البحر، وكأنه لم يسمع ما قاله:

"تعال. هذا يوم رائع، فرصة لا تعوض".

فرأى نفسه ولأول مرة في حياته يتجه نحو البحر بقدمين عاريتين، وقد قرر أن يخوض.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC