فتحي العكرمي - تونس

الرّحيل إلى تخوم الجنون

فتحي العكرميبعينين تجمّعان الحزن وبوجنتين خطّ عليهما الزّمان وشم الصّبر كانت تخفي تفاصيل فجيعتها، تتدثّر بألم حفر جروحا في روحها وتلفّ جسدها بثياب قديمة مرقّعة، قدماها حافيتان وعلى كتفيها ينساب شَعر رماديّ مجعّد.

تقضّي وقتها على تخوم الحياة غارقة في الصّمت ترجّها الوحدة. هي الحزينة وسط اليتامى والشّريدة على حافّة كل القبائل، تسير مسرعة كأنّها مُطاردة تمتدّ خطواتها تبحث عن مكان يقيها من غربة تلاحقها.

نشأت في عائلة فقيرة وزوّجوها من شيخ قبل أن تُكمل فرحها الطفوليّ، يوقظها باكرا فتقضّي يومها تلبّي طلباته المتناقضة، لم تعرف كيف حوّلوها من مرح بريء إلى خادمة لسيّد قتل فيها ما تبقّى لها من سعادة.

ذات تمرّد، جفّ ماء صبرها فصوّبت تبحث عن مكان يقيها من عبوديّة جعلت جسدها إناء رغبة، وحوّلت روحها إلى هشيم، سارت إلى جبل على تخوم القرية ونامت لترتاح من أيّام لم تعرف فيها طعم الحياة، تسامر رفضها لواقع لم تلمح فيه سوى فُتات بقاء كان ينثرها زوجها ليبقيها صالحة لنزواته.

كرهت تسلّطه ورأت كيف تحيا القبيلة دون معنى. يغرق أهلها في ثرثرة يوميّة جاهلين لوجودهم وعاجزين عن تغيير الرّتابة التي يغوصون فيها.

حين تشتدّ عزلتها يأتي نواحها مفاجئا مثل مطر على حافّة غيمة شريدة، فتذهب إلى القرية تحمل معها عصا ترافقها أينما حلّت. وجدت رجالا جالسين تحت حائط، تفرّسوا في هيئتها ضاحكين. دنت منهم ورفعت عصاها قائلة:

"سيروا في الأرض وباشروا فعلا تتركون به أثرا، وتحرّروا من حياة القطيع".

لم يفهموا منطوق كلامها، علّق أحدهم: "خذوا الحِكم من المجانين، وتعلّموا من المشرّدين".

تبعها الأطفال مصفّقين. وجدت نسوة يغزلن الصّوف أمام كوخ، نظرن إليها مندهشات، خطّت على التّراب دائرة بالعصا قائلة: "أنتنّ سجينات من المهد إلى اللّحد، يحملوكنّ إلى أزواجكنّ صاغرات، وتعشن حقيرات وتمتن غريبات".

تعالى صياح النّسوة وهنّ يرمُقنها بنظرات التعجّب، قالت عجوز: "هذه المجنونة تريد أن تصبح رجلا بعد أن عجزت عن تحمّل أنوثتها".

نظرت إليهنّ ضاحكة: قدَركنّ أن تعشن كآلات للإنجاب ووسائل للرّغبة وسجينات الجسد والرّوح.

أعادت رسم دائرة في الهواء، ثمّ دفعت جسدها نحو الجبل، تتّكئ على رفضها لواقع غارق في الخضوع.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3111273

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC