أمل النعيمي - الأردن

كلاسيكيّات (مكتوب) آي تي

أمل النعيمياعتدنا أن نعنون الرسالة (أو المكتوب كما يحلو للبعض أن يسمّيه) إليه أو إليها. لكّني اليوم سأترك لك الخيار فيما تحب أن أخاطبك به في زمن صارت الرسائل جزءا من تاريخ ولّى، وأضحت خواطر المحبّين رسائل إلكترونية يحتضنها الحاسوب بأنامله الباردة، ويقرأها أو يشطبها المرسل اليهم بأنامل أصبحت أكثر برودا، وانخفضت إلى ما تحت الصفر أسباب التعلّق بالحياة وديمومة الحب والتشبّث بالأمل. صار القلق طارقا مزمنا لأسوار القفص الصدري.
ربّما لا تبدو المقدّمة مناسبة بعد غياب طويل طويل، وفي يوم كهذا أجلسني على طاولتي العتيقة وذات الكرسي المهمل لأكتب رسالة يتمزّق كلّ حرف فيها حين يقترب من أناملي.

وحيدة أكتب تحت مصباح القلب الأحمر المشع رغم انطفائي، ورفّ نسّقت فيه ديكور عشّ وطائران يقبّلان بعضهما، بجوار كلّ منهما ينام أوّل حرفين لاسمين أحدهما (أنا) والآخر (للآخر)،
(آخر) يعيش معي ذات العالم، ربّما يدرك مثلي أن هناك عالما خياليّا نلجأ اليه كلّما ضاق بنا الواقع والمجهول.

في ذاك العالم أفترض أن الآخر يحسّني حين أخدش أو احترق، جعبته مليئة بالمناديل ووسادته مبطّنة بالدموع وقلبه مشبع بالحب والجراح كقلبي.

ذات يوم أرسلت للآخر بطاقة دعوة عبر حمام زاجل واليوم سمعته يدقّ بابي ويفتحه بلا مفتاح، ورغم انّي في ذاك العالم قرّرت أن لا تكنولوجيا لكنّي لم أستطع مقاومة طائري حبّ يغرّدان بالبطاريّة كلّما اهتزّ ذاك الباب.. مغلقان منذ زمن بعيد لكنني فتحتهما اليوم ليرحّبا بالطارق الآخر..

مع انفتاح بابي سمعت طرقا ثانيا، فأدركت انّه احتجاج قلبي الذي أعطاه أليفه حرّية يرفضها. أليفه الآخر الذي فعل المستحيل يوما لاحتلاله.

بمقدار فرحتي بالديكتاتور المحتل كان ألمي حين قرّر فجأة وبديموقراطيّة لا سابق لها تحريره بأعذار أوهى من خيط العنكبوت.

دخل الآخر بيتي. توسّلت إلى الله أن يكون هناك شيء ما يغريه باحتلالي من جديد. جثوت على ركبتي ورحت أطلق ما احتوت مقلتاي من دمع. لكنّي شعرت أن دموعي لا تتساقط. نظرت للأعلى لألمحه يلتقط دمعي ويعيده إلى جعبتي بإتقان غريب.

مزّقني الشجن حين أدركت انه حتى في عالم الفانتازيا هناك شيء مبهم يجعله خاليا من أوتار الموسيقى التي كانت تعزف يوما في قلب الآخر الجبّار.

فكّرت في أن أسأل ذلك العالم. خطر لي أن أكلّمه، ولكن كم هو هائل الشعور بالخوف والألم والانتماء حين ندرك أن لا أحد ولا شيء يسمعنا ولا أحد أو شيء يجيب تساؤلاتنا!

ضمّت يدي يده، لكن شيئا جعلني أشعر أن يدي اخترقت يد شبح. ظلّت راحتي تدور هنا وهناك لعّل وعسى، باحثة عن حنان وأمان تاها حين تاهت بوصلة اتجاه يد الآخر.

قررت أن أحدّثه رغم يقيني أن شيئا ما لن يدعه يسمعني. في ركن الغرفة التي لم يكن يضيء سوادها الاّ الضوء الأحمر هناك اناء ورد أحمر بتقنيّة رائعة. زهوره الحمراء التي تغلّف بداخلها ضوءا أحمر تتراقص بانفتاح وانغلاق، وتدور حول نفسها، تعزف لحن الحبّ الأزلي بمجرّد ايصال فيشه بالتيار الكهربائي.

عطر مبخرتي التنين الذي يحرس عالمي الهش يفوح باندفاع دفق شمعة حمراء أسفله. كلّ الأحمر هنا، والخطر والخواطر وأنا.

يا إلهي، فعلت الحمراوات مفعولها فأنت ايّها الآخر بدأت تتحول إلى (أنت) مرّة أخرى. هل أستحقّ حقّا معجزة؟ أحمل اليك كأسين قعرهما قلب أحمر. أحسّ بالسؤال يزحف فوق شفتيك كطفل كسيح: (أصار اسمك قوت القلوب؟).

عصير كأسي أحمر. اطمئن فهذا ليس مسكرا. اليوم يجب أن تستعيد وعيك. أرجوك. لعلّ وعسى. أخيرا تجد حنجرتي الجرأة لتسألك: هل تفهم ما يعني أن تجد نفسك فجأة تعي أن اسما واحدا فقط في حياتك يضيء عتمة ليلك ويجعلك تحتمل هذا العالم الذي وجدت فيه أخيرا معنى مختلفا للحياة، معنى يدخلك عالما غريبا لترمم به عالمك الواقعي ويفتح لك أبوابا جديدة لتغلق بها أبواب ماضيك وينسيك هذا الاسم حتّى اسمك؟

وعندما تجترّ الذكرى تدرك أن هذا العالم بما فيه أنا تاهوا في دوّامة ماضيهم وقلبا مشرقا يبعث لك الضياء من أعماقه ويلتقي بآلامه مع آلامك ليعرف القلبان السعادة.

تبدو أعماقك بالغة الجفاف، فقد ارتشفت العصير دفعة واحدة. أملأ الكوبين، وتبحلق بهما وبي وبك. أحدهما على شكل وجه رجل والآخر على شكل وجه امرأة. مقبضهما مصممّ لتستطيع حين تشاء أن يتعانق المقبضان وحين تريد تباعدهما.

أقدّمهما والمقبضان متشابكان. تنظر بتوجّس إلى ما فيهما. لا تخف انّه شراب الكابوتشينو الذي تفضّله. هل ما زلت أذكر؟ لا يهم. تبدو مترددا في ابعاد المقبضين. أنوب عنك في ذلك فقد شربت العلقم سنوات وحدي، واليوم لي العلقم ولك الكابوتشينو. أقرّب صحن المكسّرات (الكاجو) تحديدا فلم يعد تذكّري لأشيائك المفضّلة مستغربا. الحمد لله. أريت كم كنت محقّة في الحاحي لتقبل دعوتي؟

الزهور الحمراء تدور والمصباح القلب يرنو الينا. الموسيقى تعزف نفسها بإيقاع رومانسيّ لا قبل لها به. أنهض لأعيد الكوبين الفارغين. تمنعني. هذه المرّة أحسّ يدك تلمس يدي حقّا بدفء خزين السنين، فهل طرد البخور الشبح؟

تصرّ على أن تحضر لي بنفسك شيئا من مطبخي الصغير. هل تريد أن تحرر يدي من احتلال يدك كما ما زلت تحاول تحرير قلبي من احتلالك؟

يا أنت، الاحتلال والحريّة أشياء معنويّة نحسّها ونعيشها، ليست وقائع ملموسة. بقي شيء واحد أقدّمه لك، وبعدها أدخل المطبخ.
اذهب وصل وجل كما يحلو لك كصولاتك الماضيات معي.

آتيك بفنجاني قهوة كليهما على شكل قلب، متكئين على حاملتهما الصغيرة التي هي الأخرى بشكل قلب، فما أكثر ما قدّمت لك من قلوب والقلب الذي جبلنا عليه واحد!

أضع علبة السجائر أمامك. بأصابع مرتجفة أتـناول سيجارة لكنني سرعان ما أعيدها دون اشتعال. قد يكون خوفي من الدخان الذي قد يفسد سحر عطر البخور. تشعل سيجارة تلو أخرى ولا أجرؤ على سؤالك: هل كلّ حياتك هكذا؟ تحرق متى تشاء ومن تشاء وتطفئ متى تشاء ومن تشاء؟ تأخذ حين تشاء وتلفظ متى تشاء؟

تبّا لي. ليس اليوم. تدقّ الساعة. تتعالى الدقّات لتذكّرني بلعنة اسمها الزمن. لا أريد سماع الدقّات. تذكرّني بالسندريللا. حضورك اليوم كقصتها. هي فقط كانت محروسة بالملائكة والخرافة والمعجزة ونزوة كاتب في منتصف الليل، لذا لم تخف من الساعة ودقّاتها. أمّا أنا، لا أدري إلى متى يدوم مفعول البخور والعطور وكمّ الأحمر الذي يملأ المكان بعد أن هجر شراييني حين هجرتني.

فجأة أحسّ بقيظ شديد حيث عطب الأشياء لا يحتاج الاّ قليلا من الوقت والنسيان. انّه ايلول خريفي. حبيبي وعيد حبيبي. لم يتسبب في اشتعال الحرائق في كلّ مكان؟ وكيف تقوى نفسي على كلّ هذا البرد وسط معمعة النيران هذه؟ يتصبّب جبيني عرقا وأشعر بدوار منتصف النهار وغثيان منتصف الليل وأرق الساعة المتعبة.

أنظر اليك. لقد هزمت الشبح وعدت. أصابعك تزيح ما تهدّل من شعري المهجور وتلتقط الدموع المتمرّدة لتشربها شفتاك التي لا تجرؤ من الاقتراب منّي، فنحن نعود إلى عالم الواقع وبتسارع مخيف.

يمضي الوقت ولا زلت أبحث في كتاب أيّامي المهمل عن كلمات تضمّ أشواقي الملتهبة لأهديها اليك. الليل يقترب، ويقترب ملتفعا ببزّته السوداء ومعه صمته القاتل، يمتص الروح من أحشائي ببطء شديد، ويكبر شعوري بالضياع وأنا أنظر للشموع الذائبة كذوبان الوقت مع ذاك الذوبان تـنأى من جديد عنّي. يهديك القدر شيئا من النسيان فتبتسم وأنا هنا أحترق.

آسفة. ما أقساني! وما أقساك! ليست اقتباسا من أغنية. لو نبقى معا لسطّرنا حروفا من مطر وكسونا الأرض عشقا وزهرا. كنّا بكينا للسماء كي يطول بنا اللقاء ولتحترق بعدها السماء ويطفئ شمعاتي المطر. كنّا مضينا في الظلام وتعانقنا والسكون كلام. كنّا شربنا الحب من بحر الغرام وتعاهدنا بالصمت والكلام.

آه، ها أنت تبتعد وتبتعد، تشعل الأضواء والشموع وأنا هنا وحدي. هنا أجترّ من ذكراك يا عشقي الوحيد، فما أقساك في حنان ابتعادك!

أعود لمكتبي القديم وكرسيّي العتيق. أطفئ مصباح القلب لأشعل مصباح وقود طمس الصدأ معالمه. أريد أن استمرّ في الكتابة. أريد أن أسرّ لمكتبي القديم وكرسيّ العتيق وقنديل الصدأ بعض الكلام ليحملوه إلى ذاك القلب وذاك الاسم الوحيد الخالد في حياتي.

أريد أن أقول له شكرا على كلّ لحظة مكثت فيها داخل قلبي لتدبّ به الحياة وعلى كلّ نظرة جعلتني أدرك من أنا وعلى كلّ كلمة كانت كزاد التقوى حين يتكالب الكافرون.

كلّما أوقدت شمعة يا قلبي ويا اسمي اذكرني مع انطفائها، واغسل يدك في قبضتي المتعرّقة، ثم القي بي معك في عالم مهجور نحمل شعارنا الّذي اخترعناه، لنعيش في يوم لحظة اللقاء والفراق معا، كي تطمئن أوراقي بأنّها ستسقط عند الخريف على عالمي وعالمك، لأظلّ أمنّي النفس بأن نسقط غدا في هوّة الأحلام، حتّى لو كنّا نتّبع خطى الخريف لكي نعيش تلك اللّحظات الّتي بنيناها قديما معا لنثبت لأنفسنا اننا أقوى من الحياة.

اليوم أرجو أن تنسى أنّي أقول لك إنّ البرد دخيل روحي وانتفاض أطرافي المستديم، أرمق الأشياء وأجوس خلال الغبار الطالع من أوردة الكلام المحترق، يحاصرني اليباس ويغتالني البرد النابت من شوك اللمس المرتجف خوفا وألما، رغبات مشروخة بسكّين واقع ملجوم مرتدّ منتكس، يعبس الليل بي ويشلع البرد فؤادي.

تنتابني حمى الثلج الأسود وقلّة الحيلة وضمور الوعد وسلاسة الاحتمال. ينتابني اسمي وعنوان دمي وانفراط عقد خريفي الكالح الأصفر. تجتاحني ارتعاشات عصفور مكابر وتقاسيم آلة معطوبة وتدور بي جولة السكارى.

شمس حارقة وبرد مجنون. ليل قصير ونوم وسادة خالية. سيف وشجن وأحاديث كثيرة. سماء بلا مدد وأرض بلا أحد.

تنتابني خربشاتي وأصرخ: يا أيّها الجنون اقترب، فالساري وحده فوق الرمال بلا أمل والحدّاء حزين والنجمة ضائعة والدليل مات، صار تمثال ملح وفزّاعة في مهبّ الريح.

رأيت البحر ولم أر المراكب، رأيت تبادلا مهمّشا وأخبارا مكرّرة ونميمة متنمّرة منفرة، كأنّه الطاعون يصعد للقيامة. كانت أسئلة وسرابا صار بالإمكان الامساك به وتشكيله حسبما يريد آسروه. جاء الذين يذهبون وذهب الذين لا يبرحون.

البرد مازال بردا والشمس حارقة و(أنا) كما لم تكن أميّ وعشيرتي بردانة حيرانة تعبانة، فهل تستطيع بعد كلّ هذا أن تدثّرني بعرق الأمان الذي لا يجئ؟

أيّام تجري عبر صفحات الشهور ثم السنين لتسلّم عهدتها إلى أيّام أخرى و(أنا) أسطّر هذه الترّهات وأرسلها عبر بريد الروح من قلب وعقل وروح كلّ يلفظ أنفاسه الأخيرة غير مبال بالتشبّث بأهداب (حياة).


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC