إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

مغالٍ في قناعته

تعَدَّيتُ مسألة الغنى والفقر إلى حالٍ من الرضى والحمد، والقناعة بقسمتي في الدنيا، فالفقيرُ لله وعبدُه لا يملكُ مالاً يبدده على "الهوى" في السياحة والسفر "وشم الهوا" في النّمسا، ولا في قبرص من بلاد الجوار؛ أو الشام قبل أن تغرق في "مآسيها"، أو في دنيا الله الواسعة البعيدة، فلم تعدْ تغريني مباهج البلدان العريقة "وخمرتها".

لكنني تلقيت دعوات متكررة من ابني يرفض حججي وأعذاري، ويدعوني في كل مرَّة إلى زيارته في إيطاليا حيث يقيم ويعمل. لم أزره مذ تخرّجَ طبيباً في أمراضِ الدم، فكادتِ العلاقة معه تبلغُ حدَّ القطيعة وأنا أتوسلُ المماطلة والتسويف، لأنني ممن ترهقهم مشقة السفر والتحضير، والوقوف بمهانة في الصفوف لساعات طويلة، أمام السفارات الأجنبيّة للحصول على تأشيرة الدخول، وجمهوريتنا يا رعاها الله لا تملك من شجاعة القرار للمعاملة بالمثل.

ويرهقني أيضا الخضوع للتفتيش الدقيق في المطارات وتوضيب الأمتعة من جديد، فيغزوني التوتر والارتباك قبل موعد السفر بأيام. وبعد الوصول يعتريني الاضطراب والأرق أياماً إضافية أخرى، حتى آنَسَ إلى نفسي، وأستعيدَ هدوئي من جديد ويستقرَّ بي المقام. لهذا كان حضوره إلينا مرة أو مرتين في العام أهون عليّ وأنسب لأفراد الأسرة.

أخيراً، حزمتُ أمري وأمتعتي ووضّبْتُ حقائبي، وفيها القليل من لوازم الرحلة والثياب، لأنَّ الثياب المتوافرة هناك مبتكرة ومن أفضل الأصناف. لكنني أعددتُ الكثير من التموين، كالزعتر البلدي والحلبي "والكشك" والعدس والفول، والبن العدني الممتاز، ودبس العنب، وخبز التنور، والبرغل، والحلويات المنوعة، ما يفوق وزنه أضعاف ما يسمحون به عادة على الطائرات، ودفعتُ مقابل شحن الفائض ما يزيد مرّاتٍ عن ثمنِه من المال.

كانت حالي كحال جحا يتاجرُ بالبيض. نصيبُه في الخسارة أضعاف ما كان يرجوه من الأرباح. هكذا لبيت دعوته؛ وزرت هذا البلد الجميل بأهله وطبيعته، كأنه من الأحلام الساحرة تراها في المنام.

هذه البلاد غنيَّة ببحيراتها ومياهها وعراقة تراثها، مدهشةٌ بآثارها الكثيرة ما يفوق قدرة الدولة في المال والإنفاق، من أجل ترميمها وصيانتها، فتبدو مهملة في أكثر الأحيان، والطليان لم "يربحوا" في تاريخهم حرباً خارجية واحدة. بينما وقعت صراعاتٌ وحربٌ داخلية دامية استمرت عقوداً من الزمن، تهمَّشتْ خلالها الثقافة وتَداعى التقدم والعمرانُ في كل البلاد. ولئن كانتِ الحرب تحمل في طياتها نهضة واسعة أو محدودة، لكنها تحملُ أيضاً خساراتٍ كبرى ومآسي في مطلق الأحوال.

وجدتُ نفسي وحيداً في الغالب، في بلد لا أعرف من لغته إلاَّ "بونجورنو"، "وپومودورو" وأغنية "مصطفى يا مصطفى"، وابتسامة غبية أسوقها للآخرين، تعلن عن عجز في الكلام وخيبة في التفاهم معهم، فالإيطاليون شعب طيب حقاً؛ متسامحٌ ولطيف، لكنهم لا يحسنُون الاستماع حينما تخاطبهم بلغة مختلفة، ولا يتكلمون لغتهم بروية أو تمهل. لعل المستمع الغريب يلتقط ويفهم بعض ما يقولونه من كلمات "لاتينىية" الأصل، أو مشتركة المصدر.

طبيبٌ للأطفال لبنانيٌ صديق ابني وزميله، كان يصحبني في أوقات فراغه، وانشغال ابني في عمله، إلى المناطق السياحية في الناحية، على ضفاف بحيرة غاردا، أو الجبال الحرجية العالية الرائعة التي تحيط بها، فيكفيني مؤونة الوحدة، والحديث المتعسِّر مع الآخرين. أو كان يتركني في عهدة راهبة ممرضة، كانت تساعد ابني في دار للعجزة، تحسن الإنكليزية وتأسرك براعتها في الابتسام ولطف الخطاب.

صبية جميلة وعفوية؛ ربما ظلمتها الرهبنة ورسالة التمريض. تمنيتها في سرِّي أن تنأى بحالها عن سلك الرهبنة؛ "والإماتة" في قهر النفس وإذلالها، وتتربع عروساً محبوبة في قلب ابني، وتكون كنّتي وعوني في آخرتي. لكنّها دائماً أمنية المتنبي وخيبته مع الريح لا تفارقني، خاصة عندما يكون الشأن مرتبطاً بأهلي وأسرتي، ونصيبي من الدنيا.

كان ابني في عطلته الأسبوعية، وقلما يختار عطلته بنفسه، لكنها تأتي وفقاً لظروف العمل المستجد، فيبقى في الغالب تحت الطلب يستدعونه بالهاتف حينما تدعو إليه الحاجة. كنا في طريقنا إلى ريڤا، حينما استأذنني في الدخول إلى دار البلدية لبعض الشأن له فيها. والبلدية مبنى قديم وعريق، بديع الهندسة والتصميم لا يبعد عن البحيرة أكثر من عشرات الأمتار.

وجدتها فرصة مناسبة، ومناخاً مؤاتياً لأتمشى قليلاً في باحة واسعة تابعة للبلدية، يتناجى على مقاعدها ثنائيات متآلفة من صبايا وشباب، يحضن بعضهم بعضاً، أو يدخنون وينثرون فتاتَ الخبز لفراخ الإوز والدوري والشحارير. طيورٌ مؤنسة يعجُّ بها المكان، تشعر بالأمان وهي تجاور الناس، فلا تتردد في التقاط الفتات من بين أقدامهم آمنة مطمئنة البال، فلا تفارق ولو بالتهويل والإكراه.

تزدان الساحة ببعض التماثيل الحجرية، ومنها تمثال مميّز لملاكٍ أبيض بجناحين منشورين. ذكَّرَني بالأحياء المهملة الفقيرة حيثُ أقطن في ضاحية بيروت الجنوبية، فهناك استوقفني، يا سبحان الله، إعلانٌ "رومنسيٌ" على مدخل "بوتيك"، يبيعُ ثياباً للأطفال. يقول الإعلان: "ملبوسات الملاك الأبيض". واستغربتُ يومها: ألا يكون الله قد خلق ملائكة سوداء، حتى في الضاحية موطن "الغلابى" الفقراء. وتوسلتُ إليه لكي لا يغضب مني على حشريتي في سِرِّه وشؤون خلقِه، وأن يسامحني ويغفر ذنبي وفضولي.

تنتشر في أرجاء الساحة؛ مقاعد رخامية متقنة الصنعة، ومساكب معشوشبة "بالغازون" وأزهار في غير مواسمها. أشجار دلب عملاقة ترتفع تمجِّدُ ربَّها عالية نحو السماء، وساعة شمسية تعود في التاريخ إلى عصر غاليليو، استغرقتني معرفة قراءة الوقت فيها فترة ليست طويلة، والقراءة تحتمل الخطأ بدقائق لا تتعدى من الساعة ربعها.

في ركن من الساحة ينتصب بزاوية منفرجة، مدفعٌ بدائيُّ قصيرُ الأستون من مخلفاتِ الحرب العالمية الثانية. كتب على لوحة رخامية تحته ما لم أفهمه جيداً، لكنه يشير أن علاقة ما تربطه بما بدا لي "أستراليا"، فقد وردت في العبارة المكتوبة؛ كلمة Austria؛ شغلتني المفارقة، فما علاقة المدفع بأستراليا؟ وما الذي أتى بالأستراليين ومدافعهم إلى هذه البلاد؟ وأنا لا أفقه في التاريخ شيئاً ولا الجغرافيا، ولا في معرفة علم اللغات.

عاد ابني لنستأنفَ رحلتنا إلى ريڤا، ووجدني أنتظره في باحة البلدية، فأبديت له عن دهشتي بالأستراليين يحملون مدافعهم إلى هنا. تبسم وأجابني أن الرئيس الأميركي، جورج بوش، نفسه التبس عليه أمرٌ مماثل أمام الملأ، "فـ "أوستريا" Austria ليست "أوستراليا" كما تراءى إلي بل هي "النمسا". وما دام جورج بوش التبست عليه معرفة مماثلة، فلا ضير عليّ، ولا ينبغي أن أشعر بالخزي والخجل من خيبتي وغبائي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3156002

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC