راضية عشي - الجزائر

يومياتْ مُبتَدئة في النِسيانْ

راضية عشيهيَ بدايةُ يوميات تُشبه غَيرها كثيراً، وتحاولُ أن تكونَ مميزَة قليلاً، ليسَ لشيءٍ إنما فقط أحاولُ أن أجعلها تُشبهني.

قرأتُ مؤخراً كتاباً للروائي واسيني الأعرج وأذكُر نصه: "نحنُ لا ننسى عندما نريد، لكننا ننسى عندما نشتهي الذاكرة والذاكرة عندما تُشرع نوافذها للتخلص من ثِقل الجراحاتِ لا تستأذنُ أحداً."

أخذتُ بعدها ورقة بيضاء وغطستها في سائل الحِبر الأسود، أريد أن أنسى وأريد أن أجعل الأمر مُميزاً جداً لأتذكَره لاحقاً. لا أبأس، أخذتُ ورقتي السوداءْ، حبراً أبيضاً وريشةً، يبدوُ أنني أحاول العودة إلى زمن الرسائل الورقية، ربما أفلح في محو ما خلَّفته بعضُ الرسائل الطائشة التي لقنني إياها القدر.

كَتبتُ في السَطر الأول والثاني والثالث كلمة واحدةً؛ الذاكرة. وكتبتُ في الذاكرة نَصاً بعنوانْ: ثمَّ ماذا؟ سأغير عنوانَ الذاكرة، سأمسحُ تفاصيلَ كل من مرَ بها، سأفتح نوافذ الجراح أمامَ هذه الورقة السوداء، سأستسلم للألم لحظاتٍ ثم أستريحْ حتى النهاية.

أحاولُ كَسر تلكَ المواقف الهَشة التي مررتُ بها، لأبوحُ بكل ما ينتابني من وخوفٍ وذهولٍ، أفرغُ الانتظار في وَحل غيابهم. لم أعدْ أريد البقاء معلقة بين الأرض والسماء، بينَ واقعي وحلمك، اِخترتُني هذه المرة ولم أخطئْ، قررت أخيراً أن أحرقَ جميع الصُور عداَ التي كنتُ فيها وَحيدة، ما نفع الصداقة، وما فائدة الحُب إن أصبحت مجرد صُور تثقل صُندوق الأرشيف؟

أرغَب بالرقصِ طويلاً، والغناءِ بصوتٍ عالٍ، ليسَ لأحسَ بروعة الفجيعة، وليسَ فخراً بصوتي الناعم أو جسمي المُتمايل، إنما لتهتَز الذاكرة فتَسقُط بسهولة، أغني لأطربَ الوَجع بمقطوعَة نرجسية كليلة مضيئة دونَ قمرْ. أليست نظرية مربكَةً؟ لم أرقُص ولم أغن ولم أتفرجْ على نفسي في المرآة، أخاف أن أبدو حمقاء فأقضي على كل ما بينته في يَومي.

أخذتُ منديلاً من درجِي وبدأتُ أحكُ عيوني كي أسقط دمعاً، فبعض الدموعِ تمسحُ الفراق من عيوننا ودموعٌ أخرى تَمسحُ الذاكرة، وهذا كُل ما أريده الآن.

مرة أخرى أعودُ إلى ورقتي، وأقترب أكثر إليها، تذكرت نصاً خالداً أسميته إهداء، أردت منذ فترةٍ كتابته، سأشرع فيه الآن:

"إلى آخر آخرِ دَمعة في عيني: لن أبكي. إلى الضياعِ الذي يَسكنُني: أنتَ لا تُشبهُني. إلى الأشياء الجَميلة جداً، البعيدة أبداً، القريبة أحياناً: أنا حقاً بحاجة إليكِ، ظلِي هنا واحتفلي، أريد أن أراكِ وإن لم أحظ بكِ. إلى كلِ ضحكَةٍ عَلتْ ثغري ولم أنتبه: أنا أعشقُكِ. لمحطات الانتظارِ التي لا تسير فيها غير قطارات الوداع: اعذريني سأقولُ تباً لك. إهداءٌ آخر لكلُ قلبٍ تمزق، ورغم الوجع ظل يحتفظ بشموخه، لكلِ حرفٍ ذُرفَ قهراً أو مكابرةً، لكلِ طيرٍ مغردٍ كَأجنحة روحي وجَد في البَراحِ مسكنه، للخيالِ الذي يَسكنني، للحلمِ الذي يَغمرني؛ أخبركُم جهراً علناً أو وشوشة، أنا لا أهذي فقط؛ أريد أن أتنفسْ، ولتتنفسوا معي إن أعجبكم إهدائي. كل ما قلته لكمْ وإليكم، وأشياءُ في الداخل تسكنكم. هذه الورقة السوداء فرصتكُم، أكتبوا ما يحلو لكم، كل ما تريدونَ نسيانه للأبدِ."

لففتُ الورقة ووضعتها بزجاجة عطرٍ شفافة، ثم انتظرت الغَد لألقيها بالبحر، علها يوماً تصطدم بحلمي المُتمرد فيكتُب فيها كل ما يَستحق أن يمسحَ من الذاكرة. انطَلقتُ أفتحُ البابَ عريضاً، وواسعاً لأستقبل الغدَ الأفضل. ابتَسمتُ بثقةٍ لأنني أعلمُ أنني أملِك أشياء أجملَ من الانتظار، وأنقى من الغياب. وأخذتُ أردد بصوت عالٍ جداً بلغ صداه قلبي المدفون في الزاوية: "لنْ يخيفني الغمام العابر، أنا فتاة الواقع الرزينة".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3178942

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC