فتحي العكرمي - تونس

الجسد المغترب بين الشجن والسجن

فتحي العكرميآلام الجسد أو صلب الغرائز

لم يكن صلب الجسد وتعذيبه وتشريده وقتله لحظة فارقة في تاريخ البشرية لأن وجود الإنسان منذ لحظته البدئيّة كان محكوما بشقاء جعله يستجدي الطبيعة أن تكون له سندا، فكان التصور السحري لظواهرها، فكان يراها "الحيوان الأعظم" بعبارة ماركس، والمجهول الذي لا ينطق بالمعنى، فداخل الصحراء البكر وفي الجبال وفي الغابات التي يلتصق بها الإنسان كان الأخير مغتربا في جسده، وداخل المكان فاقدا لدلالة تجعل وجوده واعيا وجسده منتجا.

غير أنّ الثورة الصناعيّة التي عرفتها البشرية أدخلت الذّات في اغتراب جديد تحوّل بمقتضاه الجسد إلى آلة منتجة فاقدة لكيانها وملقاة إلى استلاب اجتماعي ونفساني، فتوفّر الحاجيات المادّية كان متساوقا مع فقدان الإنّية لوجودها أمام المالك وبجوار الآلة التي يشتغل عليها.

مجمل اللحظات التي عاشتها البشرية كانت مصحوبة بوضع مربك للجسد وبعلاقة إشكالية بين تجربة التجسّد في العالم وبين وضعيات اغتراب متعددة، فكأنّ قدر الجسد الإنساني أن يوجد على هامش الوجود وأن يحيا خارج الحياة نتاج عمليّة انزياح عن ذاتيته باتّجاه غيريّة مناقضة له تجسدت في الطبيعة وفي الآلة وفي الاستغلال التي تحيل كلّها على صلب واقعي ورمزي ولغوي واجتماعي جعل الجسد جاهلا أو خاضعا أو مغتربا وفي هذه الأوضاع يتبدّى الإنسان فاقدا للتجسّد وللنطق (بمعنى تملّكه للغة) وللمعنى كنتاج لاغترابه في جسده وداخل الواقع إذ تبدو علاقته بالوجود محكومة بمغادرة هذا العالم.

الاغتراب في أحضان اللغة

تلقّفت السلطات المعاصرة قدرة الجسد على الإنتاج وعلى الخضوع، فجعلت منه رقما يوضع في أرشيف الولادات والوفيات فاقدا لحضوره الإنساني إذ أضحت "المراقبة والمعاقبة" (فوكو) محكومة بآليات سلطويّة قمعيّة بدأت مع الثقافة الإغريقية حيث تمّ إبعاد الجسد المريض و المجنون والشاذ والمتمرّد خارج مدينة العقلاء وبعيدا عن السّلطة ليلقى به إلى السّفن تحمله إلى البحر باتّجاه المجهول.

السّلطة المتحكّمة تجعل كل ناقد لها ومعارض لآلياتها ومتمرّد عن إرادتها شخصا ضلّ السبيل وأضحى خطرا على المجتمع لذلك يذيقه الحاكم كل ألوان العذاب والقهر والجوع والحصار والنفي ليكون عبرة للبقيّة فأصبح الجسد محكوما بسجن مضاعف: الخضوع الكامل للسّلطة أو النفي أو الموت.

الخطاب السياسي واللغوي والعامّي والمدحيّ والمتسلّط جعل من الإنسان خاضعا لمنطق واحد ثابت على الكل الانسجام معه ممّا جعل الخطاب وسيلة إدانة لكل الأجساد التي تتدرب على التمرّد والخروج عن سياق ما هو سائد، فتضخّم الاغتراب وانحسر الفضاء الذي بإمكانه احتواء الأجساد المعطوبة من وجهة نظر الخطاب السّلطوي.

الجسد الايروسي أو التخارج عن الذات

جعلت المجتمعات المعاصرة الصورة أداة إشهار وتبرير إيديولوجي لواقع عملت على تثبيته، إذ أنها عوّضت اللغة والكتابة والفن والقصيدة بأشكال ملوّنة وافتراضية تحوّل معها الجسد إلى صورة لا تحيل على ذاتها بل على البضاعة التي يشهرها، فانفصل الدال عن المدلول وفقد "جسد الإشهار" (رولان بارط) بعده الجمالي وتفاصيله الحسّية وحميميته، وأصبح مادة متخارجة عن الواقع وعن تجسّدها الواعي، اذ تمّ تسويقه كبضاعة ايروسية لا تدرك بعدها الرّغائبي، بل تكون وسيلة لرغبة الآخرين، بما هو صورة تظهر على سطحها تجمّلا وتناسقا لا ينتمي لها.

إذا كان وجود الجسد في معنى ما انفتاحا على تفاصيله وعلى حرارته فذلك يدلّ على أنّ تجربة الحياة هي لحظة مكاشفة ينزاح فيها الجسد من الاغتراب صوب انخراط حقيقي وفاعل في الكون ليحيا رغباته وأعضاءه، فيتردّد بين الألم واللّذة والحزن والقلق والاتجاه صوب مستقبله أي نحو الموت.

هذه التقطّعات التي ينخرط فيها الإنسان تجعل الجسد في ترحال مستمر في الأزمنة وتخارجا عن جسدانيّته وانخراطا في لعبة المجتمعات المعاصرة المتمثلة في تحويل الجسد إلى جسم-بضاعة فتجربة العري في الجسد البورنوغرافي هي تجسيد لمسافة قاطعة بين الجسد الذي "يرى ذاته رائيا ويلمس نفسه لامسا" (ميرلوبونتي) وبين الذات التي توجد بجسدها فيضحي الأخير جسرا لا يوصل إلى الذاتية بل يجعلها لا تمسك بجسدها إلا على سبيل التخيّل، إذ تراه متعاليا عنها ومنخرطا فيآليّة تسويق وإشهار وتجارة باتّجاه موضعته.

الجسد بين العري والحرية

ما الحرية؟ هل هي تحرر الذات من المادّي والواقعي ليستطيع الفكر بلوغ المعرفة العقلية المجردة؟ ألا تكون الحرية في هذا السياق المثالي تخلصا من الجسد "الآلة المعقدة التركيب "بالمعنى الديكارتي و"الشيء الخبيث المسبّب للحروب وللجهل" كما بيّن أفلاطون؟

هل أن الحرية هي التمرد على هذا الموقف المجرد الذي جعل الجسد شيئا خاضعا بإطلاق لسلطة الفكر-الروح واستبداله بموقف يجعل تجربة الغرائز والانخراط في تفاصيل العالم وفي حميمية الرغبات تجاوزا لمحبّي الموت ولعاشقي التنظير لأوهام المُثُل والمتعالي والمفارق؟

كانت المقاربة الجينيالوجية مع نيتشه استبدالا جذريا لسؤال ما هو أصل الإنسان والعالم والفكر إذ تكون الإجابة مرتبطة بما هو متعال ليصبح إشكالا مغايرا هو: ما هو مصدر الإنسان إعادة له لتربته الأرضية، فمصدر الغرائز ليس العقل من وجهة نظر هذا الفيلسوف بل الجسد بما هو " جمّاع غرائز" فيضحي التفكير غريزة يحددها الجسد ويتحكم فيها، فإرادة الوجود لم تعد متعلقة بحب الحكمة بمعناها الإغريقي بل أضحت مستمدة من "إرادة القوة" كإرادة جسدية تريد القوة من منطلق غرائزي وليس من وجهة نظر العقل/الوعي/الفهم/التمثّل كمصطلحات مجرّدة .

هذا التحديد المتعدد للحرية هو ما يجعل الجسد مرتبطا بالابستيميّة التي ينخرط فيها حيث تكون اللغة والعادات والحضارة والقانون والقيم هي التي تفرض على الجسد الطريقة التي عليه أن يوجد بها وفق ما تقتضيه السّلطة (سلطة المجتمع والقانون والدين والأسرة والحاكم والاقتصاد، إلى آخره) فيكون الجسد منخرطا دائما في سجن معيّن قد يكون الطبيعة أو الحضارة أو الدين أو الأخلاق، فتكون حرّيته ومفارقة إما منعدمة داخل هذه السّلطات وإذا توفرت له تكون تجربة تخارج عنه فيضحي جسدا للإشهار أو للبيع أو كموضوع للذّة وليس مالكا لها.

بين الولادة والموت أو شجن الجسد

بعد تكوّنه البيولوجي يولد الجسد فينخرط المولود في لحظات من الضعف والعجز عن تحقيق حاجياته فيبدأ تعويض هذه النقائص بمراحل متعددة: شرجيّة وفمويّة وقضيبيّة (كما بيّن فرويد)، فكأن الجسد منذ بدايته يتدرب على بعد ايروسي ورغائبي يحاول تحقيقه ولو على صيغة التصعيد في أعمال ثقافية أو رياضية حين يجد أنّ الحضارة التي يوجد فيها "تقمع غرائزه". لذلك يوجد الجسد في فضاء من القلق لأنه محاصر بإلزامات الواقع ومشدود إلى رغباته الفطريّة ومنفتح على عطابته المتأتية من الألم والموت وعلى اللحظة التي يوجد فيها فُجائيّ قد يحمل موته.

هذا الترحال المربك الذي يتسلّط على الجسد يدلّ على أنّ الكائن الإنساني يظلّ يتردد بين الوجود والعدم وبين الحيوانية وبين الألوهية وبين سجونه وأشجانه، ويبقى منخرطا في مفارقة تتمثل في انغراز في حميميته وانفتاح على الألم والموت والتبعيّة لسلطة الآخر "الجحيم" (سارتر) الذي منه تكون الحرية أو السّجن و السّعادة أو الشّجن، فقدر الجسد أن يحيا مع الآخرين ممّا يجعله قابعا على مشارف تحرّر يطلبه فلا يدركه.

من خاصّية الجسد الإنساني أن يكون في الآن ذاته منصبّا على تفاصيله ومنفتحا على الفضاء الذي يوجد فيه ومتّجها صوب العالم بما يحويه من تسلّط وخوف وانتظار وإرباك سعيا إلى فتحة حرّية ممكنة، وطلب الديمومة متخيّلة على شاكلة رغبة تريد الامتلاء أو على شاكلة توهّم امتلاك للمكان والزمان ولذاته وللآخر، مما يجعل الوجود الحسّي محكوما منذ بدايته بسجون تضيق حينا وتتسع أحيانا باتّجاه مطلق انحساره في تجربة الموت.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC