عبد اللطيف تلوان - المغرب

المكتبة والتوثيق: أي علاقة؟

عبد اللطيف تلوانالمكتبة ميدان من الميادين المهمة التي يشتغل عليها التوثيق في العصر الحديث، ولقد تطورت خدماتها بفعل تطوره التكنلوجي. فما هو تعريف المكتبة والتوثيق، وكيف نشأ كل واحد منهما، وما هي أهم المكتبات في التاريخ الإسلامي، وما هي العلاقة الجامعة بين المكتبة والتوثيق؟ هذا ما سيحاول هذا البحث الإجابة عنه من خلال ثلاثة محاور:

المحور الأول: تعريف المكتبة ونشأتها.

المحور الثاني: تعريف التوثيق وتطوره في العصر الحديث.

المحور الثالث: علاقة التوثيق بالمكتبة.

المحور الأول: تعريف المكتبة ونشأتها.

1- تعريف المكتبة:

يعرف محمد ماهر حمادة المكتبة بأنها: «كلمة توحي بمفهوم مكتبة ضخمة كمكتبة الكونغرس، ومكتبات الجامعات الكبرى، كما أنها تشير في الوقت نفسه إلى مكتبة صغيرة تابعة لمؤسسة ابتدائية ريفية في إحدى قرى المملكة؛ ذلك أن كل شخص يفكر في المكتبة وينظر إليها من زاوية اهتماماته الشخصية وثقافته ومهنته. فمفهوم أستاذ الجامعة عن المكتبة غير مفهوم طالب المدرسة الثانوية وغير مفهوم الموظف... ولذا فمن الأفضل أن نقول بوجود نظام مكتبي في بلد من البلدان، لأن المكتبات تتنوع وتتغير في البلد الواحد حسب طبيعتها... وطبيعة روادها، والوظيفة التي تؤديها في ذلك المجتمع»[1].

ومن خلال هذا التعريف يظهر لنا اختلاف رؤى الأفراد حول تعريف المكتبة باختلاف ثقافتهم، ومواقفهم ومواقعهم. لكنها تتوحد حول المفهوم المرتبط بأهدافها التربوية والثقافية والعلمية. ومع ذلك تظل المكتبة مركزا للوثائق يقدم خدمات جليلة للمجتمع الذي يحضنها في مختلف مناحي حياته الدينية والعقلية والمادية.

2 - نشأة المكتبة:

لما كانت المكتبة من مستلزمات الحضارة ودليلا عليها، فقد وجدت مع فجر الحضارة في كل من مصر وبلاد الرافدين.

ولم يكن لدى السومريين كلمة خاصة يطلقونها على المكتبة، ذلك أن السومريين الذين سكنوا جنوبي العراق الحالي في الألف الرابعة قبل الميلاد قد أوجدوا حضارة متقدمة وأسسوا عدداً من ممالك المدن المهمة.. وقد استعملوا في تسجيل معلوماتهم الكتابة السومارية، يكتبونها على اللوحات الفخارية، وقد سجلوا بهذه الطريقة معارفهم وآدابهم وملامحهم وديانتهم وكل مظاهر حضارتهم، وحفظوها في مكتبات أسموها "بيت اللوحات الكبير". كذلك لم يستعمل قدماء المصريين كلمة محددة، للدلالة على المكتبة؛ فقد أطلق "خوفوباني الهرم الأكبر" على مكتبته اسم: "بيت الكتابات"، ولقد ثبت أن فرعون مصر رمسيس الثاني كانت عنده مكتبة اسمها "مكان إنعاش الروح" وهي تسمية توحي بمحتويات المكتبة[2].

ولقد خضعت المكتبة، كمؤسسة ثقافية واجتماعية، لسنة التطور والارتقاء، منذ أن نشأت في الحضارات العريقة وإن كانت بتسميات أخرى. غير أن وتيرة تطورها وتنوعها تسارعت منذ أن اخترع يوحنا جوتنبرغ الطباعة، لتصل اليوم إلى أرقى مستوياتها مع آخر مبتكرات عصر التكنلوجيا.

أشهر المكتبات في العالم الإسلامي:

إن المكتبة بتلبيتها للحاجات الثقافية والتربوية والاجتماعية التي أسست من أجلها، أضحت أداة فاعلة، وضرورية لخدمة التقدم الإنساني، بل إنها أحد مفاتيح التقارب والتلاقح بين الحضارات والشعوب.

لأجل ذلك؛ تبادلت المكتبة الإسلامية التأثر والتأثير مع المجتمع الإسلامي نفسه، وعكست نظمه وآفاقه عبر الإنتاج الفكري الذي تطرحه، فجاز وصفها بمؤسسة البحث في مختلف فروع المعارف والعلوم. ويظهر اعتناء المسلمين بمكتباتهم في إيلاء مرتاديها الاحترام نفسه الذي يولونه لمحتوياتها. ويعتبر "بيت الحكمة" أول مكتبة عامة ذات شأن في العالم الإسلامي، ولعله أول جمعية علمية، أو جامعة يجتمع فيها العلماء للبحث والدرس، ويلجأ إليها طلبة العلم في جميع فروع المعرفة الإنسانية للاطلاع على الإنتاج الفكري قديمه وحديثه. فكان بذلك مركزا علميا شمل علوم الطب والفلسفة، والحكمة وغيرها.

ويمكن القول إن "بيت الحكمة" قد أنشأها الرشيد في أواخر القرن الثاني الهجري، وقد أصبحت زمن المأمون مؤسسة علمية متكاملة، تحوي أماكن للدرس، وأماكن لخزن الكتب وأماكن للنقل، وأماكن للتأليف إلى جانب الرصد الفلكي... وذلك عن طريق الثروة الضخمة التي جاءت إليها عن طريق التراث اليوناني وغيره... وقد صنفت هذه الكتب بحسب موضوعاتها، واختير لها المترجمون ممن لهم خبرة علمية بالموضوع الذي يترجمون منه، بالإضافة إلى سيطرتهم على اللغتين اليونانية والعربية[3].

ومن مكتبات العالم الإسلامي قديما "دار الحكمة" التي أسسها الفاطميون سنة 395هـ بالقاهرة، ونقلوا إليها أعدادا غفيرة من الكتب الموجودة في خزائن القصور الفاطمية، ومما يذكر عنها أنها كانت مكتبة ضخمة منظمة ومرتبة بشكل يسهل خدمة القراء فيها[4].

ولقد ظلت المكتبات لعدة قرون في العالم الإسلامي مرتبطة أشد الارتباط بالمساجد، وكانت المكتبات التابعة للجوامع في بغداد ودمشق وحلب وعمورية واسطمبول والقاهرة والقيروان وفاس وقرطبة، وغيرها من كبريات الحواضر الإسلامية هي المكان الأوحد، والأفضل للاطلاع على التراث العربي الإسلامي، وتراث اليونان والرومان والفرس والهند، وغيرهم من الشعوب.

ولا شك أن المكتبات ومصادر المعلومات في العصر الحاضر، قد ورثت بشكل مباشر أو غير مباشر ما زخرت به المكتبات العربية القديمة.

ومن نماذج المكتبات الحديثة في العالم الإسلامي: "مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية"، و"مكتبة الإسكندرية" التي أعيد بناؤها سنة 1995 بمساهمة مصر ودول عربية وأوربية.

المحور الثاني: تعريف التوثيق وتطوره في العصر الحديث.

التوثيق في اللغة له معنيان: أحدهما: الإحكام من وثُق الشيء وثاقة، فهو وثيق بمعنى محكم... وعلى هذا المعنى سميت الوثيقة وثيقة لأنها تحكم ما جرى بين المتعاقدين من معاملة. والمعنى الثاني: الشد والربط، من الوثاق وجمعه: وُثُقٌ... يقال وثقتُهُ: بمعنى شددته وربطته حتى لا ينفلت، وأوثقته إذا جعلته في الوثاق، ومنه الميثاق للعهد، واستوثقت منه: أخذت الوثيقة. وعلى هذا المعنى سميت الوثيقة وثيقة؛ لأنها تشد المتعاقدين بما جرى حتى يصير ميثاقا عليهما. [5]

أما المعنى الاصطلاحي للتوثيق فله تعريفات متعددة يمكن إجمالها في التعريف الآتي: هو العلم بكيفية تدوين التصرفات والمعاملات على وجه يصح الاحتجاج به. ولم يطلق مصطلح التوثيق في جميع استعمالاته إلا على مفهوم واحد يتعلق بالوثائق عموما، سواء ما كان يقصد به منها الإثبات القضائي أم الإثبات التاريخي. غير أنه في العصر الحديث استخدم مفهوم آخر للتوثيق يرتبط بالمكتبات وخدماتها.

ولما دخل التوثيق مرحلة الإلكترون تطورت فعاليته بشكل إيجابي، فالعقل الإلكتروني، والكمبيوتر، والاتصالات اللاسلكية عبر الأقمار الصناعية، غيرت تماما دور الوثائق في المجتمع المعاصر، وزادت من قدرة الأجهزة التوثيقية التي لا تجد مناصا من التجدد الدائم، لتخدم بصورة أكثر التحليل العلمي، والدراسات الموضوعية.

ثالثا: علاقة التوثيق بالمكتبات

إن التوثيق امتداد طبيعي لعلم المكتبات؛ إذ تربط بين الإثنين علاقات شتى يمكن إجمالها في ما يلي:

أ.التوثيق هو جانب من جوانب العمل المكتبي، إنه عملية جمع وتصنيف جميع مسجلات المعلومات الحديثة، وتيسير استعمالها لمن يحتاجونها من باحثين ومخترعين، وبدون التوثيق يمكن للمعلومات المسجلة أن تصبح مجرد مواد مبعثرة لا قيمة لها، قد تضيع في ذلك الفيض الهائل من الإنتاج الفكري العلمي.

ب.إن التوثيق نوع آخر من العمل المكتبي يمتاز بالعمق، ويهتم بالتحليل الموضوعي، والتغطية الشاملة لجميع المصادر، وللتوثيق خاصية التخصيص التي تميزه عن الخدمة المكتبية العامة.

ج. التوثيق يسعى إلى توفير المعلومات المكتبية وتخزينها وتصنيفها وبثها واستغلالها.

وبالجملة؛ فإن التوثيق يقدم خدمات جليلة للمكتبة؛ لأنه عبارة عن مجموعة من العمليات والأساليب الفنية اللازمة، لتوفير أقصى استخدام ممكن للمعلومات المنشورة والمطبوعات العلمية والفنية والقومية منها والعالمية، حتى لا ينفق الوقت والجهد والمال على بحوث سبق القيام بها في مكان آخر على وجه الأرض، وتشمل هذه العمليات: تقديم وجمع ونسخ أو تصوير وتحليل وتنظيم وخزن واسترجاع ونشر المعلومات العلمية والفنية وفق احتياجات العلماء والباحثين المختلفة[6].

نموذج توثيق بعض مصادر الجرح والتعديل:

ذكر الشيخ محمد عجاج الخطيب في كتابه "لمحات في المكتبة والبحث والمصادر" بعض المصادر الحديثية في الجرح والتعديل وقدم توثيقا لها، ومن هذه الكتب : "الضعفاء" و"الجرح والتعديل" و"الرفع والتكميل في الجرح والتعديل":

- «الضعفاء: للإمام أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري (194هـ-256هـ) وهو في جزء لطيف، رتبه على حروف المعجم، ورتب الأسماء في كل حرف، وذكر فيه أسماء الضعفاء فقط، ويذكر حكم كل راو بإيجاز. طبع الكتاب في الهند ملحقا ببعض الرسائل سنة (1349هـ) كما طبع مستقلا وفي هامشه الضعفاء للنسائي.

- الجرح والتعديل: لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (240هـ-327هـ)، وهو من أجمع كتب المتقدمين في هذا الباب، ومن أعظم ما وصلنا في غزارة مادته العلمية، وكثرة فوائده، وأوثقها صلة بنقاد الرجال الذين عرفهم تاريخ الحديث، يقع الكتاب في أربعة أجزاء كبيرة ضمت (18050) ترجمة، طبع في الهند في تسع مجلدات، مجلد للمقدمة التي ضمت قواعد كثيرة لهذا العلم مع تراجم لأكابر نقاد الرواة. ومجلدان لكل جزء من أجزائه الأربعة.

- كتاب الرفع والتكميل في الجرح والتعديل: للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي (1264هـ-1304هـ) هذا الكتاب هام جدا وقيم، فقد جمع أهم قواعد الجرح والتعديل، ومراتبه وبين اصطلاحات الأئمة النقاد في ذلك، وكشف عن أمور كثيرة من هذا العلم الجليل البعيد الأثر، مما يحتاج إليه كل مشتغل في الحديث ورجاله، بحيث وضح الطريق وبين أنه لا يكفي لتصحيح الحديث أو تضعيفه نقل أقوال النقاد من كتب الجرح والتعديل، بل لابد من معرفة مدلول أقوالهم، ومعنى اصطلاحاتهم، فاستوفى في كتابه هذا كثيراً من المهمات. وقد طبع هذا الكتاب في مجلد متوسط بتحقيق وتعليق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة سنة (1383هـ) بحلب»[7].

وخلاصة القول؛ إن التوثيق استمرار طبيعي للمكتبة، فبدونه تتعطل جملة من المصالح، وتتأخر كثير من الخدمات المكتبية، وتختلط بفقدانه الأبحاث وتتكرر الأعمال، ولهذا اهتمت به الدول في العصر الحديث فضلا عن الأفراد والجماعات، فأنشأت لأجله معاهد عليا بالكليات والجامعات في مختلف المدن والمحافظات.

==========

الهوامش

[1] محمد ماهر حمادة، المكتبات في العالم: تاريخها وتطورها حتى مطلع القرن العشرين، دار العلوم للطباعة والنشر، 1981، ص. 20-22.

[2] المرجع نفسه،ص. 16.

[3] أبو بكر محمود الهوش، لمحة حول الكتاب والمكتبات في الحضارة الإسلامية، طرابلس 1990، ص. 17-20.

[4] نفسه، ص. 25-29.

[5] د.أحمد مختار عبد الحميد عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة ، جذر: وثق، عالم الكتب الطبعة: الأولى ) 1429 هـ-2008 م(، 3/2398.

[6] شاهر ذيب أبو شريخ، علم المكتبات والمعلومات، عمان: دار صفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1997، ص. 119-120.

[7] محمد عجاج الخطيب، لمحات في المكتبة والبحث والمصادر، ط10، بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والبحث والنشر، 1985، ص. 217-2119.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC