فراس حج محمد - فلسطين

تعليم اللغة على نحو مختلف

تعليم اللغة على نحو مختلف

فراس حج محمد/فلسطين

فراس حج محمدتتغيا هذه المقالة معالجة تلك المواقف التعليمية التي يكرر فيها الطلبة أمثلة على القاعدة النحوية التي يتم شرحها وبيان جوانبها النظرية، إذ تكون هذه الأمثلة في الأعم الأغلب ساذجة بسيطة، وكثيرا ما كنت ألاحظ خلال عملي كمشرف تربوي أن المثال الواحد يتكرر عند طلاب مختلفين في الصف الواحد في المدرسة الواحدة أو في صفوف أخرى في مدارس متعددة، فإذا ما أردت تطبيقا لجملة فعلية سرعان ما أتاك الطلبة بجملة "أكل الولد التفاحة" أو "كتب الطالب الدرس"أو ما شاكل ذلك من أفعال أو أسماء، تشكل جملا مكرورة سقيمة، لا تنم عن ذوق لغوي سليم، ولا عن فائدة يستفيدها الطالب مما تعلمه، أو سمعه، أو عايشه في البيت أو في المدرسة، أو مع أقرانه خلال اللعب.

وهنا أحاول أن أبحث في أسباب هذه المشكلة التربوية والتعليمية في آن ومحاولة وضع بعض المقترحات، ليكون هناك مجال لأن يستطيع الطالب تركيب جملة نحوية فعلية أو اسمية ذات مدلول سام أو تعبيرات جيدة، تنبثق أول ما تنبثق من إثارة التفكير، ولفت الانتباه لما يحيط بالطالب نفسه.

تتعلق هذه المشكلة أساسا بتصور غير دقيق لتعلم اللغة – أي لغة-، فالتركيز على القاعدة النحوية وجعلها بؤرة للتعلم بعيدا عن التطبيق والممارسة، والاكتفاء بصياغة جمل صحيحة من حيث التركيب، هو الدافع الأول لوجود لمثل هذه الجمل الركيكة؛ لأنه –وببساطة- لم تحرص الفعاليات التعليمية السابقة لدرس النحو على أن تمد الطالب بمفردات وألفاظ وتراكيب تجعله غنيا باللغة والإحساس بها، وإن حاولت تلك الفعاليات إعطاء شيءٍ منها فإن ذلك لا يتم بطريقة تعليمية هادفة، بل تُصبُّ اللغة صبا، وكأنها أشياء مجردة يُراد لها أن تُستودع في خزان ليس لحين الطلب، بل لتكون هناك حيث الخمول والكسل والركون مفعمة بأجواء البساطة الفجة، وفي أمان من الاستعمال، فقد أصبحت كقطع الخردة التي تخلص منها أصحابها بمكبات لا يكاد يُلتفت إليها.

فلا بد إذن والحالة هذه، من أن نعلم اللغة بطريقة مختلفة وبعيدة عن التصور الذهني المجرد للمفردات، وأن تنطلق من كون اللغة معبرا حقيقيا عما في النفس، وهنا يجب أن يكون الطالب فعالا يعبر عما يجيش في صدره من معاني الأفكار يصوغها هو بلغته، وأن نبتعد ابتعادا مطلقا عن تلقين الطلبة معاني تلك المفردات أو حثهم على حفظها، بل بدلا من ذلك على الطالب أن ينغرس في صلب جمله ومعانيها، ليتعرف على المعنى المقصود وليس على معاني المفردات، فحفظ مفردات اللغة هكذا لا يؤدي في حقيقة أمره إلى امتلاك الطلبة ثروة لغوية فاعلة.

وإنما الأهم والأوجب من ذلك كله الالتفات إلى السياق العام الذي جاءت فيه الجملة، ونترك للطالب من خلال هذا السياق اللغوي التعرف على معاني الجمل والفقرات والمقصود منها دون أن نكلفه ذكر معنى الكلمات، ودون أن نعرِّف تلك المفردات بتلوينها بلون مغاير وتفسير معانيها على هامش الصفحة، كما يحدث في بعض مناهجنا، فنحن بهذه الطريقة التلقينية نساهم في الحجر على العقول ونمنعها من التفكير بما يجب أن تُفكر فيه، فتقديم المعاني جاهزة لا يخدم الطلبة ولا يساعدهم على تعلم اللغة التعلم المرجو.

لقد حان الوقت إلى أن نستبدل بذلك النقاشَ والتفاعل البناء بين طرفي التعلم والتعليم، الذي يتناول النص بشكل عام، ويدخل إلى جوانبه المعرفية من خلال مناقشة فقراته وجمله، حتى إذا ما تم التعرف إلى النص وأصبح واضح (الشيفرة) المعنوية، نتحول إلى التوظيف اللغوي الهادف، فيعبر الطالب والمعلم كلاهما عن جوانب الأفكار المتعلمة بناقشها ونقدها والبناء عليها، وكأننا ننتج نصا على هامش النص الأصلي، ونبني أفكار موازية للأفكار الأولى المطروحة، على أن نوظف في ذلك مهارات التعبير الشفوي والكتابي جنبا إلى جنب.

ولا بد هنا من ملاحظة أن الحديث الشفوي قد يغري بعض الطلبة بأن يعيدوا جمل زملائهم ممن سبقوهم بالحديث، ولذا فإنه من الممكن للمعلم، إن شعر بمثل هذا، أن يوجه دفة الحديث إلى فكرة أخرى، أو الكتابة الفردية – كل طالب على حدة- على بطاقات صغيرة معدة سابقا، ثم تجمع هذه البطاقات وتُقرأ على مسامع الطلبة، دون الإشارة إلى من كتبها، وذلك تشجيعا للطلاب على الكتابة والانطلاق في التعبير دون التوجس من الرقيب أو السلطة الحادة، سواء في ذلك تعليقات الزملاء أو تعليقات المعلم نفسه، بل لا بد من الابتعاد عن التعليق السلبي على أي جملة مهما كانت، ونخطو خطوة أبعد قليلا في هذا النشاط التعليمي الهادف بأن نترك للطلاب المجال لنقد ما كتبوا وإعادة صياغته بأفضل صورة متيسرة بعد حوار الأفكار ومناقشتها وهضمها.

هذا في المستوى الأول من التطبيق والممارسة، ونعني به تحديدا توظيف اللغة في جمل منفردة، فإذا ما أردنا بناء أكبر، وكتابة فقرة أو موضوعا حول أي فكرة كانت، فما هي الطريقة المناسبة؟ وكيف يمكن أن نبدأ معه؟

لعل الخطوة الأولى التي لا بد أن نستثمرها هنا وبكل كفاءة هي خطوة التطبيق الأولي للغة؛ ولكن مع تعديل طفيف، يتمثل في أن تكون صياغة الجمل موجهة؛ فنكلف الطلبة بكتابة جمل من دوائر معنوية أو حقول دلالية معينة لها ارتباطها بالموضوع الذي نريد أن نكتب فيه، ونقسم الطلبة إلى مجموعات؛ بحيث يكون نصيب كل واحدة من هذه المجموعات اختصاص في فكرة فرعية من هذه الدائرة، ولنفرض مثلا كتابة موضوع عن التعاون، فإنني أقترح تنفيذ الكتابة على النحو الآتي:

يبدأ الموضوع في التخطيط لتنفيذه من لدن المعلم، إذ لا بد أن يكون متصورا لطبيعة الموضوع وعادّا للأمر عدته، وأن تكون البيئة الصفية منطلقا رئيسيا، فنكلف أفراد المجموعة (أ) مثلا بكتابة أفرادها جملا عن مظاهر تعاون الطلبة فيما بينهم في غرفة الصف، أما المجموعة (ب) فتكلف بالكتابة عن تجليات تعاون الطلبة في حصة التربية الرياضية، أو حصة التربية الفنية، أو أي حصة من الحصص، وكذلك المجموعة (ج) فتكلف بالكتابة عن تعاون الطلبة خلال الاستراحة، .... وهكذا، تفرع ما شئتَ حسب ما ترتئي وتخطط، وحذار من الارتجال فالارتجال يفشل كل عمل!!

وتأتي الخطوة الثانية، وتتمثل في جمع ما كتب الطلبة في المجموعات، فتقرأ الجمل، ونحاول تصنيفها وترتيبها في كل مجموعة على حدة، أي الجمل يكون أولا وثانيا وثالثا، ثم تُجمع الفقرات وتعرض للطلبة ليروا هم أنفسهم الترتيب المنطقي لترتيب الفقرات، وليتم تنفيذ اقتراحين مثلا وقراءتهما، ثم الاتفاق على شكل موحد للموضوع، يقرأ للمرة الأخيرة، ونعلن عن الخطوة الأخيرة، وهي إذاعة الموضوع ونشره في الإذاعة المدرسية، ومجلة الحائط، ومجلة المكتبة.

ولكن كيف يمكن أن أوظف هذا الشكل من التعلم في حصة النحو؟، إذن فلنعد إلى المشكلة المطروحة في بداية هذا المقال، وهي مشكلة تركيب جمل فعلية واسمية ذات معنى وأن نبتعد عن النمط المعهود، ولنضرب لذلك مثالا موضوع أقسام الكلام (الاسم، الفعل، الحرف)، وهو موضوع نحوي تأسيسي، إذ يُعتمد على مفاهيمه في إرساء أساسيات تركيب الجملة الفعلية والاسمية وأساسيات المعاني، فكل جملة هي من هذه التصنيفات، فمهما كثرت وتعددت فإن الجملة لا تخرج عن أربع اعتبارات: إما أسماء خالصة، وإما أفعال وأسماء، وإما أفعال وحروف، أو أسماء وحروف، أما ما يظن أن الجملة مكونة من أفعال فقط فوهم محض؛ فالمعاني التي تقتضيها الجملة لا بد من وجود الاسم؛ فجملة "بدأ يخطو" المكونة في صورتها اللفظية الظاهرية من فعلين إلا أنها غير تامة المعنى بدون الاسم، إذ تفرض الجملة مسندين إليه بعد كل فعل، الذي يشكل في الحقيقة جملة تامة، لتتوصل إلى أن التركيب السابق "بدأ يخطو" مكون من أربع كلمات فعلين واسمين.

والسؤال كيف يمكن للطالب أن يستوعب مفاهيم جديدة، (الفعل والاسم والحرف)؟ لا بد إذن من البحث عن رابط منطقي من بيئة الطالب، ولا بد كذلك من الابتعاد عن تلقين الطلبة التلقين الببغائي للمفاهيم مجردة، فتعريف الاسم والفعل والحرف ليس مقصودا في حد ذاته، وإنما المطلوب هو التوظيف الفاعل للاسم والفعل والحرف توظيفا سليما، ولنبدأ بتعريف الطالب بالاسم، منطلقين مما حوله، إذ إن كل ما هو حول الطالب من أشياء هي أسماء، وأن ما يمارسه ويقوم بتأديته هو أفعال، ومن هذه وتلك تتكون الجمل، وقد نضطر إلى كلمات أخرى للربط المسماة الحروف.

وبالطريقة نفسها السالف الحديث عنها في كتابة الجمل والفقرات، وبتوظيف ما جمعه الطالب من كلمات نبدأ بتشكيل جمل ذات معنى ومدلولات لها صلة بواقع الطلبة، بآفاق أوسع وتوجيه مستمر، وتجديد في كل مرة، وفتح مسارب أخرى في التفكير عندها ينسى الطلبة التفاح وأكله والدرس وكتابته، لنجد أن الطالب أصبح مشيدا بيتا نوافذه مفتوحة على شاطئ من المعاني المتدفقة، وأبوابه مشرعة على جمل وموضوعات متصلة بالحياة، لتكون هي الحياة، ساعتئذ يحق لنا أن نقول: إننا نعلم لغة، ولكن على نحو مختلف!!


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3221122

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC