إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

نزار قباني: نثره ومدى احترامه للمرأة

نزار قباني: نثره ومدى احترامه للمرأة

"الشعر رقصٌ، والنثرُ غناء"

في العدد الماضي (75) كتبت مادونا عسكر مقالة عن الشعر ومفهومه لدى نزار قباني. وفي هذه المقالة، يقدم الكاتب إبراهيم يوسف وجهة نظر مختلفة في نزار قباني يظهر فيها جوانب إيجابية وسلبية.

أذاتَ الصليبِ اللؤلؤي تلفّتي؛

وراءَكِ هذا المؤمنُ المتطرفُ

فلا تمنعي أجري وأنتِ جميلةٌ

ولا تقطعي حَبْلي ودينُكِ يَنصفُ

على صدركِ المعتز، ينتحرُ الأسى

وتبرا جراحاتُ المسيحِ وتنشفُ

الشاعر نزار قباني

بضمير المؤنثِ الغائب؛ تَحَدَّثتْ عن الشاعر بمحبة وأريحية وحماس، فما الغريب أن تتحدث امرأةٌ بإعجاب عن شاعرٍ تيَّمه الهوى، فبذلَ حياتَه ورهنَ قلبَه؛ في الغزَلِ وإطراءِ النساء؟ ألا تقتضي الأمانةً والشغف أن تفيه بعضَ حقه؟ فما بالكَ حين يكون الشاعرُ نزار قباني؟ وتكون المتحدثة كاتبة حصيفة لبقة كمادونا عسكر المعنية بالإشارة إلى الضمير في مستهلِّ الكلام.

"أتساءل؛ وملف قضية الشعر العربي، "والأدب المستريح" بين يديّ، فهل يحق لي أن أمدَّ أصابعي إلى هذا الهرم المنحوت من ورق الورد، ورفيف الأحلام، أو ينبغي أن أبقى في المنطقة الحرام لا تحب ولا تكره؟ ما دامتْ أسطورة السلطة للأدباء "الملوك" قد انتهت من زمان، فتيجان المجد لن تعطى بعد اليوم إلاَّ لمستحقيها، ولن تُرفعَ إلاّ فوق هامات الرؤوس المتخمة بالعطايا والهبات"؟

نزار قبانيما دمتُ أحسنُ القراءةَ والكتابة وأهوى الشعر أيضاً، فينبغي للأمانة والإنصاف أن أشهدَ بلا إذنٍ أو سماح بأن نزار قباني أنشدَ شعراً جميلا في مقاماتٍ لا حصر لها. لم يُعْنَ بالمديح والحكمة ولا الرثاء. لكنّ الأدلة ساطعة وعديدة على ما قاله من الشعر البديع؛ ومن جميل الكلام.

هذا الشاعر غنيٌّ عن التعريف، غزا قلوبَ النساء؛ أو "الحريم" كما يحلو له أحياناً أن يقول، وأقامَ فيها بلا استئذان؛ فلا يحتاجُ أبداً إلى شهادتي. لكنه؛ لو عادَ إلى الدنيا مرة أخرى، لأنكرَ على نفسه الكثير مما كتبه أو غنّاه. فهل يصحُّ لمن نذرَ نفسه للمرأة، وهو الحريص على مشاعرها النبيلة؛ وعينيها الجميلتين، أن يقولَ فيها:

فَصَّلْتُ من جلدِ النساءِ عباءةً

وَبَنَيْتُ أهراماً من الحَلماتِ

وكتبتُ شعراً لا يشبه سحرُه

إلاّ كلام اللهِ في التوراةِ

مارستُ ألف عبادةٍ وعبادةٍ

فوجدتُ أفضلها عبادة ذاتي

هل أضع خطاً باللون الأحمر تحت صدر البيت الأول؟ أم أضع الخط تحت عجز البيت الأخير؟ ثم ماذا أفعل ما بين العجز والصدر؟ أي جنون ذاك الذي رَكِبَ "بجماليون" هذا المغرور الغاضب؛ المتردد بين "جالاتيا" الزوجة والصنم، ودفعه ليقول ما قال؟ أليست هذه سادية على المرأة وافتراء؟ المرأة التي ألهمته فأقامَ لها صنماً يعبده، ثم طالبها أن تعفِّرَ جبينها عند قدميه؟ أليس هو القائل بصيغة المتكلم؛ وعن سابق تصور وتصميم؟

"آمنتُ بالحسنِ الأجير فركلته، وذللته، ووطأته بدراهمي"

ما هذا الكلام الغليظ الفاحش، وأي "بضاعة" يروِّجُ لها الشعراء؟ إن كان ما أشرتُ إليه قليلاً لا يكفي، فتعالوا معي إلى المزيد مما جاء في قصيدته؛ "إلى أجيرة"، ولن أتعداها إلى مطارحَ أخرى، لا تقلُّ عما يفيضُ فيها من أسباب اللوم وأشكال العتب:

"بدراهمي لا بالحديثِ الناعم

حطمتُ عزتك المنيعة كلها بدراهمي

ولهوتُ فيك، فما انتختْ شفتاكِ تحت جرائمي

والأرنبان الأبيضان، جبنا

فما شعرا بظلم الظالم

وأنا أصبُّ عليهما ناري ونار شتائمي

قد كان ثغرك مرة ربي؛ فأصبح خادمي.

ردي، فلستُ أطيقُ حسناً لا يردُّ شتائمي"

"وجالاتيا" حيَّرَها أمرُه، فسكتتْ على الإهانة، وآثرتِ الصمتَ على الكلام. ثم خانته عندما دبِّتِ الروحُ فيها. "يا هوه"، أليستْ هذه هي الخلاعة بعينها؟ وهل هذا شاعرٌ أم لحَّام؛ وشتّام؟ هل"يَتَمَرْجل" على مخلوقةٍ منكودة؟ فلا يمدُّ لها يد العون لتنجو من الغرق وهو الشاعر، أكثر ما يمسُّه ويستفزه مِحَنُ الآخرين وآلامهم؟

وهل أقارن "الأجيرة" بـ "الأطلال" مثلاً؟

"لستُ أنساك، وقد أغريتني بفمٍ عذبِ المناداة رقيقْ

ويدٍ تمتدُّ نحوي، كيدٍ من خلالِ الموجِ مُدَّتْ لغريق

وبريقٍ يظمأ الساري له، أين في عينيكَ ذياك البريق"

هل هناك أرقُّ وأحلى؛ من الحرير والقبل وعطر الزنابق؟ هل هناك أعذب من دمعة في القلب، ونشوة الخمرة في متاهة الروح؟

الشاعر إبراهيم ناجيإبراهيم ناجي، "وفي سياق الحديث عن الشعر"، لعله آخر الشعراء "الصعاليك". وهذه بلا ريب ليست إهانة، فالصعلكة في المفهوم الإيجابي للكلمة، ظاهرة إنسانية واجتماعية، في إطار التعريف عن موقف الفرد والجماعة.

وبعد؛ ألا يستوجب القول في هذه العجالة بتجرد صادق، بأن نزار قباني كان نرجسياً مدللاً، عاش حياته مرعوباً على صورته في عيون الآخرين، ممن عاصروه وزاحموه من الشعراء. نصَّبَ نفسه أمينا عاماً وقاضياً وحاكماً ليس على الشعر فحسب، بل على الأدب بصورة عامة. ولعله لو انصرف إلى النثر دون الشعر لحقق نجاحات أوسع، وجنى ثروة أوفر.

"سنمزق (الفرمانات) التي جعلت من هذا شاعر العرب. ومن ذاك شاعر الشام الأكبر. منذ عشرين عاماً تفتحت مداركنا الصغيرة على طبقة من الأدباء، كانوا يبيضون كل سنة بيضة واحدة على مدرج الجامعة السورية، أو في حديقة المنشية، أو على سور مقبرة الدحداح، فلا تتعدى نظم قصيدة في رثاء الموتى. تلفتنا إلى الأبطال الذين طالما ملأوا مخيلتنا بالرؤى والأحلام، فلم نجد إلا هياكل خشبية "وأقزاماً"، لها أشكال الفرسان، ولكنها لا تتحرك إلا بالنوابض والمسننات"، فهل تأملتم جيداً هذا الكلام؟

"نرسيس" لم يرَ إلاَّ صورته على صفحة البحيرة، فقدَ صوابه ونسي ثلة كبيرة من الشعراء الميامين ممن عاصروه، كالأخطل الصغير، وسعيد عقل، ومحمود درويش، وبولس سلامة، والجواهري، ومحمد الفيتوري، وعبد الله الفيصل، وصالح جودت، وجوزيف حرب، وعبد الوهاب البياتي، ومرسي جميل عزيز، ونازك الملائكة، وكامل الشناوي، وميشال طراد، والأخوين رحباني وأحمد فؤاد نجم، وأمل دنقل، وطلال حيدر، واللائحة تطول، تطول كثيراً ولا تنتهي.

لم يكتفِ نزار قباني بجلد المرأة، بل جلد أبناء جنسه من الرجال فاستخف بهم، واتهمهم بالخمول والغفلة والتواكل والهزيمة، واتهمهم بالباطل والهوان والخدر "والحشيش". والخنوع لما تسوقه لهم أقدارهم. لم يترك فينا ستراً مغطى إلاّ كشفه، فذاكرتي زاخرة بالكثير مما لا يتسع له كتاب أو مجلد.

ولكن: ولكن في مطرحٍ آخر؛ ينبغي للأمانة أن أشهد أيضاً بأنه احترم دائماً قناعاتِه، وعزّةُ نفسه كانت غالية عليه، فلم يتخلَ يوماً عن مواقفه أو يخنها. قال في السياسة كلاما منصفاً وجريئاً، ونأى بنفسه عن بعض الحكام؛ وعن ثروة أكبر كانت ممكنة لو لم "يَهْجُهمْ"، فلم يتزلف لهم أو يرأف بأحوالهم، وسدد ثمناً باهظاً مشكوراً عليه. الحق هو في هذا الجانب من أبناء العشائر وحسب.

بعد وقت قصير من مقتل زوجته العراقية بلقيس في تفجير مبنى السفارة العراقية في بيروت (1982)، وكان قد تجاوز من عمره الستين، امتنع عن مقابلة حدد موعدها بنفسه، لأنه كان يتوقع أن تجريها معه امرأة، حينما التبست عليه مسألة "الاسم". يقول الصحافي المكلف: "كنت منصرفاً إلى معاينة الأسئلة، فلم أره يدخل القاعة. لكنني تنبهت إلى حضوره بفعل العطر الذي سبقه إليّ. ثم غادر عارياً تماماً فلم يعتذر ولم يخجل".

"منذ أن امتدت يد أول إنسانٍ، إلى أول زهرة برية ليحملها إلى أنثاه، التي كانت تنتظره في غارٍ حجري، ليقول لها: لم أصطد اليوم شيئاً لطعامنا. لكنني حملتُ إليك هذا الكائن الجميل، الذي وجدته مختبئاً في شقوق صخرة هناك. إنه يشبه انفتاح فمك يا حبيبتي".

فتنةُ الكلمة في الشعر والنثر، هي السر في الوصول إلى عقل المرأة وعواطفها، إفريقية لؤلؤية الأسنان كانت، أو إسكندنافية يتجمع سحر الله في عينيها الملونتين. تبقى الكلمة هي المفتاح السحري إلى كل القلوب.

مارون عبودولكي أكون منصفاً مرة أخرى، ينبغي الاعتراف أن نزار قباني كان مخلصاً صادقاً وبارعاً، حين رَدَّ على مارون عبود في "جانين والوجودية"، وسلَّمَ بعبقرية الأديب الناقد؛ "تطهرت ريشته من سواد الحقد" في دنيا الأدب. يقول مارون عبود ("أبو محمد"):

"الشعر رقصٌ، والنثر غناء، فارقص لنصفق لك يا نزار".

تميز نزار قباني في رده على مارون عبود ببراعة الصياغة وطلاوتها، ببساطةٍ بلاغية وقدرةٍ مذهلة في حرفة النثر. لو كان يتسع المجال لأشرت أيضاً إلى نثرية رائعة، في رثاء الشاعرة ناديا التويني، زوجة الصحافي المغفور له غسان التويني. والكثير من سائر النثر الجميل، كالبنادق والعيون السود. يقول نزار في ردِّه على مارون عبود:

"يعتبر بعض الناس أنفسهم سعداء إذا وجدوا في امتداد زمني واحد مع واحد من هؤلاء العباقرة، الذين أعطوا الإنسانية تراثاً لا تزال الأرض تشرب منه وتسكر؛

الذين عاشوا في عصر بيتهوفن وموزارت وليست، والذين عاصروا تولستوي أو ليوناردو دافنشي أو غوغان أو رودان أو فان كوخ. كل هؤلاء يعتبرون أنفسهم من رفيعي الأقدار.

ويوم يجيء الدور إلينا ويسألنا سائل: وأنتم يا شعراء الفترة الممتدة من عام 1940 صعوداً إلى اليوم، من هو هذا الكبير الذي كان يقيِّم آثاركم، ويزن الريش النابت في أجنحتكم، ويدوزن الأنسجة الطرية في حناجركم؟

يوم يواجهنا سائل بمثل هذا السؤال سنقول له بلا تردد: "كتبنا شعراً في عصر مارون عبود. وعلى "محكّ هذه السنديانة الماردة برينا أقلامنا، وتركنا أسماءنا". السنديانة التي تفتحُ زنودها لمئات العصافير الزائرة، لا تبخل على واحدٍ منها، بخيمة أو ظل، أو سرير ورق أخضر، أو زوادة قش يحملها قبل أن يرحل".

وهذه أيضاً مقتطفات يسيرة مما جاء في "البنادق والعيون السود"، أستدلُّ بها على ملكة الشاعر وقدرته في صياغة النثر:

"الآن تعودين من معسكر التدريب، وأنت كالراية المتعبة، كالزورق العائد من رحلة مجد. جلست أدخِّن، وأتأملك قطعة قطعة، كما لو كنت لا أعرفك من قبل.

جوربك الصوفي الخشن، راحتاك الملوثتان بشحم الزناد، حذاؤك الآكل من جبين الصخر يترك على أرض الحجرة قطعاً من طين يابس هي أثمن ما تضمهُ حجرتي من تحف.

أرأيت كيف تنتقل بلادي إليّ. كيف تتحول إلى ذرة غبار على قميص شجاع. قعدت أتأملك وأنت كزهرة اللوتس الوحشية. ليس على فمك شيء. ومع هذا فهو أروع من كل شيء. ذلك الثغر الراقد كنصف كرزة حمراء، لا يعرف من الطعام غير الهواء، والشمس، وجيرة العصافير.

كانت المرأة في بلادي قطعة من قطع الآثار، ليرة ذهبية ملفوفة بالقطن. تعويذة كتبها شيخ لا يعرف الكتابة. ثم انفكَّ السحر يا صديقي وخرجتِ من قطنك، من الصدفة الباردة المغلقة. وها أنت تجلسين أمامي أغنية بطولة تقرع نوافذ الشمس".

"الشعر نار الإنسان، ونار الإنسان لا تموت، ما دام في شرايين قلبه قطرة زيت، أو قطرة حب، ومن شاء أن يدخل منطقة الحريق بمحض إرادته، فعليه أن يحترق أيضاً".

في هذا المقتطف البسيط من كتاب "الشعر قنديل أخضر" وغيره من الآثار النثرية بين يديّ، تفوق نزار قباني في الغناء على الرقص، وفي نثره على شعره. وكم كان مفتوناً بنفسه، فعاش حياة أرستقراطية عارمة، فيها الكثير من أسباب الترف والتعالي، لا تكفيه غرفة واحدة في الفندق ويضيق عليه الجناح. قرأ "ذاكرة الجسد" (*) أمام بركة السباحة في فندق "السمرلند" في بيروت؛ كما يقول، فتولته وهو يقرأ الرواية حال من "التوتر والجنون، فكان اقتحامياً متوحشاً وشهوانيا شبقاً".

تربع في قلوب النساء، وحاشر عمر بن أبي ربيعة بل سبقه فاحتل قلوبهن، فَأُعْجِبَتْ به كلُّ امرأةٍ قرأتْ ولم تقرأ؛ كتبتْ ولم تكتبْ. سمعتْ ولم تسمعْ بنزار قباني. لم يعاشر أصناف "الغلابى" من الفقراء والمحرومين، لكنه نال حظوظاً في الشعر والمال ربما أكثر مما يستحق أو يتوقع.

وبعد؛ لم أظلمِ الشاعر أو أفْترِ عليه. وله أسوة بالمتنبي، حين قال باطلاً ولم يسلم من النقد والسؤال. وأما ما قلته، فإنما يصدرُ عن نية حسنة وقلب أبيض؛ وعن قناعة ليست نهائية، فالموضوعية الأدبية الخالصة والإنصاف تبقى كلها في النهاية من القضايا المستحيلة، كما يقول الشاعر في رده على مارون عبود، والقواعد العامة قد تكون صالحة في كل الأمور، إلاّ أنها ساقطة في النقد والتقويم. وفي الشأن الأدبي والفني الخالص يبقى القلب وحده المخول في الحكم على ماهية الأشياء: على بحيرة البجع، وعلى الجوكاندا، وعلى قفا نبك.

= = = = =

(*): عنوان رواية للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC