دنيا فيضي - العراق

ترجمة لقراءة في رواية لأوسكار وايلد

ترجمة لقراءة في رواية "صورة دوريان غراي" لأوسكار وايلد: الصراع بين الجمالية والأخلاقية

الرواية فيها اعظم استعارة لشخصية دوريان وتعكس فلسفة تستند على الجمال البسيط لكل الأشياء في رحلة تنتهي بالقبح والبشاعة. دوريان ذلك الشاب البريء يتحول إلى رجل وضيع حين يستعرض جمالية شبابه وحياته من خلال النزوات المتعثرّة والحقيرة، مرآة جمالية لا أخلاقية في آن واحد تعكس رغبة أوسكار وايلد في إظهار الحركة الجمالية في ذلك العصر وما تمخضّ عنها من تبعات غير لائقة، ويبدو ذلك جليا حين وثّق روايته بلوحة اشتهرت حتى اكثر من الرواية نفسها. تعد الرواية من الروايات النادرة التي نشرت لأوسكار في العام 1890 وتوثيق لحركة الفلسفة الجمالية في ذلك الزمن الفكتوري.

لا يمتلك أوسكار وايلد نظره ذات بعد منطقي في عرضه لشخصية دوريان والفلسفة الجمالية، كما بدا الأمر، فالصعوبة التي تواجهنا حين نقرأ الرواية هي أن نطلق مفهوم الجمالية من حيزه الضيق إلى فلسفة ابعد، فحين نبحث في أبعاد الحركة نرى أن الفلسفة الأخلاقية للنواحي المتنوعة من الجمالية متغايرة ولهذا سيصبح الأمر صعبا حين نثبت قيم الجمالية وننسبها لدوريان غراي، ولهذا هناك صعوبة في كشف خفايا وأسرار كتابة أوسكار لهذه الرواية وبالتالي تفسير ردود الفعل القوية التي تلقاها بعد كتابته لها، والتي تجلت بحذف مقاطع منها بعد نشرها وموجة السخط التي تلقاها من القراء باعتبارها مادة مشوّهة للقيم الجمالية في تلك الأيام.

كل الفنون عديمة الفائدة

هناك تناقض بحت، فكيف يستهل أوسكار روايته بمقدمة عن الفن والفنان واستخدامهما معا وفق نظام مؤمّن متكامل، ثم ليستنتج بعدها: "كل الفنون عديمة الفائدة حقا". مثل هذا المنطق يستحق النقد، فالفن له حق في إظهار الجمال، ولكن إن ذهب لأبعد من هذا، يصبح خطأ. الجمال والسعادة متلازمان ويعكسان فلسفة المتعة. وفي سبيل الجمال، تحني الحياة رأسها للفن التقليدي.

غلاف رواية لاوسكار وايلدالرواية تضع هرما لمجتمع ثقافي وعلى رأسه لورد إنكليزي، هنري ووتن. يحتفل هنري بنصر الفلسفة الجمالية بعد أن يقنع دوريان بالتمتع بجماله إلى ابعد حد، وهنا يصبح القارئ متورطا بان يذهب هو الآخر لأبعد حد.

لا فرق في حديقة الجمال ما بين شتلات السلوكيات الأخلاقية واللاأخلاقية، فقط ما بين الزيادة أو النقصان في سعادة الفرد. وعليه، يذهب دوريان بعيدا لاستعراض كل ما هو لا أخلاقي من خلال حياة جماليّة نقيّة. وأثناء تمتعه بشبابه، يقتله سلوكه، بل ويقتل آخرين. يموت دوريان روحيا، ويكشف موته الداخلي خطر الفلسفة الجمالية حين لا تمارس بتعقّل ورزانة.

والأكثر إثارة، أن أوسكار وايلد يشيد بعمل الإنسان اليدوي ويقحم في روايته عبارات من شأنها تقديس روح الإنسان الذي يخلق شيئا بيده وعقله وقلبه، لا بآلة سرعان ما يصبح هو بديلا عنها، كرد فعل للمجتمع الأرستوقراطي وطبقاته. إنها انعكاسات الثورة الصناعية التي زامنت كتابة الرواية في القرن التاسع عشر.

اقحم أوسكار وايلد حكما عجيبة عن لسان شخصية اللورد هنري: "نحن نتعرض للعقاب حين نرفض، ونخنق عقولنا ونقاوم ملذاتنا فتمرض أرواحنا ونتوق للأشياء التي حرمت نفسها بنفسها".

في العصر الفكتوري كانت القيم الأخلاقية تتصدر القيم الجمالية والتمتع بها. أوسكار وايلد استخدم دوريان ليس كوسيلة إعلان لقيم جمالية فحسب، بل ذهب لأبعد من ذلك ليجعل منه تحذيرا ضد كل ما هو عدائي للأخلاق، حين تصبح خارج نطاق السيطرة عليها، ويصبح الجميع معرضين لان تكون نهايتهم مثل نهايته، إن باعوا أرواحهم للشر.

الرواية في منزلة بحث دراسي، يفحص جدوى الجمال النقي. دوريان الوسيم عاش وفق ما ادخل اللورد هنري في رأسه دون تردد، وكما أوحى هنري له وبإقناع رغم انه كان لا أخلاقيا. الغواية والإغراء ومعضلة العيش للجمال فقط قادت أوسكار وايلد إلى إعطاء نصيحة وهي عدم الاقتناع والتسليم بأي نظرية أو فلسفة كانت، فهي تورط النفس لأن تضحي بالرغبة في خوض تجارب تورط العاطفة تبعا لها، فمثل تلك النظريات، هدفها كان التجربة ذاتها، وليس نتاج التجربة، مرّا مذاقها كان، أم حلوا.

وتشمل الرواية إغواء دوريان لسيبل، الممثلة التي رآها تمثل وكيف نسج لها خيوطا من ذهب ليوقعها بشباكه قبل حتى أن يعرفها جيدا. تقع في حبه وتمنحه كل شيء، ولكن حين تترك المسرح لأجله يوبخها لأنها بدون فنّها لا شيء. هنا تبرز فلسفة الكاتب بالعيش لخدمة الجمال، وبدونه، سيبل مجرد لا شيء، كنهايتها المأساوية حين انتحرت وحبيبها يحتفي بكل القيم اللاأخلاقية التي يمكن أن تمنحه الحياة مقابل إبقاء شبابه.

متى تتفق الجمالية مع الأخلاقية؟

الأخلاق، والجمال اللامشروط، لا يمكن أن يتفقا. تلك النرجسية التي تتلاحم مع الفلسفة الجمالية تولد سلوكا عدائيا تجاه الأخلاق. يأتي العقاب حين يكتشف دوريان أن كل سلوك عدائي كان يقابله تقرّح في صورته التي باع روحه لأجل إبقاء شبابه كما اللوحة، نديّة وطريّة ويافعة حتى غدت اللوحة مأساة لنفس واجهت حتفها كنتاج للجماليّة المفرطة.

أوسكار وايلد يريد أن يخبرنا بضرورة الجمالية المسيطر عليها والمتزّنة. يبقى الجمال، بينما تمتص الروح وتذوب وتعكس الصورة تشوهاتها. والجمال والسعادة هما القمة والمثل الأعلى، ولكن تبقى عواقب سلوكيات الفرد هي ما يجب أن يتم التفكير به. أما اتخاذ القرار، خاصة إن كان خارج إرادة الفرد، فيجب أيضا أن يتم بحذر دون الاندفاع له. أوسكار وايلد يعلن في روايته الجدليّة هذه أن الجمال والأخلاق يمكن أن يتحدا فقط من خلال الفلسفة المقيّدة.

= = = = =

كاتب القراءة بالإنجليزيى باتريك دوغان (Patrick Duggan). يمكن الاطلاع على النص الإنجليزي باستخدام العنوان التالي:

http://www.bu.edu/writingprogram/journal/past-issues/issue-1/duggan

ترجم الرواية إلى العربية لويس عوض.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3150149

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC