عدلي الهواري

دلال وألم الذكريات

ارتجف سمير واصطكت أسنانه. غطته زوجته بأغطية إضافية. كان يتصبب عرقا طوال الليل. في الصباح، أصرت زوجته على أخذه إلى قسم الطوارئ في المستشفى. اتصلت بمكتب التاكسي وطلبت سيارة بأسرع ما يمكن. ساعدته على تغيير ملابسه. ثم انتظرا معا وصول التاكسي.

أوصلهما السائق إلى مدخل قسم الطوارئ. أجلسته زوجته على أحد المقاعد، وذهبت إلى ممرضة الاستقبال لتسجيل وصوله. بعد دقائق أجرى له ممرض فحوصا روتينية قبل أن يأتي دوره للدخول إلى عيادة أحد الأطباء المناوبين.

عندما حان دوره، نودي على اسمه، وأشارت ممرضة إلى الغرفة التي يجب أن يدخلها. دخل وزوجته الغرفة فوجدا فيها طبيبة شابة. رحبت بهما، وطلبت منهما الجلوس. وكما العادة في المستشفيات، عرفت الطبيبة بنفسها. قالت: "أنا الدكتورة دلال. الرجاء الاستلقاء على طاولة الفحص."

أراد أن يتأكد من الاسم الذي سمعه.

"عفوا، ما الاسم ثانية؟"

"دلال. سوف أجري لك بعض الفحوص لأقرر ما ينبغي عمله لك."

ألقى نظرة على الاسم المثبت على روبـها الأبيض. في تلك اللحظة أصابه أيضا ألم الذكريات، فليس كل الذكريات جميلة.

قبل ثلاثين سنة، كانت هذه الشابة طفلة في عامها الأول. لا تدري دلال أن هذا الكهل الذي تعالجه اليوم كان قبل ثلاثين سنة شابا نشطا. يوم كان طالبا تعرف على والدها، رمزي، الذي كان يدرس في جامعة أخرى في المدينة. جمعت بينهما نشاطات فنية لدعم الشعب الفلسطيني.

كان لوالدها أصدقاء كثر يزورنه في بيته. وكانت زوجته تحسن ضيافتهم، فهي ككل الزوجات العربيات اللاتي يقدمن الأزواج وتكوين الأسرة ورعاية أفرادها على كل شيء. كانت دلال ابنتهما البكر، وكان كل الأصدقاء يهتمون بدلال حبا بها وبوالديها.

توطدت المعرفة بينهما، فصار سمير يزور رمزي في بيته، وبدأت دلال تعتاد على وجوده. وفي إحدى الزيارات التي أعدت خلالها الزوجة طعام غذاء وجلسوا حول الطاولة، أصرت دلال على الجلوس في حضنه، وأطعمها بيده من طعام الأطفال الذي وضعته لها أمها على الطاولة.

عندما بلغت دلال عامها الثاني قرر والداها أن يقيما لها حفل عيد ميلاد، دعي إليها كل الأصدقاء والصديقات، امتلأت الغرفة بهم. شيء ما عكر مزاج دلال فبدأت تبكي بحرقة. لم تفلح محاولات أبيها أو أمها لإسكاتها. مشهد كان مؤلما لوالديها. الحفل لها، وأقيم لبث السعادة في نفسها وها هي تبكي بحرقة.

بدأ الأصدقاء والصديقات محاولات تهدئة دلال التي تحملها أمها وتهز ذراعها لتهز دلال لتهدئتها مثلما تفعل الأمهات اللاتي يهدهدن الأطفال. لم تفلح محاولات الذين حاولوا تهدئتها. وعندما جاء دور سمير ليحاول مدت دلال يديها نحوه ليحملها، وضمها إلى صدره. هدأت دلال وتوقفت عن البكاء، وبعد ذلك بدأت حفلة عيد ميلاد دلال الثاني.

في فترة لاحقة، نشأ خلاف في وجهات النظر السياسية بين المشاركين في النشاطات. سمير ظن أن الموقف السياسي المختلف لا يؤثر على العلاقات الشخصية والصداقات، وعندما حدث تصويت في انتخابات على رئاسة لجنة تنسيق النشاطات، لم يصوت لصالح رمزي. بعد إعلان نتيجة التصويت، تـبـيـّن أن رمزي لم يحصل على أي صوت. كان مستاء جدا إلى حد أنه لم يصوت لنفسه.

أدرك سمير في تلك اللحظة أن شرخا في العلاقة مع رمزي قد حدث، فنتيجة تصويت كهذه لا مجال للتخمين بعدها من صوت لرمزي ومن لم يصوت. لا أحد يستطيع أن يزعم أنه أدلى بأحد الأصوات المؤيدة لرمزي.

انسحب رمزي بعد ذلك من المشاركة في النشاطات. وبدأ سمير ينسحب شيئا فشيئا من حياة رمزي. بدأت الزيارات تتباعد، ثم قرر سمير الرحيل إلى مدينة أخرى، ومن يومها لم ير دلال أو والديها.

ثلاثون عاما مرت وها هي دلال طبيبة شابة تعالجه دون أن تدري من هو. أيقول لها إنه يعرفها ويعرف والديها؟ أيقول لها إنه أطعمها بيده؟ أيقول لها إنها مدت يديها إليه يوم عيد ميلادها وكفت عن البكاء بعد أن ضمها إلى صدره؟

راودته نفسه أن يقول لها ذلك، ولكنه خشي أن يكون شبحا من الماضي يجب ألا يظهر فجأة في حياة طبيبة شابة قادها نجاحها إلى العمل في أقرب المستشفيات إلى بيته.

قالت الطبية بعد أن أجرت الفحوص: "سوف أصرف لك بعض الحبوب لعلاج إنفلونزا الخنازير. هذا إجراء احتياطي، فبعض أعراضك من أعراض هذا المرض. عليك تناول الحبوب ثلاث مرات في اليوم."

كان بحاجة أيضا إلى حبوب لمعالجة ألم الذكريات، لكن الطب لم يتقدم بعد إلى هذا الحد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3202835

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC