عدلي الهواري

كلمة العدد 79: عامان على محاولات التغيير في العالم العربي

عدلي الهواري ناشر مجلة عود الند الثقافيةتمكن شعب تونس قبل عامين من الإطاحة بزين العابدين بن علي. وبعد ذلك بفترة وجيزة تمكن شعب مصر من خلع حسني مبارك. في الحالتين كانت الحركة الشعبية المطالبة بالتغيير سلمية إلى حد كبير.

نجاح التغيير في تونس ومصر ولّد وهما يتمثل في الظن بأن كل نظام عربي سوف يسقط بنفس الطريقة، وما يطلبه الأمر هو مظاهرات تستمر بضعة أسابيع، فيضطر الحاكم بعدها إلى التخلي عن حكمه.

ورافق هذا الوهم إفراط في النظرة الرومانسية لمحاولات التغيير في العالم العربي، فكثر استخدام مصطلحات تنتجها شركات العلاقات العامة من قبيل ثورة الياسمين والربيع العربي، وكثر المبشرون بالثورة، وراكبو موجاتها.

لكن الواقع جاء بكل قسوته عند محاولة التغيير في دول عربية أخرى، ففي البحرين أجهز على التحرك بالقوة، وفي ليبيا حدث تدخل عسكري خارجي، وفي اليمن انتهت المحاولة بالتفاوض مع الرئيس على حصانة من المقاضاة قبل نقل السلطة، وفي سوريا تحولت محاولة التغيير إلى صراع مسلح لا يزال مستمرا.

الآن، بعد مرور عامين على التغيير في تونس ومصر، ظهرت في البلدين مظاهر عدم الرضا عما أنجزته الأحزاب الجديدة في السلطة، وعن الأولويات في التغيير الذي تريد أحزاب السلطة الجديدة تحقيقه، فعادت إلى الشوارع والميادين المظاهرات والاعتصامات والاشتباكات بين أنصار التيارات المختلفة وأسفرت عن قتلى وجرحى. وفي ضوء عدم الرضا هذا، سيبقى الجدل مستمرا حول الديموقراطية والإسلام السياسي، لأنه أصبح لدى الجماعات الإسلامية ومعارضيها ما يؤكد وجهة نظر كل طرف.

منعت الحركات الإسلامية في مرحلة سابقة من المشاركة في العملية السياسية بذرائع مختلفة إحداها أنها ستغير طبيعة النظام الديموقراطي بعد الوصول إلى السلطة عن طريق الديموقراطية (علما بأن النظم لم تكن ديموقراطية). وأثناء استبعاد الإسلاميين، كانوا يقولون إنهم قبلوا بالديموقراطية لأنها لا تتعارض مع الإسلام.

بعد الحصول على فرصة إدارة الحكم، أظهرت الأحزاب الإسلامية أن تحديدها للأولويات مختل لصالح وضع أساس لمرجعية دينية للحكم، بدل الاهتمام ببرامج التغيير الاقتصادي والاجتماعي، وتحقيق تغيير يؤسس لواقع جديد مختلف عما كان سائدا في النظام التي أزيح رئيسه.

وفي ضوء المعارضة التي ووجهت بها الحركات والأحزاب الإسلامية، سوف تزداد قناعتها بأن القوى الأخرى من علمانية ووطنية ويسارية ترفض قبول نتائج الانتخابات عندما تأتي في غير صالحها، بدءا بتجربة جبهة الإنقاذ الإسلامي في الجزائر، ومرورا بحركة حماس في فلسطين، ثم النهضة في تونس، فالإخوان المسلمين في مصر.

في المقابل تتحمل القوى اليسارية والوطنية والقومية قدرا من المسؤولية لأنها أيضا تظهر أنها غير قادرة على تقبل عدم الفوز في الانتخابات، ولم تتعامل مع النتيجة على أساس أنها أمر يمكن تغييره بعد بضع سنوات من العمل السياسي والجماهيري، فالتأييد الشعبي للحركات الإسلامية في مرحلة ما كهذه ليس قدرا، بل ظاهرة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية واجتماعية يمكن أن تدرس وتفهم، ويجرى التعامل معها.

لا أحد يمتلك الدين، ولا أحد يستطيع أن يكون ناطقا وحيدا باسم الدين، وفي الوقت نفسه العلمانية يجب ألا تعني معاداة الدين والمتدينين والجماعات ذات الاتجاهات الدينية، فالذين بشروا بانتشار العلمانية على حساب الدين في الماضي اضطروا للتراجع عن تنظيراتهم بخصوص انتشار العلمانية، وعن ذلك كتب بيتر بيرغير، أحد هؤلاء المنظرين، عام 1999 "العالم اليوم، مع بعض الاستثناءات، متدين كما كان دائما، وفي بعض الحالات اشد تدينا"(1).

بعد حرب عام 1967 ظهرت حركات المقاومة الفلسطينية، ولم تكن بينها منظمات إسلامية، وكانت حركات المقاومة من وطنية ويسارية تتمتع بتأييد جماهيري فلسطيني (وعربي وعالمي). ولكن بعد فترة من الزمن بدأ التأييد لهذه الحركات ينحسر لصالح الحركات الإسلامية. الشعب في الحالتين نفسه: أيد الوطنيين واليساريين في مرحلة، ثم أيد الإسلاميين في مرحلة ثانية، ويمكن أن يوجه تأييده إلى غير الإسلاميين مرة أخرى في حال قيام اليساريين والقوميين والوطنيين بخدمة مصالح الجماهير بشكل أفضل من الإسلاميين.

بعد مرور عامين على بدء محاولات التغيير في العالم العربي تبدو صورة الأوضاع قاتمة، فحيث ينقسم المجتمع، وتسيل دماء كثيرة، لا يمكن بناء نظم ديموقراطية، وسيعيد الاستبداد إنتاج نفسه بذرائع قديمة-جديدة.

مفتاح الحل هو العيش في القرن الواحد وعشرين بعقليته، وقبول الإسلاميين وغيرهم من التيارات العلمانية والوطنية والقومية واليسارية بأن يكون التنافس على الوصول إلى الحكم تنافسا مفتوحا ديموقراطيا شريفا، لا تنافسا أيديولوجيا من عصر الحرب الباردة، يؤدي إلى تجدد النزاعات الأهلية، ويؤدي ولو بعد حين إلى الفشل في تطبيق البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري

(1) Berger, P. L. ed. 1999. The Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics. Washington, D.C.: Ethics and Public Policy Centre; and Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans Publishing Company, p. 2.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3303810

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC