هدى الدهان - العراق

خشب قديم

في لحظة حنين أرسلت لها رسالة. كنت وحيدة ومريضة. استمر مرضي قرابة شهر كامل حتى خضعت لعملية جراحية أنهت تلك المعاناة. اشرف على علاجي أناس يتحدثون بنفس لغتها فتذكرتها. صديقة قديمة، أو هكذا كنت أراها. لم أكن أرى أو افهم. كنت كطفلة تتمسك بلعبتها حتى وإن بليت.

يومها تذكرتها وتذكرت خلافاً كانت قد افتعلته لِتُنهي تلك الصداقة. وقتها كان يوما شتائيا. وكنت قد اقتصيت ركنا بالمرآب، انا وزميلتان، نتدثر بسيارة صغيرة بانتظار الشخص الذي سيقلنا. بقينا هناك قرابة الساعة، بعدها خرج الجميع وذهبوا كل إلى بيته. ولم يأت الشخص الذي يقلنا، ولم يهمنا الأمر ما دمنا قد أخذنا مفاتيح السيارة مسبقا ًونتدفأ فيها لعلمنا انه سيتأخر قليلا.

رأيناها من بعيد تخرج وحيدة وتنعطف إلى الزقاق البعيد وإلى هنا انتهى الأمر. ولو لم تثر ثائرتها حين أخبرناها في اليوم الثاني أننا رأيناها لم يكن ليحدث شيء. ولكن ثورتها تلك وادعاءها أننا كنا (كلنا) نراقبها وكأن لا هم لنا في الدنيا سوى مراقبة تحركاتها أدى إلى تساؤلنا فعلا: لماذا غضبت؟ ومني بالذات غضبت أكثر. ولم اسكت حينها، وأخبرتها أن لنا همومنا وانشغالاتنا، ولأننا كنا وقتها نعمل وندرس في نفس الوقت لم يكن في ذهننا أن نمضي ساعة كاملة بالبرد والمطر لنراقب تحركاتها وإلى أين سينعطف بها الزقاق في هذا الوقت.

إلى أين كانت تذهب؟ وهل خشيت متابعة احد لها؟ ألقاء حبيب نعرفه؟ وماذا في ذلك؟ من منا لم يتلهف على لقاء من يحب؟

حاولت أن أصالحها وقتها فتَجنبَتْ وكففتُ. أخبرتني صديقتي الأخرى أن اتركها مستعينة بالمثل "من احبك يبلع لك الزلط ومن كرهك وقف لك على الغلط". ولأننا لم نخطئ في حقها، وأنا بالذات، وجدت رأي الصديقة الأخرى صحيحاً.

أثناء الصداقة العميقة كانت قد باحت لي بأسرار عن حياتها. ربما ندمت فأرادت أن تغلق هذا الباب، فهي لم تجد حجة أخرى تقطع بها ما كان، إلا حجة افتعلتها مخيلتها أو هكذا اقتنعت.

استمر كل منا في طريقه. ومرت الأشهر وتجاوزنا عن كل ما صدّقه غيرنا من أنها مريضة وتعاني وقد أجريت عمليتها الجراحية للتو، وغير ذلك من أخبار حتى حصلت على ترقية أذهلت الجميع، فآخر شخص كان يستحقها هي.
كانت تأتي محملة بعلب الأدوية تبتلع أقراصها واحدا تلو الآخر، وتضعها أمامها وهي تملأ أوراقها، وأنا متيقنة أن أقراصها هذه كانت (فيتامينات).

الكثير من أرباب العمل يتعاطفون مع امرأة وحيدة ومريضة وثرية وتحمل معها علبة الدواء. وكل هذا لا يهم. تصرفات صبيانية كما يقولون. الحق كانت حلوة ونفسها كريمة، ولا أدري ما حل بها في الفترة الأخيرة من تلك السنوات.

أغارت علينا الحرب في العراق وتفرقنا، ولم أرها بعدها إلا من بعيد في عزاء قريبة لي. ولم يهمني أمرها وقتها، فقد كانت المرأة المتوفاة اعز إلي واقرب.

بعد كل تلك السنوات تذكرتها وانا وحيدة ومريضة، ومن حولي يتحدثون لغتها، ولا افهم منهم شيئا. قلت في نفسي ليتها كانت هنا معي.

ما أن تعافيت وخرجت من المشفى حتى بحثت عنها. أسهل وسيلة هي العالم الافتراضي الذي يقولون إن فيه موقعا اسقط رئيس دولة. دخلته وبحثت عن اسمها في (فيسبوك) ووجدتها بنقرة زر. ها هي بشعرها الأشقر الذي اعتادت جدله بضفائر صغيرة مسحوبة للخلف. لطالما أحببت تجعيدته الطبيعية، وكرهتها هي وأحبت أن يكون سلسلا. ها هي بعينيها الخضراوين.

أرسلت لها دعوة صداقة وأخبرتها أنني بحاجة إليها ولم ترد لليوم. لا اعرف حقا المدة التي تظل فيه طلبات الصداقة معلّقة في فيسبوك، إلا أنني بحثت عنها مجددا فوجدتها قد أزالت صورتها ووضعت مكانها زهوراً صفراء. هذا يعني إنها قد حضرت وربما رفضت دعوة الصداقة.

مضى شهران الآن ولم ترد. في الحقيقة ندمت جدا على قراري هذا بالاتصال بها. لماذا أردت ترميم علاقة مع أخرى رفضتني؟ هل إلى هذه الدرجة أنا افتقد الصداقات؟

بعد انتهاء إجازتي المرضية عدت إلى العمل ووجدت أنني مخطئة تماما بظني أني بحاجة لصداقة، فالكل أحاطني برعايته، ولم أجد حتى ورقة واحدة متراكمة على مكتبي، فالكل قد تقاسم عملي وأتموه على أكمل وجه.

إحداهن احتفلت بعودتي كأني طفلة صغيرة، فأتت بالحلوى والبالون. وفرحت كطفلة فعلا. ومن بين أحلى الرسائل التي تلقيتها على بريدي كانت رسالة لصديقة من غزة وهي تصف لي دواء شعبيا أخبرتها أمها عنه.

رغم ما تعانيه أم مسنة في غزة من ظروف الحرب والحصار، ها هي مهتمة بي وتسأل عني. لكم فرحت! لا بل إني في خلال بحثي على النت قبل أيام عن أسباب مرضي وجدت موقعا قادني إلى آخر وآخر ولنساء يعانين من نفس ما عانيت وخرجن أقوى مني. راسلتهن، فرددن بأحلى الردود، وصرت عضوا في هذه المجموعات: نتناقش ونتباحث، وأتلقى منهن يوميا ردودا وحلولا ومساندة، لا بل اكتشفت أن ما كنت أعانيه كان سخيفاً قياساً بما كنّ يعانينه.

تذكرت قولا سمعته يوما "لا تبن بيتاً جديداً من خشب قديم". لماذا أردت ترميم صداقة على أنقاض تهالكت؟ أهو الحنين للماضي، أم لأننا نتمنى عودة أعوام من عمرنا أو فترة حلوة عشناها فنتمسك بشخص يمثلها لا حباً بهذا الشخص بقدر ما هو حبنا للسنوات تلك؟

خجلت من نفسي وأنا أرى أهلي وصديقاتي ومن تعرفت عليهن، حتى من خلال تلك المواقع فهن حولي ورسائلهن في بريدي. خجلت وأنا أتنعم بكل هذا الشجر المورق والزهور المتفتحة والنبات البري العطري يحيط بي ثم أبحث عن خشب قديم.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3153646

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC