سامية الأطرش - بريطانيا

نعمة الحياة

سامية الأطرشاليوم: الثلاثاء، 1 يناير/كانون الثاني 2013. الساعة: دقيقة واحدة بعد الثانية عشرة منتصف ليل الاثنين: 31 ديسمبر/كانون الأول 2012. رحل عام وقدم آخر. الاحتفالات جارية على قدم وساق في بقاع العالم أجمع رغم ما مر عليه من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية ومآس وصعوبات وحروب وانتفاضات، خصوصا في عالمنا العربي الذي لم يعرف الاستقرار حتى الآن.

ركزت بإمعان على ما يقدمه التلفزيون البريطاني. متعت أنظارها بما تشاهده من الألعاب النارية والألوان البراقة والأشكال الهندسية التي لا توصف وهي تزين سماء لندن لتضيف إلى جمالها سحرا لا مثيل له احتفالا بالعام الجديد. تمتمت: الحياة حلوة حقا. اليوم ممطر والسماء ملبدة بالغيوم في يوم شتاء بارد قارص، لكن الفرح ظهر على وجوه المحتفلين بقدوم العام الجديد، وبث دفئا للترحيب به.

أحست بالسعادة. كانت فرحة وهي تقضي دقائق لا تعوض، تنعم مع عائلتها الصغيرة بدفء، بل بنعمة هذه الحياة. بدا الامتنان واضحا على محياها وقالت: "شكرا لله، ما أحلى أن نعيش هذه الأيام! لماذا لا يكون أي شيء سهل المنال؟ لماذا لا يكون مثل الخبز والخمر؟ مثل الماء في النهر؟ مثل الغيم والمطر والعشب الأخضر والزهر؟ لماذا لا يكون مثل أشعة الفجر يغمر نوره البشر؟ أليس الحب للناس كل الناس والأمل في تحقيق أحلامنا أمنية في هذه الحياة؟
نهضت من مكانها وهنأت أفراد عائلتها: كل عام وأنتم بخير. ودعت أن يحقق الله الأماني وأن يعم السلام العالم أجمع.

رفعت هاتفها الجوال وكتبت رسالة قصيرة بعثتها إلى إنسان عزيز على قلبها لتهنئه بالعام الجديد: الطبيب الجراح شريف عوض، الذي كان له أكبر الأثر، بعد الله عز وجل، في أن تعيش هذه الأيام وأن تنعم بحياة كانت بعيدة المنال في العام المنصرم.

جلست على أريكة خضراء. شردت بها الأفكار، وأعادتها الذكريات إلى الشهور الأخيرة من العام الماضي. تذكرت يوم 12/12/2012 ونبوءة المايا، سكان المكسيك القدامى، بانتهاء العالم في هذا التاريخ. ولكن اليوم كان يوما عاديا آخر.

ذهبت إلى الغرفة المطلة على حديقة منزلها. نظرت إليها متأملة سكون الليل من خلال النافذة الكبيرة مركزة على شجرة الكستناء التي أهداها إياها صديق العائلة الوفي عدلي الهواري قبل سبع سنوات.

رشفت قليلا من الشراب، وتذكرت يوم الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2012، يوم دخولها إلى المستشفى، وتذكرت تاريخا آخر قبل عامين، السادس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2010، يوم قررت أن تقضي على متاعب سنين طويلة، واستسلمت لمبضع الجراح الكبير أحمد أحمد.

تذكرت اهتمامها بمعظم المجلات النسائية التي تخصص حيزا كبيرا من صفحاتها بداية كل سنة لأنظمة غذائية مختلفة تعتمد على التركيبة الكيميائية لأغذية معينة، أو على حساب الوحدات الحرارية، أو الوجبات الغذائية الجاهزة المحدودة في سعراتها، أو التمارين الرياضية التي تساعد على تنحيف الخصر والأوراك.

كان اهتمامها مخصصا على ما يركزه المصممون المشهورون في تصاميمهم التي تعرض من خلال أجسام عارضات تحلم المرأة بأجسام مثلها.

في عام 2010، اتخذت القرار الحاسم بإنقاص وزنها اللعين، محاولة الشفاء من أمراض كثيرة تصاحب السمنة مثل ارتفاع ضغط الدم وضيق التنفس والربو وانسداد شرايين القلب والسكري والكولسترول والتهاب المفاصل والاكتئاب مرض هذا العصر.

يوم عملها في الإعلام، كانت تهتم بقطاعات الموضة والتجميل وتتابعها من خلال عروض أزياء لندن وباريس وميلانو ونيويورك، وكانت تكتب عن ذلك في مجلات عديدة، وتجري مقابلات مع المصممين وخبراء التغذية والأطباء المتخصصين.

رحلة طويلة شاقة مرت أمام عينيها كشريط سينمائي لتذكرها بعنادها الذي لا تملك دفاعا منطقيا عنه. لحظة حاسمة أنهت بها رحلة غير مثمرة عندما عادت

الساعة السابعة صباحا، في السادس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2010، نادى الطبيب الجراح شريف حقي اسمها ورحب بها:

"صباح الخير".

"صباح النور".

وبعد أسئلة طبية عديدة وأجوبة قال: "بعد إجراء العملية الجراحية اليوم، سيتغير كل شيء. ستفقدين الوزن رطلا بعد آخر من غير متاعب، وستتمتعين بصحة أفضل إن شاء الله".

شكرته وقالت: " أتمنى ذلك".

نقلت إلى طابق آخر حيث غرفة العمليات. حيث استقبلها بابتسامة دكتور التخدير الرائع جوناثان كازين قائلا:

"صباح الخير سامية".

"صباح الخير جون".

الساعة تشير إلى دقائق معدودات قبل الثامنة؛ استرخت على سرير العمليات. غرز الطبيب جون إبرة في يدها اليسرى، وتمتم: "ستنام في الثامنة وستفيق في تمام الثانية ظهرا". نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط. أمامها دقيقتان اثنتان قبل الثامنة صباحا.

بدأ المخدر يأخذ مفعوله. شعرت بهدوء غير عادي لم تحس به من قبل، وأغمضت عينيها واستلمت إلى نوم عميق.

أخذ مقص الجراح طريقه إلى معدتها وثبت فيها جهازا يستطيع الطبيب بعد ذلك أن يوسع أو يضيق فوهة المعدة لتحديد كمية الشراب والغذاء مستقبلا، ولتبدأ يوما جديدا من حياتها، بعد صراع طويل مع النظم الغذائية سعيا إلى صحة أفضل.

سمعت صوتا يقول: "أفيقي، لقد تمت العملية بنجاح".

حمدت الله، واستسلمت للنوم ثانية. لكن الصوت ألح قائلا: "لا تنامي، ستنقلين إلى الغرفة المخصصة لك في الطابق الأول".

نظرت إلى الساعة المعلقة أمامها: كانت الثانية ظهرا تماما. منذ تلك اللحظة حلمت بجسم رشيق.

اتبعت بعد العملية نظاما غذائيا جديدا، وجربت حرمانا من نوع آخر لا حول ولا قوة لها فيه. اتبعت نظام شرب السوائل والأكل المعد بالخلاط. لم تكن تستطيع أن تأكل أو تشرب إلا القليل بالرغم من شعورها بالجوع المرير. لم تأبه بكل ذلك كانت تحلم فقط بجسم رشيق.

بدأت تشعر بنشوة لا توصف عندما تفقد رطلا بعد آخر. فقدت خمسة عشر بالمئة من وزنها. كان هذا غير كاف في نظرها. استمرت جاهدة في تحقيق حلمها. كلما ذهبت إلى طبيبها طلبت منه تضييق فوهة معدتها حتى قيل لها أخيرا: هذا هو الحد الأقصى المسموح به طبيا.

اعتمدت بعد ذلك على حبوب الفيتامينات لتعطيها القوة في الحياة. وكلما فقدت كيلوغراما شعرت بتدهور صحتها. لكنها لم تهتم بذلك مطلقا حتى وصل وزنها إلى أربعة وخمسين كيلوغراما بعد أقل من ثلاث سنوات من إجراء العملية الجراحية.

للوهلة الأولى بدت لها هذه النتيجة والنتيجة رائعة. كان مظهرها جميلا وأنيقا. شعرت بالفرح يملأ قلبها.

طلب منها الطبيب المختص أن تكف عن اتباع نظام غذائها الصارم لكنها أبت، ولم تأبه بأي نصيحة قدمت لها، بالرغم من خسارة وجهها لنضارته وعينيها لبريقهما.

بدأت تصارع الحياة مرة أخرى، ورفضت اتباع أسلوب وسطي في تنفيذ أمورها. بدأ القلق يسيطر على أفراد عائلتها. كانت تقول: لما هذا التشاؤم؟ وصلت إلى وزن تحلم به أي امرأة. ذكرتهم بما قاله البروفيسور فوربز لطلابه من مستشفى يو سي ال (UCL) في لندن: "نضع اسمها في كتاب غينيس لما حققته من إنجاز".

سيطر الخوف عليها عندما شعرت بضربات غير طبيعية في قلبها. نظر إليها زوجها. لم يصدق ما يرى أمامه. قال لها:

"أرجو أن تنظري إلى المرآه. ستدركين أنك وصلت إلى مرحلة لا يمكن السكوت عنها مطلقا. أين جمالك ونضارة وجهك؟ ماذا حل بك؟ لماذا لا تفكري بنا وبنفسك؟"

تعمدت ألا تصدقه، وقالت: "إن أصحاب الإرادة الحديدية يعرفون اختيار الأحلام التي لا بد من إنجازها مهما كانت صعبة المنال. لقد قهرت الزمن والنظرية التي تقول إنني سوف أفقد خمسة عشر بالمئة من وزني؛ وصلت إلى الوزن الذي احلم به؛ أنا سعيدة أن أعيش على الماء والهواء".

تركت زوجها قبل أن يفقد صوابه وذهبت إلى غرفتها. نظرت إلى المرآة. بدا الإعياء والشحوب واضحين على وجهها. ومن غير مقدمات امتدت يدها إلى علبة المكياج لتضيف بعض الألوان على وجهها كي تشعر بأنها مازالت جميله.

ارتمت على سريرها. أرادت أن تغمض عينيها؛ لم تستطع. بدأ القلب ينذرها بضرباته السريعة والمتقطعة. امتدت يدها إلى علبة الدواء. أخذت حبتين لتسكين الألم. كان التنفس صعبا. حاولت الوقوف لكنها هوت على الأرض. تمالكت نفسها واتصلت برقم في مستشفى سانت ميري وسط لندن. ردت عليها رسالة صوتية.

اتصلت برقم الحالات المستعجلة. الرسالة الصوتية اللعينة ثانية. تركت اسمها ورقم هاتفها للرد عليها. وارتمت على سريرها مرة أخرى. انتظرت بفارغ الصبر. وبعد دقائق معدودات اتصلت بها سارة الن من وحدة معالجة السمنة وعمليات إنقاص الوزن.

"سامية، كيف حالك؟"

"ليس على ما يرام؛ اشعر بوهن وضعف شديدين، وضربات قلبي غير طبيعية. أما الآلام في أحشائي فحدثي ولا حرج. لم اعد أستطيع الشرب والأكل منذ الثالث من شهر مارس الماضي. الفحوصات التي أجريت لي تؤكد أنني بصحة جيدة. أما حالتي فتثبت عكس ذلك تماما".

قالت لها سارة: "الساعة الآن تقترب من الخامسة مساء. ما رأيك أن تكوني في المستشفى عند منتصف النهار غدا؟"

"وهو كذلك".

"ولكن إذا أحسست بأي شيء غير طبيعي عليك الحضور إلى قسم الحالات المستعجلة".

"سأفعل ذلك".

دخل زوجها الغرفة وسألها: "هل لي أن آخذك إلى المستشفى؟"

ردت عليه قائلة: "الموعد غدا".

طلبت منه مسكنات للألم. احضرها مع كأس من عصير طازج. شكرته وحاولت أن تنام، ولكن هيهات تقدر. لم تترك سريرها حتى صبيحة اليوم التالي، الجمعة.

استجمعت قواها لتذهب إلى موعدها. نظر إليها رفيق حياتها وقال: "على فين العزم إن شاء الله؟"

"إلى المستشفى".

"انتظري، سنذهب معا".

"سأذهب لوحدي في المواصلات العامة".

"الكلمة كلمتي اليوم. ليس لديك القوة لتحمل مشاق السفر إلى وسط المدينة".

وافقت على ما قال بعد إحساسها بفقدان توازنها وعدم قدرتها على الوقوف.

استقلت السيارة مع زوجها. وعلى الطريق، رن هاتفها. كانت صديقتها لميس تدعوها لحضور محاضرة عن سيد درويش يقيمها الملتقى الثقافي المصري العربي البريطاني. أجابت:

"سأكون سعيدة بذلك. لقد كان لأغانيه النصيب الأوفر في برامج أعددتها وقدمتها للقسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية. أنا ذاهبة الآن إلى موعد طبي. سأعاود الاتصال بك بعد انتهائه. سوف آتي إليك ونذهب معا".

نظر إليها زوجها نظرة ثاقبة فاحصة ليذكرها بما تمر به.

"ستذهبين لحضور محاضرة عن سيد درويش وأنت في حالة يرثى لها؟ أفيقي بالله عليك".

ردت بكبرياء: "اشعر بالضعف لأنني لم أتناول طعاما منذ فترة. سحب القليل من السائل حول عنق المعدة سيحل المشكلة بإذن الله".

أسندت رأسها وهي تدرك أنها عنيدة لا ترضى بحلول وسط. تعرف جيدا أن ما تمر به غير طبيعي لكنها لا ترغب حتى الإفصاح عنه.

اقتربت من الباب الرئيسي لمستشفى سانت ميري. حاول زوجها جاهدا أن يحصل على مكان مناسب لركن السيارة، لم يوفق. قالت انتظر كي لا تسحب السيارة أو تأخذ غرامة من شرطة المرور وما أكثرهم في شوارع لندن!

ذهبت وحدها. بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها وهي تدخل المستشفى. كان اسمها مدونا في قسم الاستعلامات. جلست تنتظر الممرضة سارة الن، وإذا هي أمامها والدهشة ارتسمت على محياها.

"أهلا بك. لم أعرفك. ماذا حل بك؟ عيناك فقدتا بريقهما".

لم تستطع الوقوف. ساعدتها سارة على الذهاب إلى غرفة الكشف، وتذكرت صراحتها فلا مجال للف والدوران في كلام الإنكليز.

استجمعت قواها وقالت: "جئت لسحب مليمترات، ثلاثة أو أربعة، من السائل في الجهاز المركب في معدتي كي أستطيع أن آكل واشرب، فأنا على هذه الحالة منذ فترة طويلة كما تعلمين".

أحضرت المعدات الطبية. ترددت سارة قبل أن تبدأ بسحب السائل وناولتها كأسا من الماء، واتصلت بالطبيب المناوب وقالت:

"دكتور شريف أرجو أن تأتي حالا. معي مريضة في حالة مستعجلة".

شريف عوضثم التفتت إليها وقالت: "إنه الطبيب الجراح، الدكتور شريف عوض، من أصل مصري ويتمتع بأخلاق عالية".

وقبل أن تكمل سارة ما ترغب في الإفصاح عنه أكثر، ظهر أمامها شاب مبتسم جميل المحيا كله حيوية ونشاط، يتكلم الإنكليزية بلهجة اسكتلندية. قال:

"أسعدت مساء. أرجو أن تكوني بخير".

أدار وجهه إلى سارة مستفسرا، ثم نظر إليها وقال:

"لا تشربي الماء. هل أكلت اليوم شيئا؟"

ردت بالنفي.

"علينا أن ندخلك المستشفى لإجراء فحوص طبيه من دم وأشعة تصويرية ومقطعية. وقبل كل هذا وذاك، سحب كل السائل من الجهاز المركب في المعدة".

لم تصدق ما تسمعه وقالت: "أنا لأرغب في هذا مطلقا. لا أريد أن أعاود الأكل مرة أخرى".

رد عليها بصراحة: أيهما تفضلين الحياة أم الموت؟"

أقلقها إصراره ولم تصدقه.

قال الدكتور شريف للممرضة سارة: "أرجو إحضار كرسي متحرك. الوقت ليس في صالحنا".

تساءلت: لماذا كل ذلك؟ وهن وضعف وشعور بألم يستدعي كل هذا؟

بدأ إحساسها يتغير، وبدت متأكدة أن العقد انكسر وانفرطت خرزات الحياة.

قررت أن تذهب لتخبر زوجها أنها ستبقى في المستشفى".

"كنت متوقعا ذلك منذ زمن".

"هل لك أن تتصل بلميس لتخبرها بذلك؟"

"لا تقلقي، سأفعل ذلك".

ودعته على أمل لقاء.

ظهرت سارة فجأة وقالت: "سامية، عليك أن تأتي حالا. ليس لدينا الوقت الكافي".

ودعت رفيق حياتها، وبكى قلبها دموعا يكفي لملء جدول. لم تنطق، وواجهت الموقف بصلابة متسائلة هل يا ترى ستعود للبيت الذي جمعهما ثانية أم أن هذا هو آخر المطاف؟

لم ترض أن تجلس على الكرسي المتحرك. أبت نفسها أن تفعل ذلك. مرة أخرى ظهر أمامها الدكتور شريف عوض. تكلم معها بالعربية حدقت في وجهه الطيب السمح. التفتت قليلا. خيل لها انه كان يرقبها باهتمام. قال لها: "لا تقلقي كل شيء سيكون على ما يرام بإذن الله"

"شكرا لاهتمامك".

"هذا هو واجبي. المهم أن تذهبي لإجراء فحص الدم بعدها ستنقلين إلى الدور الأول. وقد طلبت إجراء أشعة تصويرية ومقطعية مختلفة.

"شكرا جزيلا".

"إلى اللقاء".

أجرت فحوصا مختلفة للدم ثم صعدت إلى الدور الأول. استقبلتها احدى الممرضات وقالت: "أهلا بك. أي غرفة تفضلين: 9 أم 10؟

"أفضل غرفة رقم 9".

"لماذا؟"

"لأنني أتفاءل بهذا الرقم. إنه يوم ميلاد ابني البكر أيمن".

"لك ما تريدن".

دخلت الغرفة ورمت حقيبتها على الطاولة وجلست على الكرسي الأسود، ونظرت إلى البحيرة الجميلة من خلال النافذة الكبيرة. رأت الناس تسير والسماء صافية جميلة والشمس تنير سماء لندن في يوم شتاء قارص.

بدأ الخيال يتسلل إلى ذاكرتها من وراء الزجاج وتذكرت صور الأحباب في خجل، وفي داخلها كلام بل أشعار وروايات لا حصر لها. أغمضت عينيها وحاولت أن تمسك أول خيط للنوم. لم تستطع. حاولت عبثا لكن دون جدوى. أيقنت أنها وصلت إلى طريق مسدود.

شعرت بالقشعريرة تدب في جسدها، وتجمد الدم في عروقها. لم تصدق ما يجري امتد يدها إلى كتاب الله أمامها. ضمته بقوة إلى صدرها وفرغت كل ما في قلبها من صلاة وتضرعات. سكنت قليلا.

سمعت صوتا يقول، أو هكذا خيل لها: "لا تخافي كوني مؤمنة سيعاودك الشفاء".

شعرت بالراحة بعدها متفائلة ومتوقعة كل شيء جميل، متشبثة برحمة الخالق.

قضت معظم اليوم بإجراء فحوصات طبية مختلفة من دم وأشعة تصويرية ومقطعية. بدت الساعات طويلة. خارت قواها وأصبحت الحالة حرجة.

في المساء حضر الطبيب الجراح مورثي ليخبرها بالنتائج والتي تستدعي إجراء عملية جراحية ضرورية غداـ لأن الجهاز المركب حول عنق المعدة قد انكسر، واخترق الغشاء، مما سبب التهابات شديدة.

بدأت مسكنات الألم والمضادات الحيوية تأخذ طريقا إلى جسدها. تمالكت نفسها. كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحا. أدركت أنها في الطريق إلى نفق مظلم، تراءى لها أن هناك ضوءا في النهاية. مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت منها كتاب مذكراتها الصغيرة كتبت تقول:

إلى زوجي الحبيب أشرف

ابني الغالي أيمن

ابنتي الغالية دينا

هناك أشياء بسيطة في الحياة قد تجلب أحيانا السعادة الحقيقية للإنسان، مثل أن يصلح شيئا ما بيده، أو يشعل نارا من حطب لينير المكان الذي فيه ويحس بالدفء، أو أن يكتب مقالا يثير به تفكير بعض الناس، أو حتى المتعة التي يحصل عليها عندما يتناول سندويشا بسيطا. ولكن لو سألتموني عن متعتي في حياتي أقول من غير تردد هو أن أكون معكم دائما، وهكذا سأكون حتى لو رحلت بعيدا؛ أمني النفس اليوم أن أعود إليكم ثانية لأنعم برؤيتكم وافرح بنجاحاتكم، وأن أرى أحفادي من خلالكم، وأن أهنئكم بعيد ميلادكم كل عام.

لو كتب علي الرحيل غدا لا تحزنوا. سأكون معكم إن شئتم أم أبيتم، وسأدعو الله دائما أن يهبكم الثقة بالنفس والحكمة في التعامل مع الآخرين، وأن يبدد مخاوفكم، ويفك أحزانكم، وأن يمنحكم نعمة التسامح، وأن تكونوا في عون المحتاجين كي يبارك الله فيكم ويمن عليكم بالصحة والسعادة. توجهوا إليه دائما، فهو النور الحقيقي في هذه الحياة. كل عام وأنتم بخير.

اجتمع عمالقة الطب ورواد الجراحة معا صبيحة الاثنين، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، وكان القرار إجراء عملية جراحية من اجل إضفاء عمر لإنسان قد حان وقت رحيله. لقد فتنت دائما بالأدب والشعر والرسم والفن، أما اليوم فقد فتنت بعبقرية الإنسان، وبعلم وتواضع وتفاني هؤلاء الأطباء. إنهم حقا بشر ليسوا ككل البشر.

دخل الغرفة الجراح أحمد أحمد وسألها: "لماذا لم تتصلي وتخبريني بما جرى؟"

ابتسمت وشكرته على له مجيئه. قال لها "أنا سأجري العملية لك اليوم". وشرح لها حالتها بالتفصيل، ونسبة نجاحها. أطباء من مختلف الأصول يحققون إنجازات مثيرة للإعجاب.

عاد بها الزمن إلى أكثر من ثلاثين عاما، وتذكرت حياتها في أرض الرافدين. مهما كان الإنسان كفؤا وماهرا في بلادنا العربية، بدون حرية يصبح كسيارة بدون محرك. أما الذي يعيش في بلد يؤمن بالتكافؤ والخير والجمال فيستطيع الفعل والتأثير بإيجابية، ويقدم الخدمات الجليلة للعلم والإنسانية. هؤلاء هم الذين يستحقون الشكر والتقدير بالتأكيد.

دخلت غرفة العمليات ثانية، وأجري لها اللازم لبدء العملية الجراحية. كان يوم عيد ميلادها. كبرت عاما. تذكرت قول ابنتها دينا: "إن عمر الإنسان في تنازل مستمر منذ لحظة ميلاده، فلما الاحتفال بانتهاء عام منه؟"

توجهت إلى باريها تطلب منه السماح والمغفرة قبل أن تبدأ رحلة غامضه من أجل حياة. كانت العملية غير مطمئنة واستغرقت وقتا طويلا، عمل الجراحون المستحيل خلاله من أجل بقائها على قيد الحياة.

بعد العملية، خيل لها أنها تسمع أصواتا وتشاهد صورا وتكلم زوجها وابنها وابنتها. ولكن أليس زوجها في رحلة عمل؟ نظرت إلى من في الغرفة، لم تدرك ماذا يدور حولها، ثم استسلمت إلى نوم عميق، لم تصح منه حتى صبيحة اليوم التالي.

حضر الطبيب الجراح سانجي بوركايئسثا، وسمعته يناقش الأطباء عن حالتها مفصحا عن ضرورة إجراء عملية جراحية أكبر إذا لم تستجب للمضاد الحيوي الجديد، وأكد أن لديه ست ساعات فقط لتقرير ذلك.

لم تستطع الحركة أو الحديث. كانت الحالة حرجة للغاية. وقبل الاستسلام إلى النوم ثانية، وقبل أن تنقل إلى غرفة العناية المركزة، حضر الجراح أحمد أحمد وقال: "أريد موافقتك. قد نضطر لإجراء عملية فتح بطن لو لم يستجب جسمك للمضاد الحيوي الجديد".

اضطر أن يجرى لها عملية لمد أنبوب رئيسي في الطرف الأيمن من رقبتها لمد الجسم بالماء والدواء والمضادات الحيوية والمخدرات والأكل. فشلت المحاولة الأولى. كان على الأطباء الطلب من الدكتور البارع اليكس ريتشارد أن يعيد العملية، وتم ذلك بنجاح. ارتاحت بعدها من ألم وخز الإبر المزعج لأخذ الدم من يدها. كانت حالتها متدهورة، لكن رحمة الله واسعة. أما إيمانها به فلا حدود له.

زارها الطبيب الجراح شريف حقي ليطمئن عليها وقال: "كنت أرقبك من خارج غرفة العمليات. لم اترك المستشفى إلا بعد الاطمئنان عليك".

شكرته شكرا جزيلا. وفي العاشرة مساء التقى بزوجها وابنها وابنتها. سمعته يقول لهما: "لو مر أسبوع من غير مضاعفا ت عندها فقط نستطيع أن نتنفس الصعداء. الحالة غير مطمئنة. دعونا نصلي من أجلها".

لأول مرة رأت الدموع تنهمر من عيون زوجها وابنتها وابنها. لكن إيمانها لم يخذلها قط. لم يكن هناك أي وقت لوداع الأحبة. استسلمت لنوم لم تصح منه إلا يوم السادس عشر من نوفمبر. هل هو عيد ميلاد ابنتي اليوم؟ تعجبت، فالشهر ليس الثامن. ماذا جرى أين أنا؟

ظهر أمامها الدكتور شريف عوض ثانية، وقال مبشرا: "حمدا لله على فضله". قالت له لن أنسى أفضالكم أبدا. وبابتسامته المعهودة قال لها: "غدا سنسحب الخرطوم الأول من البطن، وبعد يومين أي في العشرين سنخرج الثاني، وفي يوم الحادي والعشرين ستتركين المستشفى إن شاء الله".

ودعها في العاشرة مساء على أمل أن يراها في صبيحة اليوم التالي، عرفته إنسانا مخلصا وطبيبا متمكنا. شكرت الله وبدأت تصلي من أجله ومن أجل كل من عمل جاهدا كي تشفى وتعود إلى بيتها.

أخذت صحتها تتحسن، وبدأ وزنها يزداد. فرح الأطباء بهذا التقدم. لم تنس أن تشكر ربها على نعمة الحياة. تعبت كثيرا لتحقيق أحلامها، واليوم لا وقت لها لأحلام بديلة، فما كان مستحيلا العام الماضي تمنت أن تحققه هذه السنة. صفحات حياتها كانت صعبة لكنها تبقى جميلة كالبحر الهادئ الذي ترى لونه في زرقة السماء الصافية.

لم تعد تتذكر الألم ولا الدورة الدموية في الجسد ولا الحركة الزمنية في أحشاء الكون، بل أرادت أن تنشد الحياة وأن ترقص مع النجوم والقمر. أرادت أن تعلن إعدام الأحلام الخائبة، وأن تحلم الأمنية نفسها، وأن تقول لكل البشر أيتها الحياة احبك لحد الجنون.

= = = = =

موضوع ذو صلة: ثقافة صحية (العدد 50).

http://www.oudnad.net/50/samyaatrash50.php

صور ذات علاقة بالموضوع (اضغط على الصورة لمشاهدتها بحجم أكبر).

حديقة وثلج
حديقة وثلج
سامية الأطرش
سامية الأطرش

سامية الأطرش + حديقة المنزل

ثلاثة أطباء
ثلاثة أطباء

الجراح أحمد أحمد (وسط الصورة)، وجون كزينز (اخصائي التخدير/يمين الصورة)، والجراح شريف محمد حقي

د. أحمد أحمد
د. أحمد أحمد

-

عملية تضييق المعدة
عملية تضييق المعدة

رسم توضيحي لعملية تضييق المعدة


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC