إبراهيم قاسم يوسف

مُذهِلة حتى الانبهار

ومَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ

يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً

كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ

قفز حر بدون باراشوتفيليكس بومغارتنر (Felix Baumgartner) الاسم العصيُّ على لسان العرب، البالغ صاحبُه من العمر ثلاثة وأربعين عاماَ، مغامر نمساوي مهووس، تمكن أن يفرضَ نفسه ويستقطبَ انتباه ملايين البشر في العالم على مدى ساعتين وما يزيد. تصلبوا أمام شاشات التلفزة في خضم عالم مجنون بالتسارع والمغامرة، حينما قام بفعل خرافي يفوق الخيال، ويتجاوز قدرة العقل بقبول وتصديق صحة ما حدث، لتبقى هذه المغامرة نقطة بارزة في تاريخ البشرية وخيالٌ علمي جديد تحقق على يديّ هذا الرجل الشجاع، وترددتْ أخبارُه على كل لسان وبكل لغاتِ الأرض.

جازفَ بحياته في محاولة هي أشبه بالانتحار منها بالمغامرة، وحقق إنجازاً تاريخيا فريداً من نوعه، فلم يسبق لكائنٍ بشري حي أن تجاوز بجسمه سرعة الصوت، وتحَمَّلَ انخفاضاً هائلاً في الضغط الجوي، وبرودة كبيرة بلغتْ تسع درجات تحت الصفر، فلم يكن معلوما قبل قفزة فيليكس مدى أو قدرة استجابة الجسم البشري لتخطي سرعة الصوت البالغة نحو 1230 كيلومتر في الساعة، ما يعادل "ماك" واحد" (mach)(*)، في رقم متحرك إلى الأدنى أو الأعلى بفعل العوامل الجوية المختلفة كالارتفاع والحرارة وكثافة الهواء.

بمقتضى التسارع ومعادلة نيوتن والجاذبية، تمكن هذا المغامر من تجاوز سرعة الصوت في قفزة حرة هي الأعلى والأسرع والأخطر في تاريخ العالم، ومن المبكر القول إن قفزة فيلكس قد وضعتْ نظريات نيوتن وأينشتاين على المحك.

تردد لغط في الصحف والأخبار، حول صحة أو باطل سرعة الصوت التي بلغها المغامر. ولكن بالاستناد لقانون نيوتن الثاني (ثابت ج = 10متر/ثانية2) في معادلة التسارع، أؤكد وأنا مطمئنٌ أن "المغامر" تعدى سرعة الصوت بجسمه المكون من لحم ودم وعواطف تخاف وتطمئن.

وسرعة الصوت هذه ليست محددة بمسافة دقيقة، بفعل بعض العوامل المؤثرة كالارتفاع والضغط الجوي والحرارة وكثافة الهواء وكتلة الجسم (masse) في السقوط الحر.

حَمَلتْهُ من مدينة روسويل ( Roswell) في ولاية نيو مكسيكو الأميركية، إلى الفضاء كبسولة أو "قمرة" معلقة إلى منطاد مليء بغاز الهليوم. انطلقت الرحلة يوم الأحد في الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2012 في مناخٍ مؤاتٍ، بعدما تأجلت مراراً، واستغرقت رحلة الصعود نحو ساعتين ونصف الساعة فبلغ ارتفاع المنطاد، ولأول مرة رقماً قياسيا تجاوز 39 ألف متر، على حدود الغلاف الجوي للأرض (Stratosphère) في سابقة فريدة في التاريخ.

في اعتقادي بأن الرجل كان يعيش حالة من "الصوفية" أو الانعتاق المطلق، فلم يكن ليشعر بما يدور في الكون وحوله حينما بلغ الارتفاع المطلوب، وأوشك أن يرمي نفسه في الفضاء، حيث تستوطن قدرة الله المطلقة.

كان في قمرة المنطاد مكبلاً بفيض من المعدات، لعل أهمها على الإطلاق السترة المنفوخة الواقية على كامل جسمه، وخوذة تحصِّنُ رأسه وعينيه، وعبوة أوكسجين للتنفس محسوبة بدقة تكفيه وتفيض عن حاجته في الوصول إلى العلو الآمن، بالإضافة إلى تجهيزات أخرى حساسة، عالية الدقة لزوم الرحلة المغامرة.

في اللحظة الحاسمة لتركه الكبسولة كان عليه أن يفتح الباب المفضي إلى الفضاء المخيف، وكان عليه بالتالي أن يخفِّضَ ضغط خليَّة "القمرة" ليتقاربَ مع الضغط المحيط في الفضاء الخارجي، وإلاّ كان من المستحيل أن يتمكن من فتح الباب.

السيدات في البيوت يعجزن غالباً عن فتح المعلبات الزجاجية المضغوطة، ما لم يقمن بتنفيسها، فما بالك بباب تزيد مساحته مئات المرات عن غطاء كبرى المعلبات، ويزيد ضغط القمرة في الداخل عشرات المرات أكثر!

في درجة حرارة منخفضة، بلغتْ تسع درجات مئوية تحت الصفر، تعثرتْ سقطته في ثانيتين أو أكثر وجزعتُ للحظات أقل من الثواني. ولكن سرعان ما اطمأن قلبي وأنا أرى كبير المراقبين يبتسم من غرفة العمليات المواكبة للحدث على الأرض. في الثواني العشر الأولى بلغت سرعته سرعة الصوت، أو لنقل سرعة رصاصة تنطلق من سلاح حربي.

تجاوز منطقة الضغط المنخفض بسرعة قياسية تعدت سرعة الصوت. هكذا تجنب ما كان محتمَلاً أن يصيب جسمه ورأسه من التلف أو التخريب، لو قضى وقتاً أطول في المناطق الحرجة، بسبب السرعة والضغط المنخفض والبرودة العالية. وهنا يأتي دور السترة الواقية والخوذة ومدى قدرته الجسدية وتحمله، فلو كان جسمه ورأسه على تماس مباشر مع الفضاء الخارجي، كان لينتفخ ويغدو حجم جسمه أضعاف ما هو عليه: بحجم سيارة أو شاحنة صغيرة ربما، ثم ليغيب عن الوعي وينزف الدم من عينيه وأذنيه وفمه حتى الموت، لو أسقطنا مسألة التنفس والأوكسيجين من الحساب.

استغرقت رحلة العودة إلى الأرض ثماني دقائق أو أكثر بقليل، أربع منها أو أكثر في سقوط حر، حيث فتحت مظلته بصورة تلقائية (كما أعْتقد) بفعل الضغط الجوي الذي بلغه على علو منخفض محدد بـ 1500 متر عن سطح الأرض أو البحر. والأربع دقائق الأخرى استغرقه الهبوط الآمن بالمظلة.

وحينما بلغ الأرض لم يقع على جنبه كما يحصل عادة لهواة الهبوط بالمظلات. لكنه تمكن من التوازن بعد بضعة خطوات سريعة قبل أن يستقر في الوقوف، وعندها فقط تأكدتُ أنه عاد بالسلامة. كانت المغامرة مذهلة حتى الانبهار. قال للصحافة: "عندما نقف هناك عند قمة العالم، نشعر بتواضع شديد."

وبعد، فينبغي أن أشهد لوجه الحق، أمام أمهات العالم بأسره أن "آڨا بومغارتنر" (Felix Baumgartner) عافاها ربها، امرأة عظيمة بحق. استطاعت أن تروض عواطفها وتحكِّمَ عقلها، وتكبح دموعها وأن تنتصرَ على نفسها وتربي رجلاً يليق به الانتساب إليها.

ستنحسر المفاجآت لوقت طويل بعد قفزة فيليكس، حتى يأتي بطل آخر. من جهتي أتمناها بطلة "كآڨا" الأم، تفاجئنا بمغامرة أجلُّ وأعظم.

= = = = =

حواشي:

في حرارة 15 درجة مئوية، وعلى مستوى البحر، تبلغ قيمة الضغط الجوي 76 سم زئبق تقريباً، أي ما يوازي 1.033 كلغ من الضغط على مساحة كل سم مربع. وبناء عليه يتحمل الجسم البشري من الخارج ضغطاً هائلاً يبلغ الأطنان، يوازنه ويوازيه ضغط مماثل في جسم الإنسان من الداخل، وإلاّ كنا لننسسحق ونتحول إلى حجم تفاحة لا تزيد.

(*) الماك: وحدة قياس سرعة الصوت. "ماك" واحد يساوي سرعة الصوت.

قفز حر بدون باراشوت


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC