محسن الغالبي - السويد

أمهلني قليلا

محسن الغالبيقال لي "إضاعة الفرصة غصة"، وان بعض الفرص تمنحها الحياة مرة واحدة، واحدة فقط، فإن أضعتهما فكأنما أضعت الحياة بأجمعها.

لم اصدق عيني لحظتها، اطلت الوقوف، حدقت كمن لم يجرب عينيه من قبل، أو كمن يخشى أن يفقدهما من بعد. كيف يعقل أن أكون على هذه الغفلة؟ سنتان أروح جيئة وذهابا كما الأعمى، كيف يمكن الآن أن أثأر لتينك السنتين والعمر يعبر كالحلم أو اسرع، وقد مضى منه أكثره؟ كيف يعقل أن ما بيني وبينها لم يكن سوى دورين فقط؟

طالما أتعبت السلالم بقدمي وأتعبتني، وهي كذلك مذ عرفتها من قبل أعوام، تأنف أن تستقل المصاعد كي تحافظ على خصرها القاتل ذاك. كنا التقينا قبل أعوام في احد المعاهد، وسرعان ما تعارفت أعيننا، وكفـّانا، وأفكارنا، وعشق أكواب الشاي الساخن في بلد بارد يعشق القهوة.

كان يجمعنا شوق الشرق ووجع الوطن الذي يأبى الالتئام، كنا نفرغ لوعتينا في قدحي الشاي قبل أن نفرغهما في جوفينا.

كان دفء الشرق يأتي كله في دفء حديثها، وشمس الشرق تشرق بين عينيها حين تجلس قبالتي، ويتسرب الصيف إلى كفّي حين تصافحني. كنت أعجب كيف وهبني وطني الوحشي ذاك كل هذه الرقّة، وكيف وهبتني غربتي الباردة هذه كل هذا الدفء، وأتساءل كيف يمكن أن يسكن كل هذا الشجن في صوتها وهذه العذوبة في شفتيها.

كنت أتجنب الاقتراب منها كي لا يسكرني عطرها وهي التي كانت تتجنب كل العطور، وأتحاشى عناقها في بلد يدمن العناق كي لا تتفجر براكين الدم في عروقي.

بعد عامين التقينا، ربما أكثر، تصافحنا مستغربين نحن الاثنين كيف تسكن الرابع وأسكن السادس في ذات المبنى دون أن يجمعنا لقاء صدفة. اتفقنا على قدحي شاي بعد يومين. مضيت ليلتها أشم كفّي التي صافحتها وأتجنب حتى شطفها كي أحتفظ بآثار أصابعها عليها.

والتقينا، لم تغير السنون فينا الكثير فما زلنا وحيدين نبحث عما يبحث الغرباء عنه في غربتهم: شيئا من الوطن. أدركت لحظتها أنني لن أحتمل غصة أخرى، هي وطني في غربتي ولن أغادرها.

أفصحت لها عن الهواجس والخواطر والحروب التي تدور بداخلي، قالت: "أمهلني قليلا"، وتمنعت تمنع الشرق الذي يحترف التمنع. لم يكن تمنعها رفضا، ولكنه خوف أمهاتنا اللواتي يورثنه إيّانا.

مرّ عام، عامان، ثلاثة، وجوابها في كل تارة "أمهلني قليلا". يا الهي! ألا تدرك أن العمر يجري في الغربة أسرع مما في الوطن؟ أما تخشى أن يتسلل البياض إلى رأسينا؟ والانحناء إلى قامتينا؟ هل أدمنت الوحدة كما الآخرين هنا؟

مرت الأعوام وأنا سجين جوابها وهي سجينة خوفها. أقداح من الشاي، وورود بكل الألوان. يا الهي كيف لي أن أشرح أن العمر يمضي، وأن الانتظار سرطان يتغلغل في روحي قبل جسدي، وأن الله قد خلق الزمان كي يمضي بلا عودة، وأن الصبر مفتاح الجنون.

اليوم عزمت أن أضع للصبر حده، وان أضع حداً لانتظاري، ولخوفها. سأبوح بكل شيء. استبدلت الوردة التي اعتدت وضعها بين قدحي شايينا بشيء آخر هذه المرة، شيء يوافق جلسة الشاي: اشتريت قدح شاي أبيض وكتبت عليه أسمها بلون دمي: "إقبال".

ملعب للأطفالقبل اللقاء بساعة، كنت أقف في شرفتي في الطابق السادس ممسكاً بقدح "إقبال". احتضنته بكفّي معاً خوف أن افقده. أردت أن أطبع عليه ألف قبلة، ولم أفعل. أحببت أن تكون شفتاها أول من يلتقي القدح.

ومن شرفتي كنت أسمع صوت المترو عابراً محطة حيـّـنا، يتوقف بضع لحظات، ثم يعبر. ربما كان هناك من تردد في أن يستقله حينها، ربما أغلق المترو أبوابه عابراً غير عابئ بمدى الحزن الذي سيجثم على وجه ذلك المسافر.

شعرت لحظتها بتعب قاتل يتسلل إليّ سراعا، وملل يعصر روحي، شعرت بخواء يقتحم الآفاق كغمامة سوداء. شعرت بحنين يذبحني، حنين إلى أختي الكبرى، أحلام، كانت تعرف كل أسراري. تمنيت أن أجالسها الآن، أشاطرها قدح شاي، وحديث، أو ربما ... صمت.

أفلتّ قدح "إقبال" من كفيّ، أطلقته للريح وللخواء، منحته حريته، وأمهلته قليلا، ما يكفي للقاء أرضية الفناء الصلبة. تهشم متحولاً إلى شظايا.

فقدت حروف "إقبال" مقدرتها على النطق وعن البوح عن قاتلها.

لم أكن أنا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC