سامية الأطرش - بريطانيا

كذبة أبريل/نيسان

كل سنة وفي الأول من أبريل/نيسان يتبع الأوربيون تقليدا قديما لمداعبة الأهل والأقارب والأحباب بأن يبدأوا اليوم بخدعة مدبرة وكذبة بيضاء تثير الضحك في بعض الأحيان والحزن في أحايين أخرى والمغفل من يصدق الخدعة في هذا اليوم ويكون الضحية.

وفي بريطانيا يبدأ الناس في أواخر شهر مارس/آذار بالتفنن في اختلاق الأكاذيب لمداعبة الشخص الذي يختارونه. وفي يوم التنفيذ وهو الأول من أبريل تبدأ المقالب ويبدأ الشخص الخدعة، كأن يقص خبراً لا يعقل فيصدقه المتلقي بكل براءة، أو أن يبعث المدراء بعض الموظفين في مهمة رسمية وهمية، أو أن يصدر نقلا ًفورياً أو فصلاً تعسفياً. وعندما تنفضح الأمور وتظهر الحقيقة يضحك الجميع وبدون زعل مشيرين إلى أنه الأول من أبريل.

ويطلق الناس عليه في بريطانيا اسم يوم الحمقى والمغفلين وما أن تدق الساعة الثانية عشرة ظهراً يتوقف حبك المصائد والمكائد معلنة انتهاء كذبة أبريل وهذه قاعدة يتبعها الجميع في بلاد الإنجليز لاعتقادهم بأن التمادي في المداعبة بعد منتصف النهار قد يؤدي إلى وقوع الشخص المخادع في شر أعماله، ولأن الذي ذهب ضحية كذبة أبريل يدرك أن المداعبة إذا استمرت اكثر من ذلك لا يتقبلها بصدر رحب.

وينتظر الجميع حلول هذا اليوم بفارغ الصبر وخاصة الصحافة البريطانية ووسائل الإعلام الأخرى كمحطات الإذاعة والتلفزيون كي يداعبوا الناس بشكل أو بآخر وأتذكر قبل ما يقارب عقدين من الزمان قدم تلفزيون الإذاعة البريطانية القناة الثانية ضمن البرنامج التلفزيوني الإخباري اليومي "تونايت" تقريرا إخبارياً عن اكتشاف منطقة في سويسرا تنبت فيها أشجار معكرونة (سباغيتي).

وشاهد الناس على شاشة التلفزيون أشجارا مغطاة بأعواد المعكرونة وهي تتدلى من على الشجر. وخرج علينا مقدم البرنامج، كيث ميتشلمور، يومئذ وألقى الخبر بجدية وقال إنها أشجار نادرة وفريدة من نوعها ولا توجد إلا في هذه المنطقة النائية من سويسرا وتعجب الناس وضربوا أخماسا في أسداس.

وفي اليوم التالي انهالت الرسائل على مخرج البرنامج ومقدمه للتحري عن الشجر النادر وكيفية الحصول عليه وهل يمكن زرعها في بريطانيا وكم تستغرق الشجرة كي تثمر أعواد المعكرونة وهل يمكن أكلها طازجة إذا قطفت من على الشجر أم علينا غليها في الماء والملح قبل أكلها وكم تصل طول الشجرة وعن نوعية الأرض الصالحة لزراعتها وعن المواد المستعملة في سمادها إلى آخره. ولم يكن ذلك التقرير الجدي إلا كذبة أبريل وأتذكر يومها تعجبت عن مثل هذه التخاريف لكن الخبر انطلى على بعض الناس.

وتساعد التكنولوجيا الحديثة على ابتكار بدع جديدة ومقنعة للضحك على الناس في هذه المناسبة ومنهم أنا، ففي العام الفائت جاءني ابني أيمن وقال لقد رشحت نفسي يا والدتي لانتخابات الرئاسة الأمريكية، وقال لي مؤيدون بالآلاف. ولكي يقنعني اكثر أحضر جهاز الكومبيوتر وفتح الإنترنت وشاهدت فيلما إخبارياً على احدى القنوات التلفزيونية الأمريكية عن الدعاية الانتخابية له. ولكن ابنتي دينا فضحت فعلته وقالت إنه برنامج تلفزيوني يتم تنزيله من الإنترنت وما عليك إلا أن تضعي ما يحلو لك من وجوه.

وأبريل اسم مشتق من الأصل اللاتيني أبريليس في التقويم الروماني القديم وكان الشهر الثاني من العام آنذاك لأن السنة الرومانية كانت تبدأ في شهر مارس/أذار. ويعتقد أيضا أن أبريل مشتق من الكلمة اللاتينية آبيريري ومعناها فتح، دلالة على ابتداء موسم الربيع عندما تستيقظ الطبيعة من غفوتها وتترك فصل الشتاء البارد لتستقبل البراعم الجديدة وتمتع الأنظار بتفتح الأزهار والورود.

وهناك فئه تعتقد أن اسم أبريل يعود إلى العهد الإغريقي اليوناني و يمثل قدوم الربيع ومطلعه. وهكذا يحتل الشهر مكانة وأهمية خاصة في أوروبا منذ العصور السحيقة الغابرة. احتفل الرومانيون القدماء بيوم الأول من أبريل وخصصوه لاحتفالات آلهة الحب والجمال فينوس. وكان هذا اليوم يتصف بالمرح والضحك والسعادة حيث كانت الأرامل وقتئذ يتجمعن في معبد فينوس ويكشفن لها عن عاهاتهن النفسية والجسمية ويطلبن منها أن تعمل على إخفاء هذه العاهات عن أزواجهن.

يعتبر يوم 21 أبريل التاريخ التقليدي لتأسيس مدينة روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية عام 753 قبل الميلاد. كان عدد أيام شهر أبريل أيام الرومان 29 يوماً لكن يوليوس قيصر أضاف للشهر يوما واحداً عام 45 قبل الميلاد ليصبح ثلاثين يوما أما الإمبراطور الطاغية نيرون فقد غير اسم هذا الشهر أيام حكمه ليصبح نيرونيوس نسبة إليه.

وقد اطلق الانجلوساكسون الذين استقروا في الجزر البريطانية عليه اسم أوستراو إيسترومونات. وكانوا يحتفلون في هذا الشهر بعيد الالهة إيستر، وهي احدى آلهة الساكسون القديمة. ويطلق هذا الاسم أيضا على الاحتفال بعيد الفصح المجيد الذي يحتفل به الإنجليز في الأسبوع الأول من هذا الشهر.

لا يعرف بالتحديد أصل الاحتفال بهذا التقليد لكن معظم الباحثين يقولون إنه نشأ مع احتفالات قدوم الربيع خاصة احتفالات تعادل الليل والنهار في الحادي والعشرين من شهر مارس ومن الجدير بالذكر أن هذه الظاهرة تحدث مرتين في السنة وتسمى التعادل الربيعي إذ تقع في 21 مارس.

والتعادل الخريفي يقع في 23 سبتمبر/أيلول. ويرجح بعض علماء الفولكلور في أوروبا الرأي القائل إن بدعة كذبة أبريل بدأت في فرنسا عام 1564 عندما فرضت الأخيرة التقويم الجديد الذي بموجبه تبدأ السنة الجديدة في الأول من يناير/كانون الثاني بدلاً من اليوم الأول من أبريل. والشخص الذي يرفض الاعتراف بهذا التقويم الجديد يصبح ضحية في اليوم التالي، أي يوم الأول من أبريل بأن يعرضونه لمواقف محرجة ومضحكة ليكون محل سخرية الآخرين، ويطلق الفرنسيون عليه اسم سمكة أبريل.

يمتد جذور هذا التقليد حسب اعتقاد علماء الأنثروبولوجيا إلى عصور قديمة واحتفالات وثنية لارتباطها بتاريخ معين بداية فصل الربيع وانتهائها بساعة معينة في أبريل وهي منتصف اليوم. ويؤكد هؤلاء العلماء بأن تقاليد كذبة أبريل تشبه تقاليد التهريج والتمادي في المجون والملذات في احتفالات الإله ساتورن أو زحل وكانت تسمى احتفالات ساتورناليا في روما القديمة وهي مثل احتفالات عيد الحمقى والمغفلين في أوروبا الوسطى.

ويسمح لأفراد الشعب في هذا الوقت بحرية الكلام والفعل ومداعبة الشخصيات المهمة في المجتمع إلى حد يصل إلى السخرية من بعض الطقوس الدينية الكنسية، وهي عادات وتقاليد بدائية وغريبة تعود تاريخها إلى عصور غابرة بقيت رائجة بين الشعوب القديمة وثورات الأجيال العديدة حتى يومنا هذا. ومن عادات البشر أن يشعروا بين الحين والآخر بدافع غريب يدفعهم باختلاق أي سبيل للترفيه عن بعضهم البعض دون قيد أو شرط ولو كان ذلك ليوم واحد فقط طوال العام ليتغلبوا على همومهم ومشاكلهم وليبددوا أحزانهم التي تثقل كاهلهم طوال السنة.

وجدير بالذكر أن أول كذبة أبريل في اللغة الإنجليزية نشرت في شهر أبريل سنة 1698 في مجلة "دريك" عندما استلم بعض الناس دعوة لمشاهدة عملية غسل الأسود في برج لندن وبالفعل وفي صبيحة الأول من أبريل ذهب المدعوون إلى برج لندن لمشاهدة غسل الأسود وإذ بهم يفاجؤون بأنها كذبة أبريل.

وتكررت القصة نفسها في عام 1860 إذ قام احدهم بإعلان عن غسل الأسود، ونال النجاح نفسه في الكذب على المدعوين. ويبدوأنه كان قد اطلع على القصة الأصلية التي نشرت في مجلة "دريك" عام 1698.

إذا كنت من ضحايا كذبة أبريل، أرجو تقبل الخدعة البريئة بصدر رحب، ثم الرد بمثلها أو بأحسن منها في السنة القادمة إن شاء الله. وكل أبريل وأنتم بخير.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3202835

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC