رحاب مليباري - السعودية

بيدي شنقت أمنياتي

أوراق الخريف تتساقط في الخارج وتجرد الأشجار من زينتها، تلبي نداء الريح، أن ارحلي إلى هلاك مؤبد.

يكسو الطرقات أمام منزل شاب عراه الزمان من حيوية شبابه، ثم ألبسه ثياب الهم، فشابت آماله ولحظاته، وأصبح كهلا في العقد الثالث، يلازم كرسيه المتحرك.

انعزل عصام عن أهله وأصدقائه، وعكف في غرفة ضاقت عليه بما رحبت، أطبقت عليه بما علا من بنيانها، تضيئها شموع تتراقص على أنغام قيثارة قلبه الذي يترع بالحزن، وامتلأت جدرانها بظلال الأشياء الكبيرة التي لا يكف نحيبها، فرسمت تصدعات وشقوقا، وامتدادات لآفاق فؤاده المكسور.

بدت الغرفة في سكونها تعبر بصرخات تتدفق من بين ضلوع الألم، لا يشعر بمعاناتها سوى عصام. كيف لا، وهو الذي يمدها مع كل زفرة حامية بتيارات تتولد من بين عينيه الواسعتين، ويبعثر مع الهواء شعوره بالتعب تحت مظلة الراحة، الخوف تحت سترة الأمان، والملل في أيام الأعياد، وأحيانا يخفف وحشته الإنصات إلى حفيف الأشجار، ولهو الأطفال وأغانيهم البريئة، ويعبس عند اقتراب صبية يتسلون برمي الحصى على حديد السيارات الواقفة والتي تصدر أصواتا تقتحم أذنيه بشراسة، لتضيء في ذهنه برق الذكريات وترعد في وجدانه الحسرات.

قلق وأرق، هكذا أصبحت عنده الحياة، تسير على نفس الوتيرة، قاسية مريرة، وهو صامت لا يتحدث إلى أحد، حتى أتت احدى الليالي الكاشفة، التي أخرجت عائلته لحضور زفاف أحد الأقارب، وتركته وسط هالات تشعره بأنه حبة رمل تدور في دوامة كبيرة.

وبينما هو غارق في تلك الحيرة، تذكر مذياعه القديم، الذي لم يلمسه منذ زمن، فلم يتردد في سحب مقبض يحرك عجلة كرسيه الذي يوجهه بطريقة محسوبة، معتمدا على صورة محفوظة، ليصل إلى منضدة قريبة، مد إليها يده متكبدا عناء كبيرا، وتحسس الأشياء حتى التقط ما يريد. أدار المفتاح وأخذ يستمع إلى بعض الأغاني القديمة، والبرامج الساخرة التي تذاع في مثل هذا الوقت. لم ينسها ولم يخطئ ميعادها، فقد كان يستمع إليها يوميا مع صديقه الراحل عمار.

بدأت تلك الموسيقى تدعوه إلى الغوص معها في ذكريات رحلاتهما، ومواقفهما المضحكة، كان مسترسلا حتى توقف ذهنه فجأة، لتنطق أسارير وجهه النحيل:

هاه، هذه هي الأغنية التي لطالما غناها عمار بصوته الشجي إذا رأى ابنة جاره الجميلة، كم أفتقد توزيعه للأغاني على كل مقام. ثم بدأ يدندن:

قوليلا يا جارتها — قلبي حن لدارتها
بحكيلا بغنيلا — يا جارتها قوليلا
قوليلا ما فيه ينام — سهران يألف أنغام
ما لو بالدنيي أحلام — إلا يطل مقابيلا

وهنا امتزج الطرب مع الذكريات وغسلهما دمع عينيه المنهمر، لم يتمالك نفسه، فانخرط في البكاء بصوت مرير، لامس مسامع أشرف، خادمه الأمين، ورفيقه الجديد الذي اتخذ له مضجعا في الغرفة المجاورة.

أسرع أشرف إلى عصام يسأله عما إذا كان محتاجا إلى شيء، وعندما لم يجد جوابا كرر السؤال، وبعد مرور خمس دقائق استجاب عصام بإطلاق تنهيدات بالكاد يستطيع فك قبضتها المحكمة على حنجرته، فاحتضنه أشرف في محاولة لتهدئته، وإذابة كتلة جليد جمدت لسانه.

مكث أشرف فترة طويلة إلى جوار عصام منتظرا، حتى ركدت عواصفه، ثم بادره بقوله: "تؤلمني هذه الحال التي أراك عليها منذ أن جئت إلى هنا، وأتمنى أن أكون قادرا على معرفة السبب، ربما ليس من حقي التدخل، ولكنني أرغب فعلا في مساعدتك، أو التخفيف عنك، أو ربما ستشعر بالراحة إن أفرجت عن أحزانك المسجونة بداخلك".

حدق أشرف بوجه عصام، فوجده كمن يصارع الموت، وتأمل عينين ذبلت بداخلهما ورود الحياة السعيدة، وشفتين تريدان التحدث لكن قسوة المعاناة تمنعهما، وتعيدان إلى حنجرته كل كلمة أرادت الخروج.

شجعه أشرف، وقبض على يديه ليبعث له رسائل صادقة، تؤكد بأنه سيحفظ سره، وبأنه سيكون عونا قدر المستطاع.

استرخى عصام، وبدأ يسترجع تلك الأحداث المرعبة.

آه، حقا لا أدري من أين أبدأ، لكنني سأخبرك عن تاريخ حفر أحداثه على جدار قلبي بمخالبه الحديدية، إنه اليوم الأسوأ في حياتي: الحادي والعشرين من شهر كانون الأول. استيقظت فيه مبكرا كعادتي، وتأهبت للذهاب إلى مقر عملي، وكما في كل مرة، على أن أمر لاصطحاب صديقي عمار الذي يقطن في البناء المجاور، فنحن نعمل في نفس المكان. عمار صديق رائع، هادئ الطبع بالرغم من تهوره أحيانا، وفي ذلك اليوم، بعد أن صعد إلى سيارتي، سلم علي وكان وجهه يفصح عن علامات بهجة وحبور.

بادرته بسؤالي: ما الذي جعلك سعيدا إلى هذه الدرجة، دعني أفرح معك يا أخي؟ فقال لي: لقد تم قبول مشروعي الجديد في إحدى الشركات الكبرى في الدولة، وعلينا أن نحتفل بهذه المناسبة. سعدت لهذا الخبر كثيرا وهنأته بحرارة.

آه، لايزال صدى ذلك الصوت المفعم بنغمات الفرح يتردد علي، ويدق أجراس الحنين.

ماذا حدث بعد ذلك؟

بدأنا بالتفكير في طريقة نقيم بها احتفالا يخص صديقين، وعرضت عليه العديد من الأفكار منها الغوص والاحتفال في أعماق البحر، فكلانا كان يحب البحر ويعده صندوقا كبيرا يضع بداخله أتراحه وأسراره. إلا أن عمار رفض الفكرة بقوله: لا بد أن نجد طريقة جديدة.

فكرنا في عدة سبل، ثم بدأ الشيطان يزين أمام ناظرينا لعبة السرعة، وسباق السيارات، راقت لعمار هدية إبليس، ومع إصراره وافقته الرأي، وقلت في نفسي: هيا، فما المانع في أن تكون مجرد تجربة عابرة واحتفالا مميزا يكسر الروتين.

وأثناء وقوفنا عند إشارة المرور، صادف أن تكون السيارة التي بجانبنا ذات حلة من الطراز الحديث، تتسرب من بين نوافذها أصوات الموسيقى الصاخبة، يقودها شاب يقاربنا بالعمر. نظر إليه عمار وأشار له بعلامة فهم منها الآخر بأنه عرض لخوض سباق، وما هي إلا دقائق حتى أعلن الضوء الأخضر عن البداية، فانطلقت السيارتان بكل ما أوتيتا من طيش.

وفي لحظات، احتدم الصراع بين الطرفين، كل منا يزيد من سرعته تدريجيا نكاية بالآخر، واستعراضا لمهاراته، ثم بدأت أتلفت وأحرك السيارة يمينا ويسارا، وبينما نحن في أوج اللذة بهذه المغامرة سمعت دوي ارتطام الحديد، خيل إلى بأنه ناقوس الخطر، أوقف العالم من حولي.

بدأ قلبي يخفق بشدة، غابت المناظر التي كنت أراها، اختفى صوت عمار وطغت عليه هتافات الناس أو ربما طلبات النجدة، لم أستطع التمييز، ولم أكن أحيط بما يجري، ثم فقدت وعيي وغاب عني كل شيء. صحوت وأنا على السرير الأبيض. سمعت صوتا نديا أعرفه، إنها أمي تبكي وتقرأ القرآن بصوتها العذب.

ناديت أمي لأعرف ما حصل، فأجابت "هون عليك؛ حادث بسيط وستشفى بإذن الله". لم ترد أن تدخلني في تفاصيل تؤرقني قبل أن أسترد عافيتي، ولم أكن أملك القوة لسؤالها عن المزيد، فكفاني علمي بأنني هنا نتيجة لحادث. هدأت لبرهة فأمسكت بيدي وقالت: سأعود إلى مقعدي، وإن احتجت إلى شيء ستجدني بجانبك، تشبثت بها واستوقفتها بسؤالي عن عمار: ماذا حل به؟ لاحظت أن فترة صمتها طالت فكأنما سألتها عن شيء لا تريد البوح به، ثم قالت بصوت يغلبه البكاء "إنه يرقد بسلام في غرفة أخرى".

ارتاح بالي عندما سمعت خبرا منها حجب عني ضوء الحقيقة المرة، أو ربما جاريت الهوى فأخطأت فهم كلماتها، أغمضت عيني وعدت لمعانقة الأحلام، فركت أمي شعري للحظات وهي تتأمل وجهي المصاب بعدة كدمات، تلمس الضمادات بيدها علها تخفف عني الألم، ثم صححت وضع الوسادة تحت جبيرة قدمي، وعادت لتكمل تلاوتها.

مكثت في المشفى مدة طويلة، والحادث أفقدني بصري، ونصف قدرتي على الحركة، فقد أصبت بشلل نصفي. صبرني كل أفراد عائلتي وطلبوا مني احتساب الأجر على ما أنا فيه.

بعد أن تحسنت حالتي، وأصبح ذهني صافيا وقادرا على استيعاب الأمور، أتى الطبيب لفحصي، وسألني عدة أسئلة ليتأكد من سلامتي، ثم أذن لي بمغادرة المشفى. كان اهتمام عائلتي بي كبيرا. وبعد مرور أيام على عودتي إلى المنزل، توقعت أن أرى صديقي عامر ليعيد إلى شيئا يربطني بأيامي السعيدة، لكنه تأخر، فسألت أخي عن عمار، فأبلغني بعد تردد بالحقيقة: لقد توفي عمار في ذلك الحادث.

لم أستطع تصديق كلامه، فكررت سؤالي، وأنا أتمنى أن أسمع إجابة تناقض سابقتها، إلا أنه قال لي: "أعلم أن الأمر صعب عليك، ولكن عمار رحل، وترك لك ذكرياته الجميلة. تحلى بالصبر يا أخي، فهذا قضاء الله وقدره".

عندئذ، عض عصام على شفتيه وتمتم: "ليت الزمان يعود، حتى أرفض ذلك السباق المشؤوم. ماذا جنيت منه؟ بيدي شنقت أمنياتي، وغيرت مسار حياتي، وها أنا الآن أجلس في مكاني يمزقني سكين الندم بعد فوات الأوان".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3221122

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC