مريم أحمد - المغرب

سجل الأموات

لم يكن يعلم أن أحلامه ستنتهي إلى قبر مسيج بالصمت والنسيان، ربما هو وهم الحياة الذي يحول الأشياء إلى أحلام تسكنه في الصباح، لكن سرعان ما كانت تغادره إلى أجساد تحمل أسماء متعددة.

الأحلام والأوهام تأخذ مسارا واحدا: أن يحلم أو يتوهم، يحيا أو يموت لا فرق. أحلامه أوهامه، حياته مماته.

يستقل الحافلة وفي قلب المدينة النابض، يترك الشاحنات وراءه. يتابع السير بمحاذاة المتاجر التي لم تعد تغريه بالنظر إلى سلعها المعروضة كما في السابق، يسابق الزمن وبالقرب من المصرف ينحرف يسارا. يصعد درج النقابة وفي تلك الغرفة الباردة يلقي التحية ثم يبحث عن كرسي لا زال يحتفظ بساقيه. يجلس ويخلص قدميه من الحذاء الذي حرص على تلميعه ككل اثنين غير آبه بنظرات الاستهجان.

ها هو ينظر، يستمع، يتابع الزعيم وهو يرفع يديه يرغي و يزبد. تختلط الكلمات. تصبح صراخا ثم آهات. ترتسم الحسرة على الوجوه. هنا في هذه الغرفة يظل الصراخ حبيس الأفواه والجدران.

حتى حين يضيق صدره يتململ عن كرسيه. يكور كفه. تهتز الطاولة. يعلو صراخه. تتفحصه العيون. تخرج الكلمات متشنجة مصحوبة برذاذ لم يفلح في إخفائه وهو يمسد على شفتيه، يواصل الصراخ بأعلى صوته:

"المأزق أننا هنا لعبة الصمت. أنظروا كيف صيرونا اشباحا مهزومة تتجرع الرطوبة والغبار، الكل يراهن على لعبة الصمت. هم يردوننا أمواتا. أعرف أن ما أقوله سينتهي في هذه الغرفة الأشبه بعلبة سوداء، لن تسمع إلا بنهايتنا".

ككل مرة يأتي فيها إلى هذا المكان، كان يبدو مثل بهلوان لم يستطع أن يزرع بذرة أمل في العيون التي كان تلاحق حركاته، غادر الغرفة ثم توجه إلى هامش المدينة.

عندما لفظته الحافلة كان بداخل مكتبه بقبو الإدارة وسجل الوفيات مفتوح أمامه: تواريخ تعلن عن نهاية أسماء كانت للتو تتنفس معه هواء المدينة المتعفن، كان كل شيء في مكتبه بطعم الموت: اسماء الموتى، العبارات التي كان يدونها يوميا. حتى زائراته كان الموت يطل من ثيابهن البيضاء.

شعر بالاختناق ولم يستطع مقاومة نوبة السعال التي انتابته. كان وجهه محتقنا عندما انتبه على صوت امرأة أقرب إلى الصراخ تذكره: "من فضلك..."

نظر إلى المرأة. ملابسها البيضاء حزمة ضوء أبرقت في وجهه. أغمض عينيه وإذا بيد تسحبه إلى مكان لم يتبين شكله، وفي الأقصى لمح المرأة ممدة بثوبها الأبيض وقد أخفت وجهها بين كفيها كأنها تمنع تسرب الضوء إلى ملامحها.

اقترب منها وإذا بصوت هائل يرج المكان. الجثث تقفز هاربة من سجل الوفيات: رجال. نساء. أطفال.

الكل يحدق. أحس بنظراتهم تحتل مسام جسده. همهماتهم جمدت حواسه المتحفزة. رائحة الموت تجرفه إلى العالم السفلي. أيقن أن موته لم يكن وهما فهذه الوجوه التي تركت نعوشها واندست في ملامحه تهوي به إلى حفرة عميقة. تجذبه إلى الأسفل.

تغوص قدماه. تتملكه رغبة في الصعود إلى أعلى. تنبجس دمعة من عينيه. تنحدر ببطء. يلثمها بشفتيه. طعمها المالح خذل إحساسه بتوقف الزمن.

ماتت الضحكة على شفتيه. جال ببصره في أرجاء القبو. تسمرت عيناه على المرأة. هالته نظرتها التي كانت تقبض على ملامحه وهي تذكره:

"من فضلك، شهادة وفاة المرحوم هذه. ساعة وأنا انتظر".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC