زهرة يبرم - الجزائر

بائع الرمل

بائع الرمل (1): قصة للصغار

ملاحظة من الكاتبة: تقتضي الأمانة الإشارة في البداية إلى أنني أخذت هيكل القصة "بائع الرمل" من موقع فرنسي موجه للأطفال بين سن الثالثة والسابعة (pommedapi.com)، وهي قصة كتبت قبل عشرين سنة، وكاتبها غير معروف. القصة الأصلية بسيطة تدرب على المحادثة، ولذا كانت بلا نهاية. أما النص أدناه فهو نتاج تطوير الهيكل، ووضعه في إطار تاريخي متعلق بالجزائر.

مقدمة: أغيلاس يريد أن يصبح بائع رمل. لكنه ليس إلا طفلا. هل تظنون أنه سيحقق مبتغاه؟

في عصر موغل في القدم، كانت هناك مملكة تتوسط شمال أفريقيا تسمى مملكة الأوراس. في قرية من قرى المملكة كان يعيش طفل اسمه أغيلاس. أغيلاس يتيم الأبوين، فقير فقرا مدقعا، لا يملك من متاع الدنيا غير أشياء بسيطة: حمامة أليفة، مزمارا من قصب وسكينا. هذا كل ما لديه. مع ذلك كان يشعر بالرضا والسعادة، ويقول لنفسه: أشياء ثلاثة؟ إنها كثيرة إذا ما أحسنت استخدامها في حياتي. أنا أملك كل ما أحتاجه لكي أعيش بخير.

ملكة البلاد اسمها ديهيا. كانت تتصف بالجمال والذكاء والشجاعة وقوة البنية. تحسن تدبير شؤون مملكتها، وتشرف بعناية على مصالح رعاياها.

في يوم من الأيام، قدمت الملكة ديهيا إلى قرية أغيلاس على جواد أبيض. ترفل في ثياب فاخرة، زاهية الألوان، وتتحلى بحلي رائعة الأشكال. تحيط بها الحاشية على جياد دهم. جاءت تطوي الصحاري والهضاب والوديان والسهول، لتخطب في الناس لأمر هام. ونودي في الرعية لاجتماع عام.

حين اجتمع الناس حول الملكة، خطبت فيهم قائلة:

"أنا غاضبة، وغاضبة جدا، فقد علمت أن أطفال مملكتي لا يريدون أن يهجعوا للنوم ليلا. فهم لا ينامون كفاية. وعند الصباح يستيقظون متأخرين ومتعبين، فلا يقدرون على العمل ولا حتى على اللعب. لهذا أتيت لأبحث بينكم عن بائع رمل."

"بائع رمل؟ ماذا يعني ذلك؟" تساءل أحد وزرائها.

قالت الملكة: "لا أعني بائعا حقيقيا للرمل، بل أحد يرمي الرمل في عيون الأطفال، وعندما يحسون بوخز في عيونهم يغمضونها، وحينئذ ينامون. سأدفع جيدا لبائع الرمل هذا. حبة ذهب مقابل كل حبة رمل يرميها."

عند سماع هذا الخطاب، اشتد حماس الطفل أغيلاس وقال في نفسه: ها هي فرصة ثمينة لي. أن أصبح بائع رمل لهو مكسب مهم للغاية. أقضي به على فقري، وأتسلى من خلاله.

وجرى في الحال مقدما نفسه للملكة ديهيا. لكن تقدم في نفس اللحظة معه للملكة محارب ملتح تظهر عليه القوة والصرامة والحنكة، اسمه تاكفرناس.

نظرت ديهيا إليهما وقالت:

"سنرى من منكما يمتلك المواصفات اللازمة التي تؤهله للفوز بهذا المنصب. إذ على بائع الرمل هذا أن يتقن فن الدخول إلى المنازل خفية دون إثارة الانتباه إليه. ودخول المنازل يتطلب في الغالب فتح ثلاثة أبواب: باب الحديقة، وباب المنزل، وباب الغرفة. أرأيتما تلك الفتاة هناك؟ إنها تداعب قطتها. سأرى من منكما يصل إليها الأول لينيمها."

وأعطت كل واحد منهما حفنة رمل.

انطلق المحارب تاكفرناس مسرعا يهز حزمة مفاتيحه. أخذ يدخل المفاتيح الواحد تلو الآخر في قفل باب الحديقة، ونجح أخيرا في فتحه.

أما الطفل أغيلاس فأخرج مزمار القصب من جيبه. ملأه رملا واتجه صوب نافذة غرفة الفتاة، ودون أن يتخطى سور الحديقة نفخ في مزماره فطار الرمل مباشرة إلى عينيها فأغمضتهما لفرط ما أحست فيهما من وخز، ونامت في الحال.

بعد ساعة ونصف من الزمن، وصل تاكفرناس إلى غرفة الفتاة. تملكه غضب شديد حين وجدها قد نامت منذ وقت طويل.

قالت الملكة ديهيا:

"الدخول إلى منزل من المنازل ليس أمرا صعبا. ما يلزم ليكون الإنسان بائع رمل عن جدارة هو المشي من أقصى المملكة إلى أقصاها، خلال كل أيام السنة، دون تعب أو تكاسل. أرأيتما تلك القمة العالية التي تناغي السماء؟ إنها قمة الشيلية (2) وسط الأوراس الأشم. يلفها الضباب معظم أيام السنة وتناطح السحاب. على تلك القمة تنبت أزهار بنفسجية نادرة، تعبق بعطر فريد. أرياني من منكما يتسلق الجبل، يجلب لي زهرة من هناك ويعود الأول."

لم تكد الملكة تنهي كلامها حتى انطلق تاكفرناس بخطى عملاقة نحو قمة الشيلية لا يلوي على شيء. لكن ماذا يفعل أغيلاس، الطفل الصغير، صاحب الخطى الصغيرة؟ أخرج سكينه الصغيرة من جيبه علها تساعده على فعل شيء، وانطلق يعدو خلف المحارب. بعد مسافة قصيرة، أدرك أن منافسه قد أوغل في الابتعاد ولن يدركه بأي حال من الأحوال.

همس أغيلاس في سره: هذا المحارب العنيد. إنه أقوى مني ركبا، وسيصل قبلي إلى قمة الجبل لا محالة. يجب أن أفتش عن حيلة أخرى تمكنني من الحصول على الزهرة النادرة قبله.

لبرهة من الزمن جرى الطفل خلف غريمه، ثم اندس وراء شجرة سرو وارفة، ومن تحت سترته أخرج حمامته الأليفة وخاطبها قائلا:

"رفرفي يا حمامتي الصغيرة بجناحيك وطيري عاليا، واحضري لي في أسرع وقت زهرة بنفسجية من أعلى قمة جبل الشيلية."

طارت الحمامة بسرعة البرق وهو يتبعها بعينيه الخضراوين الجميلتين حتى صارت نقطة في الأفق، سرعان ما تلاشت في الغمام صوب الجبل. بقي أغيلاس مسمرا ناظريه في موقع تلاشيها. ما هي إلا برهة حتى رأى نقطة سوداء متناهية في الصغر قد برزت إلى الوجود. بدأت تكبر وتكبر حتى اتخذت شكل حمامة، ما لبثت أن حطت بين يديه، تحمل في منقارها زهرة بنفسجية ندية بتفاصيل رائعة الجمال، يفوح منها عطر الفانيليا.

التقط أغيلاس الزهرة وجرى يقدمها للملكة ديهيا، ونشوة الانتصار تغمره.

عندما عاد تاكفرناس من الجبل بزهرته بعد ساعتين، طار صوابه لما رأى زهرة الصبي أغيلاس مستقرة بين أصابع ديهيا الجميلة، تتأملها تارة وتشمها تارة أخرى. سيطر الغضب الشديد عليه وأعماه وقد وجد نفسه أضحوكة مسببها طفل صغير.

في الحال أخذ قوسه وشده إلى السماء، وبحركة عصبية سريعة أطلق سهمه فأصاب بالطلقة الأولى عصفورا كان يحوم هنالك بعيدا قرب الجبل. فصاحت الملكة ووزراؤها صيحة إعجاب وإكبار. فاحمر وجه المحارب غبطة وسرورا وقال لأغيلاس متهكما:

"لست إلا طفلا ضعيفا ولن تصل أبدا إلى مستواي في التسديد والقنص".

"بلى، بلى. أستطيع أن أفعل"، رد عليه أغيلاس بكل ثقة. وفي الحين رمى سكينه الصغيرة بحركة قوية إلى أبعد ما يستطيع.

قال تاكفرناس ساخرا: "حسنا لن يحدث شيء. لن تلمس شيئا على الإطلاق. أنت لا تجيد التسديد أصلا".

تطلعت الملكة ديهيا ووزراؤها إلى ما سيحدث. وقفوا على رؤوس أصابعهم، ومدوا أعناقهم، لكن لم يروا شيئا.

صاح أغيلاس: "بلى، قد أصبت شيئا، اصبروا".

وقد حدث أن طار طائر لقلاق أبيض ضخم من فوق شجرة هناك بعيدا، في نفس اللحظة التي اخترقت فيها السكين الفضاء متجهة صوبه. استقرت في جسمه فأردته جثة هامدة سرعان ما سقطت غير بعيد عن أنف تاكفرناس، فانتفض هذا الأخير قهرا.

صفق الجميع إعجابا بأغيلاس. رفعه أحدهم ورماه في الفضاء لتتلقفه الأيدي وتعيد رميه والتقاطه دون توقف.

في غمرة الاحتفال بطفل التحدي، وتتويجه بائع رمل، تسلل المحارب تاكفرناس باتجاه جبل الشيلية موسعا خطاه، ممعنا في الابتعاد، حتى تلاشى في المجهول.

= = = = =

(1) بائع الرمل: حسب الأساطير الشعبية، هو رجل يثقل جفون الصغار بالرمال فينامون.

(2) الشيلية: أعلى قمة جبل في شمال الجزائر. يبلغ ارتفاعها 2328 مترا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC