زهرة يـبـرم - الجزائر

وهدأت العاصفة

:عود الند ترحب بالكاتبة زهـرة يـبـرم:

بدأ النهار يولج في الليل، وتسلل أول خيط فضي لنور الفجر على استحياء مخترقا شقق القفل الخارجي لنافذة غرفتي، مطلا علي عبر الستائر الشفافة المسدولة بغباء، مضفيا على محتويات الغرفة لونا رماديا محايدا كئيبا. لا أدري إن أطل هذا الضوء ليبشرني بميلاد يوم كئيب آخر؟ أم جاء ينعى ليلة من ليالي عمري البائس الحزين؟

أحزان تغزوني، تتساقط على الروح كندف الثلج منذ فقدت أمي قبل سنة. صرت أطمئن للكآبة، أستكين إلى الكمد وأسرف في الإحساس بالحزن. أستسلم للهم والغم والقنوط، وأنتـصر علي القلق. اختفى الميزان واختفى الاتزان وطارت نفسي شعاعا. مع غياب أمي فقدت الشعور بالأمان والإحساس بالدعة. تملكتني الهواجس وسلكت نفسي طريق العزلة في زنزانة يسورها الحزن والأسى والألم العميق.

حزني يحاصرني حتى الموت، وقلقي مشرئب بعنقه إلى عنان السماء. هذا هو حالي دوما، أستحضر ذكرى أمي بقوة حين ادلف إلى فراشي ليلا وحال استيقاظي من النوم.

وقع خطى خفيفة لزوجة أبي، نادية، وهي تمر من أمام غرفتي باتجاه المطبخ، تسحب الخطى سحبا كي لا توقظني فأنزعج، تتلطف لتكسب ودي. هي هكذا دائما تتحرى الوسائل لإرضائي، لكن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وقلبي مقفل من جهتها، لم يلن لها ولم يدخلها في رحابه، بل أكثر من ذلك فأنا أمقتها. منذ شهور قليلة أضيفت هذه المرأة إلى عائلتنا كفرد ثقيل الظل. احتلت مكان الغالية أمي واستأثرت بالحظوة في قلب أبي.

أفكاري تجذبني إلى العجوز اليابسة جدتي، لطالما أحببتها وتوهمت حبها لي، وصور "الألبوم" تشهد على تلاحمنا واتحادنا الروحي، خذلتني. خذلتني جدتي وخانتني حين اقترحت على ابنها زواجه من نادية. اختارتها له وزكتها. جابهت هذا القرار بشراسة، إذ كيف ينسى الحبيب حبيبه في بضعة أشهر؟ هل العلاقة واهية ونسيجها كبيت العنكبوت؟ أي جبروت للموت يمارسه على الخلق لتصبح أمي سرابا بين أحبابها؟ وأنا امتدادها، أليس لي على أبي حق مراعاة المشاعر؟ أيستهين بمصيبتي ورزئي؟ ألف سؤال وسؤال تراكمت كالجبال تبحث عن أجوبة.

وضعت أمام الأمر الواقع، وتزوج أبي من نادية. لكن الواقعة لم تتحطم ولم تتفتت بداخلي ولم أنصهر في بوتقة الوضع الجديد.

استفقت من وساوسي على رائحة قهوة جيدة خارجة تتلوى صراعا من إبريق هناك على النار، تناهت إلى أنفي مغرية إياي بالنهوض، لكنني اليوم كسلى على غير عادتي، فجاذبية لذيذة تشدني إلى الفراش شدا فألف غطائي حولي وأثاقل إلى النوم من جديد، وصورة أمي حاضرة في ذهني كعادتي.

إنها هنا إلى جانبي تداعب خصلات شعري وتحكم الغطاء حولي. أحس بأنفاسها الحرى تلفح خدي. التفت لأرى من أسرني حبها وأثقل كاهلي، فإذا هي تحمل ملامح زوجة والدي بعينيها الخضراوين. أشحت بوجهي عنها فكم أكره عيني زوجة أبي. اغتاظت أمي من إشاحتي عنها، خرجت من غرفتي وانطلقت لا تلوي على شيء. قفزت من فراشي للحاق بها وقد عز علي أن أضيعها بعد أن وجدتها. ارتديت معطفا وتلفعت بشال وانتعلت حذاء مطاطيا تعود أبي انتعاله في خرجاته لتفقد مزارع الفراولة، المتواجدة على سفوح الجبال، غير بعيد عن المدينة.

لا أدري كيف نزلت السلالم ولا كيف فتحت بابي المنزل، الخشبي منهما والحديدي. اجتزت عتبة الدار وأجلت بناظري فرأيتها، أمي بقامتها المعتدلة تسير في الطريق باتجاه المقبرة. ناديتها بلهفة: " يما، يما" فلم تجب وسرعان ما اختفت في المنعطف بين البنايات المجاورة. لجأت إلى هاتفي وهتفت إلى سائق العائلة، وقبل أن يرد على مكالمتي انفتح باب المرآب الكائن بالطابق الأرضي لمنزلنا، وانطلقت السيارة بسرعة سائرة إلى الخلف، وفي لمح البصر توقفت بجانبي وخرج السائق مرتديا معطفا جلديا أسود، ومعتمرا قناعا لا يبرز منه غير عينين لم أتبينهما على ضوء مصباح الشارع الباهت الرابض هناك بعيدا في آخر الطريق.

فتح لي الباب الخلفي فدلفت إلى السيارة وانطلق بي مسرعا كالصاروخ، لم يسألني حتى عن وجهتي، إلا انه قد سلك بي الطريق المؤدية إلى الجبل حيث تجثم على إحدى السفوح مقبرة العائلة حيث ضريح أمي.

كنت أجهد نفسي خلال الطريق في البحث عن أمي، لكن بصري كان ضعيفا، وخوفي يتضاعف كلما لمحت السائق في المرآة بقناعه، إذ يتراءى لي كأنه شخص آخر لا أعرفه، فأجدني بين شبحين، أحدهما أطارده والآخر يأخذني إلى المجهول وسط الليل البهيم.

وأخيرا رأيتها، أمي، تجتاز البوابة الكبرى للمقبرة وتحث الخطى نحو قبرها. ترجلت صارخة:

"يما، انتظريني. أرجوك يما".

ولما كدت أدركها، أدركت قبرها وتمددت فوقه. حينها تمكنت من رؤية وجهها بوضوح. إنها تحمل ملامح زوجة أبي بعينين خضراوين أكرههما. تراجعت أمام خضرة العينين، فعينا أمي دعجاوان والعيون الخضر أثارتني وجعلتني أتراجع وأحدق في محاجرها علني أرى عينين دعجاوين.

أنسحب إلى الوراء بينما هي تغوص في لحدها رويدا رويدا حتى حل مكانها حجر أصم أبيض هو مبنى القبر بشاهديه. صرخت عندها صرخة وانتفضت جالسة شاخصة العينين في امرأة منتصبة أمامي بنفس لون العيون التي كنت أراها منذ قليل.

جاءت نادية لتوقظني بعد أن لاحظت تأخري في النوم. تعوذت من الشيطان الرجيم وقرأت علي المعوذتين وأنا شاخصة في عينيها أعيد شريط كابوسي، ولأول مرة لاحظت روعة خضرتهما. لعنت الشيطان الذي زين لي النوم حتى كدت أتأخر عن المدرسة.

اعتدت قبل الذهاب إلى مدرستي ترتيب غرفتي وأشيائي، لكن اليوم سأمكر بها وأرهقها في الفرز والترتيب. بعثرت كتبي فوق مكتبي وعلى الأرض، ووضعت أحذيتي فوق السرير، ثياب كانت على المشجب فأخذت مكانها على بلاط الغرفة وستغسلها حتما، مواد تجميل مبعثرة وكأس حليب فارغ تحت السرير، وأنّـى أمر اترك ورائي فوضى عارمة في كل ركن من أركان البيت. فلتمضي وقتها في الترتيب فهي مهووسة بذلك. إنها سياسة معاملة تخصني بها وتهدف من ورائها استمالتي إليها بغرض طي أبي تحت جناحها لتدق الوتد في هذا البيت، وتصبح سيدته الأولى. سأرهقها حتى ترفع الراية البيضاء وتغادر. حينها أرفع أنا راية النصر عليها ويخلو لي وجه أبي، ولن تبقى إلا ذكرى أمي ترفرف أنـّى وليت وجهي في هذا البيت.

تركت كل مكان مررت به يشكو الفوضى وانصرفت إلى مدرستي مشيا على الأقدام إذ لم أرغب في رؤية وجه السائق ولا إعادة بعض من مشاهد الكابوس.

مرت ساعات الدرس ككل ساعات عمري الرتيبة، وعدت منتصف النهار إلى البيت. حين وصلت أمام المنزل أطلت عجوز من الجيران من أقصى الشارع تسعى. حين رأتني نادتني بلهفة أن أنتظرها. أخبرتني أن زوجة أبي نقلتها سيارة الإسعاف إلى المستشفى منذ ساعة تقريبا. المستشفى؟ واكتسبت في الحين جلد دجاجة. قشعريرة رهيبة غزتني، وطار عقلي. هنالك رقدت أمي وماتت على حين غفلة.

لم أدر كيف استوقفت سيارة أجرة ولا متى وصلت إلى حرم ذلك الصرح الشامخ الأزرق. فزرقة زجاجه الداكنة توحي بالرهبة والجبروت. هنالك شاهدت سيارتنا مركونة وقربها السائق. تأملته من الخلف. كان يرتدي معطفا جلديا أسود لم أره به من قبل، ويقف بنفس الهيأة التي رأيته بها في الكابوس. أعلمني بأن نادية ترقد بالطابق الرابع على اليسار.

لم أنتظر المصعد، بل طويت السلالم جريا. مررت بالحجرات، الأسرة البيضاء مصفوفة كالقبور، ورؤوس المرضى وأرجلهم منتصبة كالشواهد.

امرأة مريضة على سريروقفت واجمة أمام سرير نادية. لما رأتني ابتسمت من خلال ضعفها بما يكفي لتبديد وحشتي. كانت ممددة ومغطاة بازار أبيض، وشعرها منسدل كسنابل تأخر عنها موعد الحصاد. نظرت في عينيها فبدت لي كما رأيت أمي في الكابوس. وقفت أمامها راسخة كحجارة مرصوفة في جدار، تخيلتها تغوص في مرقدها، والمرقد يتحول إلى قبر. انتابني شعور لم أفسره فجريت أحضنها وأبكي، رافضة بشدة فكرة أن تموت.

لا أريد لأبي أن يسقى من كأس الردى مرتين، بأية قوة سيواجه الفقد هذه المرة؟ لكأني صحوت من سبات عميق، وانجلت عن عيوني غشاوة طالما حجبت عني واقع الحياة. كبرت فجأة بأعوام عدة، وحقن في إدراكي منطق جديد. احتضنتني بقوة وقالت:

"لا تبكي يا ابنتي، ليس بي شيء مهم، أنا بخير".

عزفت "يا ابنتي" في أذني لحنا جميلا جديدا قوي التأثير هذه المرة التي لم تكن الأولى. واختلطت في قلبي المشاعر بالمشاعر، سرعان ما انتصرت مشاعر الحب على الكراهية، واتسع قلبي بالحب، وأدخل نادية في رحابه.

مر شريط الأيام التي عشتها تحت سقف واحد مع نادية في مخيلتي بكل التفاصيل المشينة لتصرفاتي. أقر بأنها كانت تصرفات مشينة ومراهقة في حق إنسانة لم أقدر يوما ما كانت تفعله من أجلنا: أنا وأبي، ومدى الصبر الذي تحلت به إزاء جحودي وكرهي لها وأنانيتي.

لمحت أبي وقد مد أصابعه ليزيح دمعتين سقطتا من عينيه في غفلة منه، ربما كان الموقف مؤثرا، أو أنها دموع الفرح لتصالحنا حيث انزاح كابوس كان يؤرقه، هو رفضي لزوجته. جاءت ممرضة متغنجة تعلن انتهاء الزيارة. انتبهت عند الخروج أننا كنا في قسم الأمومة والطفولة.

عدت إلى بيت ما زال يحمل علامات الفوضى الصباحية، ووجدت نفسي مسؤولة عن بيت بأكمله. من أين سأبدأ؟ أمن المطبخ؟ غسيل الأواني وتحضير الغداء؟ أم من الحمام؟ مناشف في آلة غسيل هامدة، وثياب كثر في سلة تنتظر دورها في التنظيف؟ أم من غرف النوم؟ ثياب على البلاط وأحذية فوق الأسرة، دفاتر وملاحف بفوضى غريبة؟ أرضية بدون مسح، وثياب ناشفة على حبل الغسيل.

يا الهي! كيف كنت أعود كل يوم فأجد البيت يكاد يضيء من النظافة والترتيب؟ أكانت المسكينة تضطلع بكل هذه الأعباء لوحدها دون أن تشتكي أو توحي بالتعب؟ ما الذي أرغمها على تحمل هذا العبء؟ استخلصت أن نادية إنسانة رائعة، خدومة وصبورة. تريد إسعاد عائلتها الجديدة وإنجاح زواجها.

أفقت من فوضى تساؤلاتي واستنتاجاتي على عودة أبي محملا بأكياس من المشتريات وهو يناديني إلى المطبخ لأحضر طبق السمك في الفرن والفاصوليا الخضراء لزوجته المريضة. اعتذرت بأني لا أتقن هذا الطبق، وسألته إن كان بإمكاني طبخ شيء آخر أسهل. أجابني ضاحكا فرحا طروبا بأن نادية اشتهت هذا الطبق بالذات.

شمرت على ساعدي الجد، واستعنت بكتاب الطبخ وشرعت في المهمة الصعبة.

فجأة توقفت. جمعت خيوطا من الذاكرة وقاربتها لبعضها البعض: قسم الأمومة والطفولة. المرأة ليس بها شيء مهم وهي بخير. اشتهاء السمك والفاصوليا. كل هذا مدعوما بضحكة أبي الرائعة وإفراطه في الفرح. أيعقل؟ كم هي رائعة زوجة أبي!


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3429100

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC