حاتم الشبلي - السودان

المسافات تغادر مواقعها لاحقا

بألق وتوهج استلقت علي الكرسي المجاور. كان الجو في الغرفة حارا، والمكتب البني تفرقت علي سطحه أوراق مبعثره وجهاز كمبيوتر شخصي تنبعث منه أغنية رقيقة لأمال النور. ابتسمت، وحالا انطلقت نظراتي الليزرية تتأمل في مواضع منتخبه في جسد اللوحة. تذكرت صديقي الذي يمازحني دائما: نظراتك مسمة. اشتبكت الكلمات مع بعضها وانشغلت عنها بمعاينة اللوحة، اعيين نفسي علي ذلك ببعض الكليمات النازحة، كلمه يتيمة أخرجتني من خشوعي. قالت: "زوربا".

"نعم، زوربا".

قالت: "أكيد في قصة ورا الحاجة دي".

بكل تأكيد، فهو قد روى أنه قرأ قصه يبدو أنها حقيقيه لصياد هندي أخذت الرياح والأمواج مركبه بعيدا عن الشاطئ، ومع اشتداد التيار أخذت الحالة تزداد سوءا. أصبح الآن قريبا من الشلال. اجل إنه هالك لا محالة، فترك التفكير في حياته وفي نفسه وطفق يغني: "أنا لا أخاف من شيء، ولا أطمع في شيء، أنا حر".

قالت: "وبعد داك؟"

لم يذكر شيئا بعد ذلك عن مصير هذا الرجل. اعتقد أن القصة، وإن كانت حقيقية، إلا أنها تختزن قدرا هائلا من المعاني الرمزية، لذلك اتخذها كازنتزاكس كتميمة يمضي بها أينما كان. يقال أيضا إنها نقشت علي قبره بعد وفاته.

قالت: "الهنود ديل شعب يرضع من ثدي الحكمة، مدهشين بالجد. هنالك أغنية هندوسية قديمة تقول: استمتع بما هو قائم بين يديك والق خلف ظهرك كل ما هو غير سار. هذه المقاطع استخدمها المعارضون السياسيون، وكانوا يرددونها دائما".

قلت: "لا اعتقد أنها تحتوي على معان تمردية، لذلك استبعد توظيفها سياسيا".

قالت: "ربما كانت تعني شيئا داخل السياق الثقافي، أو التاريخي الخاص بها، مثل النكتة التي تفسدها الترجمة. ولا أظن انك تفهم جيدا ثقافة الهندوس".

نهضت من مكاني لأفتح الشباك المطل علي شارع رئيسي مزدحم، أو ربما أفحمتني بردها فتذرعت بحرارة الغرفة. كم هي ذكية وجميلة! آه لو وافقت، واستخدمت طريقتي المفضلة في الهروب، استراتيجية تغيير الموضوع. وأدرت الكمبيوتر باتجاهها لأريها كتابة على فيسبوك لصديقي:

انطلقت موسيقي ما، نبهتني إلى أنني لا زلت حيا واحلم. الإيقاع الذي كان قد صدّرني أنا وكل ما املك من استياء وحواس ربما، إلى عالم آخر يتوارى تحت افتراضات سهلة المسالك، فامتشقت لسان الرفض، وبكّـت ما تبقي من ضميري المستهلك، ورجعت إلى شيء واحد كان معي منذ البداية: حسي ما هو الحس؟ أنا نفسي لا ادري. ولكنه شيء ما يقول لي كن فأكون. لعبة جميلة، أليس كذلك؟

قالت: "والجميل شنو في لعبته دي؟"

ألم اقل لكم إنها ذكية وعنيدة؟، لقد كشفت طلائعي الذين أرسلتهم للاستعلامات. تبا لهذه الشقية التي أرقتني. حسنا، سأجرب مره أخرى، وسألتها بينما كنت اطلب الاستنجاد والتوسل عبر صوت أمال النور: أنا صادق في حبك لو قلبي، اتصل بي قلبك، هذا مقصودي.

"أنت صوفية؟"

وأجابت: "اللغة حمالة أوجه، أنا ما عندي علاقة بالميثولوجيا".

وبدأت افكر في التقدم إلى الأمام، حانت اللحظة المنتظرة. لا، علي تأمين خطوتي، يجب ألا أتسرع وإلا فقدت كل شيء. الآن الكرة في ملعبي. اتقاء الوضوح أولا ثم بعد ذلك إرباك الآخر بما لا يتوقعه. أسلوبي المجرب. ها أنا ذا أتكلم.

"وقعتي في تناقض يا حلوة".

قالت: "أبدا ما في تناقض ولا حاجة، لكن الإنسان ذو البعد الواحد يعتبر متخلفا".

آه يا للفضيحة، وددت لو عاد الزمن إلى الوراء لدقيقتين فقط لأشطب سؤالي، الآن أنا في الفخ، لقد صرت في خانة الدفاع، هذه الشقية المتعبة ستكلفني الكثير، ماذا افعل الآن؟

لقد وضعتني بكل مهارة العارف المقتدر على منصة التبرير، يا لحظي، ما أقساك! لقد ارتدت إلي شباكي خاسئة. وإني حسير، وهربت إلى أرشيف مغامراتي السابقة. لا توجد حالة مشابهة، إني أتكسر، أتشظى، أموت، بل أنتحر.

لا، يجب أن تنهض من جديد، الصياد الماهر يتقن الصبر والتيقظ، الآن هي موضع الهجوم وانا أتراجع، تباغتني، تنتزع مني فرصتي في الصمت والتفكير في ترميم خطتي المتهالكة.

وقالت: "حاول تتعامل مع حاجاتك بي طريقة اذكى. عن إذنك، أنا وراي مشوار لازم اخلصه".

ونهضت، صافحتني، استدارت، ثم غابت، وأنا لم انطق بكلمه، مشدوها ببلاهة، أنظر إليها وهي تغادرني وتغلق من خلفها الباب، وتغلغني في زجاجة حزني وألمي. ماذا اسمي هذ الذي يحدث؟ أهو سوء الحظ؟ غبائي؟ لماذا لم تقبلني؟ بل إنها لم تكتف بذلك، إنها أذتني، أتلفت أعصابي. يا للمسكين!

أتهكم علي نفسي: أسلوبي المجرب، بالله. لقد ردت إلي أسلوبي معكوسا، إرباك الآخر بما لا يتوقعه ثم اتقاء الوضوح. وأضحك، وأضحك، ويفاجئني صوت زميلي:

"قاعد في السخانة دي كيف؟ افتح الشباك".

اثر ذلك انتبهت إلى أن الفتاة خرجت من تلك الشاشة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3156002

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC