أشواق مليباري - السعودية

عاشقة

وقف خلف سيارة النقل. ناوله زميله العامل صندوقاً حمله على كتفه. سند الصندوق بيده، ودخل إلى فناء البيت عبر بوابة مزخرفة بالحديد المشغول. صبي صغير مشى أمامه، يشير إلى غرفة في الفناء قائلاً: "هنا يا عم".

ابتسم للصبي وأنزل الصندوق برفق، وعاد إلى السيارة ليحمل آخر.

الشمس في كبد السماء، تصلي الأرض ناراً، وترفع حرارة الجو إلى "العظمى" في هذه البلاد التي تختزن صحاريها الذهب الأسود، لكنها لا تعرف الغيمة الرحيمة. مذ جاءها وهو يشعر أنه في نهاية الكوكب. تحول من مهندس في بلاده إلى حمال هنا؛ من سترة أنيقة إلى قميص وسروال. خضرة عينيه، وبشرته البيضاء تراجعتا إلى البني بفعل الشمس. حتى اسمه أصبح الحمّال.

أنزل الصندوق الأخير، والتفت إلى الصبي ليطلب شربة ماء فلم يجده. بحث عنه واستدار حول الدار فجذبه صوت أنيس. اقترب كالمسحور ليظهر له عريش من شجيرات الياسمين والورد، وتحته شبح أسود يجلس بين الشجيرات. زاغ بصره بفعل لهيب الشمس عند الظهيرة. وقف ينظر إلى ذلك السواد داخل العريش.

حينما عادت عذوبة الصوت الأنثوي الجميل، خفق قلبه فجأة، وجمدت أطرافه عندما التفتت إليه: فتاة بوجه قمري، تجلس بين شجيرات الورد ويجلس شعرها معها، ينسدل على كتفيها كشلال من نور. فوجئت به خلفها. وقفت ونظرت إليه بهلع، ثم ألقت ما في يدها من ورود وركضت إلى باب الدار.

تلعثم لحظه. "أنا آسف. لا تهربي. لا تذهبي. علياء انتظري".

علياء هناك في بلدك، خلف ضباب الجبل، في الجانب الآخر من الكوكب، بين مزارع الورد، على مصاطبه الخضراء، تقف بثوبها الأزرق الطويل، تحمل سلتها، تنظر إليك بحسرة وألم وأنت تطرق برأسك إلى الأرض، تهرب من عينيها النجلاوين، وتخبرها برحيلك.

حينما أسقطت سلتها، وتناثر وردها عند قدميك، انحنيت لجمعه، فاختنقت بعبرتها. ارتعشت شفتاها، وتسارعت أنفاسها. وحين رفعت بصرك إليها، أشاحت بوجهها وهمّت بالابتعاد عنك فصرخت في حرقة وألم: "علياء، انتظري"

توقفت ترهف السمع، وقد ذابت النفس بين الضلوع وأنفض عقد الدموع.

"علياء انتظري. لا حيلة لي بعد أن ضاقت السبل، وأوصدت الأبواب".

ردت وهي تضرب بحرقة على صدرها البض: "سترحل كما رحل الآخرون".

"لكنني سأعود، سأعود مرفوع الجبين، عالي الرأس، أتقدم لخطبتك حاملا إليك ما يليق بفاتنة الجبل".

"توقف أرجوك. أنت تعيد على مسمعي ما قاله كل من رحل عن هذه القرية".

"علياء سأسافر من أجلك وسأعود، فهل ستنتظرين العاشق الغائب؟"

أخفت وجهها بكفيها، أجهشت بالبكاء، وركضت بعيدا؛ ركضت بعيدا وأنت تناديها، وصدى صوتك تردده الجبال بسخرية: "علياء انتظري".

هل جننت حقا؟ مناماتك أصبحت ملكا لفتاة. تركض خلفها وتلهث ثم تستفيق وأنت تتصبب عرقا صارخا: "علياء انتظري".

ألا زالت سواقي الذكريات تروي فؤادك بحبها؟ لم تنسها رغم جدب مشاعرك وسط صحاري الغربة والبعد. كنت ستوقع نفسك في المهالك، أنت هنا حمّال بلا اسم، ساكن بلا عنوان، عاشق بلا أمل. تتوسد السهد ليلا، وتأكل رغيف الحرمان نهارا. وكيف ستعرف إن كانت علياء انتظرت العاشق الغائب، أم زفّت لرجل آخر؟

هزّه صديقه من كتفه، فانتبه من غفلته. أشار إليه أنه انتهى من عمله وحان وقت المغادرة. مشى خلفه وقد ناء صدره بفؤادٍ جريح أدماه الشوق، ونفس كسيرة بعثرها اليأس.

فجأة سمع صوتا خلفه يناديه. التفت فإذا الصبي يمد له كأساً من الماء البارد ويقول مبتسماً: "تفضل يا عم".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC