عبد الجليل لعميري - المغرب

الرسالة التي ...

كانت المفاجأة غير سارة للفقيه سيدي عبد الباري، إذ حمل إليه العطار رسالة غير مألوفة، لعلها مكتوبة بلغة النصارى. حروفها غير عربية وتبدو كآثار ارجل دجاج على عجين. بهت الفقيه وهو يحاول أن يداري خيبته غير المسبوقة، فقد كان سيد مواقفه خلال عشر سنوات، يقرأ رسائل أهل الدوار، ويكتب أجوبتها. ويكتب حجاباتهم وحروزهم، ويبث في خلافاتهم ويفك طلاسم ارثهم.

عشر سنوات جعلته يصبح وريثا في كل شيء:

"الحاجة اللي ما شافهاش ليه فيها الربع. واللي شافها ليه فيها النصف." كما يقول العطار بلحاج للفقيه ممازحا.

إنه علبة سوداء للدوار. ولكنه اليوم عاجز عن قراءة هذه الرسالة. يا ويلتاه ماذا سيقول؟

تفحص الرسالة المغلقة، وقرر فضها بعنف، وكأنه ينتقم منها. استل قلبها بيد مرتعشة. كانت ورقة أنيقة موشومة بورود جميلة: حمراء وصفراء. وبحبر ازرق ناصع. وكلمات أكيد أنها ليست عربية.

كانت عيناه تنزلقان بدون توازن بين أسطر الرسالة. ماذا سأقول للعطار؟ ماذا سأفعل؟ هل ستهزمني هذه الرسالة اللعينة وتدمر كل ما بنيته خلال عشر سنوات؟

وشرع يهمهم: "ابنك يسلم عليكم، ويخبركم بأنه بخير وعلى خير، وأنه مشتاق إليكم، و... و...".

أحس العطار بأمر ما. الرسالة تبدو طويلة وما قاله الفقيه لا يتجاوز جملا.

"هاذ الشي للي كاين الفقيه؟" قال العطار مستغربا.

"صافي، هاذ الشي للي في الرسالة." رد الفقيه وهو يغمغم: "الله يصفيها ليه".

عاد العطار إلى بيته وهو يجتر حيرته، وإذا به يصادف طفله عمر عائدا من المدرسة، فأعطاه الرسالة قائلا: "باشر لي هذه البرية" (الرسالة).

تسلمها عمر وهمهم: "هاذي مكتوبة بالفرانساوية."

"بالفرانسوية ؟" صرخ الأب.

رد عمر: "ايه الفرانساوية. تعالى تشوفها في الكتاب اللي كنقراو فيه."

فتح عمر كتابه المدرسي للسنة الثانية ابتدائي، فحملق الأب في صفحاته ونظراته في رحلة بين الرسالة وصفحات الكتاب، ثم غمغم: "والله فرانسوية." وصرخ: "واش الفقيه كيعرف الفرانسوية؟".

رد عمر: "معليمنا كيطير فيها. ناخذ ليه الرسالة."

فردد العطار: "رجلي على رجلك".

في الطريق كانت تتقاذف العطار عدة أفكار بلا لون ولا طعم، ينتظر أن تنقشع سحبها على يدي المعلم. وفي المدرسة، داخل احدى القاعات، جلس الثلاثة، وشرع المعلم في فك لغز الرسالة:

"هذه الرسالة موجهة لي اعمي العطار."

"علاه ولدي كيعرفك بعدا؟" قال العطار كالمحتج.

"هو سمع علي وعلى المدرسة الجديدة في الدوار في رسالة شي صاحبو."

"واش كيكول ليكاسي المعلم؟" قال العطار.

* رسالة ابن العطار إلى المعلم:

"السيد المعلم المحترم، أنا لا أعرفك وأنت ربما لا تعرفني. أنا ابن العطار. هاجرت منذ سنوات إلى فرنسا للعمل في مهن مختلفة، وقد استقر بي المال في النهاية بالمخبزة العصرية في مدينة ليل. كلما عدت إلى دوارنا أحس أنه يتدهور أكثر، وأحس بهيمنة الفقيه عليه أكثر فأكثر، فقد خرب عقول النساء والرجال والأطفال. وتحكم في رقاب الجميع، وكرّس الشعوذة والسحر باسم الدين. وساهم في الفساد القائم بالبلدة.

قد تظن أني أبالغ. أنت جديد بالدوار. ربما لم تكمل سنتين. الم يبدأ ذلك الكذاب في محاربتك؟ هل تعلم سبب تأخر وجود مدرسة بدوارنا؟ إنه هو عينه وبعض من يشبهونه.

وهل تعلم لماذا كتبت إليك هذه الرسالة وبالفرنسية بالضبط؟ لأنه يحتكر قراءة رسائل جميع أهل الدوار. فلا احد يعرف القراءة أو الكتابة. حتى أنا لم اكمل تعليمي في تلك المدرسة البعيدة عن دوارنا. وظل مستواي ضعيفا إلى أن استدركت ذلك هنا بفرنسا بمساعدة بعض الأصدقاء والأساتذة، الذين ساعدوني على متابعة دروس ليلية لتعلم الفرنسية والعربية، وذلك في اطار تأهيلي لعملي الجديد.

هل تعلم ماذا سيحدث؟ ستصل الرسالة إلى والدي، وسيحملها إلى الفقيه الذي سيعجز عن قراءتها. ولكنه سيكذب على أبي. وحين يعلم أخي عمر بالأمر سيحملها إليك. وستخبرهم أنت بكذبة الفقيه. حينها سيغضب أبي. سيكتشف كذب الفقيه لأول مرة بعد عشر سنوات، وسيثور ضده. ولكن حذار، ستصبح في مرمى الفقيه وسيعلن عليك الحرب بالحق والباطل. بالدين والدنيا. فهل أنت مستعد لذلك؟ ربما هذه ليست قضيتك، فإن لم تكن مستعدا لها فاكذب كذبة بيضاء على الوالد واخرج من مملكة الفقيه سالما.

أريد جوابا منك عما سيحدث. وسلم على والدي واخي عمر وكل العائلة واهل الدوار، إلا ذاك المنحوس.

صديقك الذي لا تعرفه: سالم.

بعد أن سمع العطار مضمون الرسالة صرخ: "الفقيه حرامي وكذاب وقليل الدين."

بعد صلاة العصر أفشى العطار الخبر بين الناس بتواطؤ شديد. وخلال صلاة المغرب كان الفقيه وحيدا في المسجد. الناس صلوا جماعة بدار المعطي. وفي تلك الليلة تعشى الفقيه بقليل من التمر والخبز. وبعد أيام غادر الدوار.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3205610

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC