زهرة يـبـرم - الجزائر

على شرفة الوحدة

ظلت ترقبه حتى غاب في المنعطف بين البنايات في آخر الطريق. جميعهم مروا من هناك على نفس الدرب. كانت في كل مرة تقف على الشرفة تشرف على المنعطف وهو يبتلع ابنا من أبنائها الأربعة. ابتلعهم أربعتهم واستقروا في جوفه الواحد تلو الآخر، واليوم ازدرد آخرهم وأصغرهم. مساحة الظل الأخيرة التي كانت تتفيأ تحتها قد غزاها الهجير.

أمطرت عيناها فاختلطت دموعها بماء المطر المنهمر على وجهها، لينزل الخليط فيسقي محابس النعناع والحبق المعلقة على الشرفة المتكئة عليها. نباتات عطرية زرعتها وإياه يدا بيد في يوم تميز بقليل من السعادة.

ظلت وحيدة في غابة اسمها الحياة. مضوا ومنحوها منفى تتلمس فيه أيامها وتحاول أن تطرد من عمرها ما تبقى من سنين. نظرت إلى وجهها في المرآة فرأت خطوط جبينها المتغضن وخارطة صماء تمتد من قلبها حتى أحلامها الضيقة، وبدا أنين الفراق يتصاعد من روحها ويتشكل وجعا على محياها.

كان بيتها مترعا بهم. عاشت منتشية بحبهم حتى لكأنها هي منبع الحب الأصيل. كانوا كالنبات اليانع في بستان قلبها تسقيهم كالغيث فيزدادون ترعرعا ونماء. النظر إليهم يريح نفسها وقلبها ويغمرها بالنشوة والفخر وهي تراهم يكبرون ويتفتق الوعي فيهم عاما بعد عام .

عاشت بين التفاؤل والامتنان لله، تسكن سحبا مشبعة بالآمال والأحلام حتى أفاقت على الصغار وقد كبروا وشبوا، وكفراخ نبت ريشها وقويت أجنحتها انفلتوا من العش وطاروا بعيدا في سماء الله الواسعة باحثين عن الضياء والقوت. منهم من استقل بنفسه، ومنهم من سافر للدراسة وخلا البيت منهم.

طوقتها الوحدة وسكنها الصمت حتى لكأن للصمت ضجيجا وهو يطحن عظام السكون. صار لها عالم هي وحدها فيه. تعود إلى نفسها كلما قست عليها الوحدة. تسهر وحدها، تبكي وحدها، تضجر وحدها وتنام وحدها يحضنها الحزن مرغمة.

تعودت الارتباط النفسي بهم والاتكال العاطفي عليهم فلم تستطع الاستمتاع بالحياة بمفردها. لم يعد لها ما تتكئ عليه غير أخيلة من الماضي. لم يبقى لها من تتبع خطوه أو يتبع خطاها غير ظلها. لا مفر لها من مصادقة الوحدة وهي تتمسك بما يسمونها حياة كي لا تترك نفسها تنزلق نحو اليأس. تبحث في عمق الأشياء من حولها لتستشف معنى أن تحيا، فوجدت نور الله في قلبها فتيلا لا ينطفئ.

ظلت الأزمات حبيسة في قلبها، كلما سنحت الفرصة تفقد توازنها وتبكي. أصبحت جلادا لنفسها. كأن أيامها مصنوعة من حجارة ملضومة كعقد، تمر عليها متتابعة متشابهة كمتتالية عددية رتيبة، سلسلة لا تتوقف وعودتها إلى الوراء مستحيلة. يتغير كل شيء من حولها إلا هي الثابت الوحيد في المكان. باتت تنافس"بينيلوب" في الصبر والانتظار. تقف على الشرفة كل صباح، ترقب منعطف الطريق، تغسل وجهها بدموعها وتسقي محابس الحبق والنعناع.

حضرت لنفسها كوبا من الليمون الهندي وجلست إلى مكتبها أمام ورقة عذراء وراحت تفرغ ما غزاها فجأة كالوحي فملأ رأسها. وكشاعرة تهيم في أودية القوافي دون أن يسبق لها أن سبحت في بحور الشعر أو خبرت الأوزان كتبت:

أينما أروح لا أجد مكاني

كروح مطرودة من رحمة الرحمان

كقصيدة خديجة بلا معاني

كيتيم يبحث عن عطف إنسان

مثل الميزان اختل اتزاني

ارجع ليغمر قلبي ثواني

عطر أعرفه من زمان

ويرجع إحساسي بدفء مكاني

لكنها عزفت عن مواصلة الكتابة فهي لم تخلق لتكون شاعرة.

مسحت الغبار عن الحاسوب ولجأت إلى العالم الافتراضي المجنون تبحث عن الأنس. دخلت لموقع ما بهدف ما، فسلمها هذا الموقع لآخر، ثم الآخر ما لبث أن سلمها لآخر وهكذا وجدت نفسها ككرة تتقاذفها المواقع والوقت يمر بلا هدف، وهي تتسكع في عالم جذاب لا محدود، حتى صديق الدردشة الأوحد الذي تطمئن إليه دون غيره حول الصداقة إلى حب، فأجابه لسان حالها: عن أي حب تتكلم أنت الآخر وأنا كبومة ينعق في عشي الخراب؟ أغلقت الحاسوب وأنهت تسكعها الافتراضي، وكنقرة على الذاكرة قررت أن تتسكع في ملكوت الله.

التسكع ليس سلوكا سلبيا كما يدينه المجتمع، بل سياحة فكرية وروحية وتأمل العقل المفتوح على الدنيا. هو تجوال الجسد والروح والفكر، هو الهدوء والصحو والتأمل، هو البحث عن معنى لكل ملمح في وجوه البشر، هو تنمية استقلالية النفس والاستمتاع بالحياة بشكل فردي للتصالح مع الذات وتبديد الشعور بالغربة حيالها والقبض على العمر والإمساك به من التبعثر والضياع بين أمواج البشر.

بدأت تتهجى طريق الرجوع إلى ذاتها. وقفت أمام مرآتها تسألها وتتوسلها أن تختار معها ما ستلبسه. فقد صممت أن تبدو أنيقة كما لم يكن يهمها مظهرها من قبل. معطف باذنجاني اللون وشال بنفسجي تماما كلون إطارات نظاراتها الطبية، وحذاء أسود نصف كعب يوائم سنها. أحبت نفسها بهذا التدرج في الألوان وخرجت إلى شوارع مدينتها تتأمل الحياة.

تمرد الحزن عليها فآلت على نفسها أن تضاهيه في التمرد. خرجت من روتينها اليومي كما الفارّ من السجن إلى غابة الحياة. كالقطار يخرج عن السكة الحديد بلا عوائق. قادتها قدماها إلى معرض النباتات والزهور، فولدت لديها فكرة كموجة ولدت من البحر بالريح تتعلق لتصل إلى الأرض. فكرة تطير بحرية فوق الجبال تجهل الحواجز والحدود. ستزرع في العدم حقل زهور. حديقة منزلها أرض بور منذ سنين تعمرها النباتات العشوائية والأشواك.

وثقت بفكرتها التي عبرت خيالها كرؤية قابلة للتنفيذ. فكرة كأنما اخترعت في قصور الأندلس أو مستوحاة من حدائق بابل.

صممت حديقتها واختارت الشتلات والبذور وأنواع الورود. نطق الخيال فصدقه العمل ليظهر واقعا يعرق الطريق المؤدية إلى القلب.

لكأن النهار كان بانتظارها، فبدت لها السماء أكثر اتساعا، والشمس مبتهجة كعصافير الكناريا يغازل شعاعها الورد والياسمين. تولد العسل تلقائيا في أزهار الزنبق والقمر والهويا، وارتفع الصبار يكابر في شموخ. أمسكت خرطوم الماء وراحت تسقي حديقتها منتشية بأصدقاء من عالم النبات حين تذكرت زهرة الأوركيد في ركن الحديقة، إذ تتوقع أن تكون برعمتها قد تفتقت هذا الصباح عن زهرة لا تدري لونها، غير أن بائع الشتلات رجح أن تكون بنفسجية. كم دهشت حين شاهدت زهرة بيضاء تضحك للشمس! فالإنسان وحده يولد باكيا.

فيما كانت تحدق في أوركيدتها الوليدة، أحست بوجود شخص ما في حقل رؤيتها المحيطية. ذهبت ببصرها نحوه. رجل كان يرقبها من خلف سور الحديقة. صرفت نظرها عنه وعادت تسقي نباتاتها وقد جلب انتباهها الزي الذي يرتديه، لكأنه من "التوارق" سكان الصحراء.

انخطفت وهي تسمعه يناديها باسمها: "حبيبة". الصوت مألوف لديها، لا بل حميمي. رمت خرطوم الماء الذي راح يغرق الأرض وسارت نحوه بخطى كأنما تسير بها نحو الوراء وهي تشحذ ذاكرتها وتعدل من وضع نظاراتها لتدقق وتتحقق من ملامحه. اتجه بلهفة نحو البوابة لملاقاتها. وقفت على بعد خطوات منه وصاحت بصوت يجلد السمع: "كريم؟" وهوت فاقدة وعيها ليتلقفها بيديه إلى صدره.

لم تصدق أن سجين "رقان" قد عاد إليها بعد عشر سنوات من الاعتقال السياسي غير المبرر. قالت: "كم كبرت وتغيرت يا كريم!" قال: "أما أنت فما زلت كتلك الزهرة البيضاء في ركن الحديقة".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203787

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC