مادونا عسكر - لبنان

قراءة في قصيدة لفراس حج محمد

عندما تلامس الرّوح إدراك المطلق: قراءة في قصيدة "هِيَ امرأةٌ من المطلقْ" (*) للشاعر فراس حج محمد

هي امرأة، صاغها الشّاعر فراس حج محمد من رحيق المطلق، من رؤى شعّ سناها في روحه، فانسكبت وحياً في قصيدة دوّى فيها رنين الصّمت البليغ. فالصّمت حين يجتاح قلب الإنسان، يحرّك روحه، ويفجّر إبداعه الكامن في أعماقه.

أبيات أشبه بعقد من الياسمين، يفوح من كل بيت عطر مميّز ومختلف، لعلّه عبق تلك المرأة السّاكنة في قلب القصيدة.

هي امرأة يحاكيها الشّاعر ولا يصف لنا ملامحها، وإن تهيّأ للقارئ ذلك. فالضّمير (هي) وإن دلّ على غائب، إلّا أنّ حضور المرأة قويّ في روح الشّاعر، إذ يستهلّ القصيدة بقوله:

"هي امرأة أبكت فؤادي دهره".

هي الغائبة في الحضور، والحاضرة بقوّة الرّوح، أيقظت قلباً كان غارقاً في المآسي والأحزان، وانتشلته من قعر الحزن، لترفعه إلى مستوى الألم المبدع.

ويتجلّى الإبداع هنا في محاولة الشّاعر ملامسة امرأة غير مدركة حسّيّاً وإنّما يتفاعل روحيّاً معها، وكأنّها امرأة من عالم آخر، عالم الشّاعر وحده. ويرشدنا إلى هذا المعنى، السطور التّالية:

هي امرأة تنام على رفوف الغيب

سارحة وشارحة بلا لغة

كلاما لا يعاد ولا يفسر،

فالمعاني خاملةْ

تختلف لغة هذه المرأة عن لغتنا، ولا يفهم لغتها إلّا الشّاعر، بما أنّه يدرك أنّ كلامها لا يعاد ولا يفسّر، ولم يعنِ أنّ كلامها غير مفهوم. وكلامها لا يُعاد، لأنّه ليس مستهلكاً ولا تقليديّاً. كما أنّه لا يُفسّر، لأنّه كلام يفيض من روح عذبة، ما إن نصغي إليه حتّى تستشفّه أرواحنا دون حاجة للشّرح.

هي امرأة تتحلّى بقوّة فريدة، سلاحها جملٌ نقيّة غير مشوّهة، تواجه بها عالماً تعصف به الرّياح.

هي امرأة العوالم في غموض واضحٍ

هربت بها الجمل النقية من شوائبها

لتبحر في القوانين الغريبة مثل موج البحر

أشرعة تقاوم كل ريحْ

تستمدّ هذه المرأة قوّتها من عوالم غامضة، ويدلّنا الغموض هنا على عوالم المرأة السّرّية الّتي ترتقي بروحها، وتمنحها قوّة مختلفة عن قوّة العالم. قوّتها في طهرها ونقائها تدلّ عليها جملها الخالية من الشّوائب، قوانينها، أشرعة بيضاء، تقاوم بسلاحها كلّ ريح.
يرمز شاعرنا إلى امرأته بالدّفلى، والنّسرين والفلّ، والدّفلى شجر زهره أحمر ومنه ما هو أبيض دائم الخضرة، كذلك النّسرين والفل ورد أبيض، ليقول لنا أنّ هذه المرأة ترشح حبّاً وطهراً ونقاء:

هي امرأة، من الدفلى، من النسرينْ

من الفلّ المسافر في متاهات الجوى

كتبت حكايتها سطورا،

رتلتها في تصاوير الجسدْ

هذه المرأة تسافر في الحزن وتكتب حكايتها صوراً تعبّر من خلالها عن الشّجن العميق الّذي اختبرته. ولكنّها لا تنقل الحزن للآخرين وإنّما ترتّله، لتزرع الفرح في القلوب.

وننتقل إلى مقطع مليء بالتّناقضات المعبّرة والّتي تزخر بمكنون المرأة.

هي امرأة تصوغ جمالها شعرا بلا خجلٍ

بلا تدليسْ

هي امرأة بلا سيف تدافع كل سيف من مجونْ

هي امرأة تغني في المساء وفي الصباحِ

على لحون الحب أحلام السكونْ

تمتلك هذه المرأة الجرأة لتصوغ شعرها بتعابير قويّة وشجاعة ولكن دون أن تخدش حياء من يرتشف شعرها. لا تقتني أسلحتنا المعروفة، ولكنّها بسيفها تحارب التّهتّك والمجون.
امرأة شاعرنا تغنّي بسكون وهدوء، فيصدر من قيثارتها ألحان الحبّ، فتطرب الصّباح والمساء.

ليست التّعابير تناقضاً يدعو لعدم فهم المرأة وإنّما الشّاعر أراد أن يوصل لنا فكرة مهمّة، ألا وهي أنّ هذه المرأة لا يحدّد معالمها العقل، وإنّما تعاينها روحه، فينظرها ببصيرته وقلبه.

هي امرأة تدلت من شقوق النجمِ

تجدل فجرها زهرا شهيا

حاملا قلبا تعرى أبيضا

يعطيك ما يعطيك كي تروى وفي الروح عطشْ

هي امرأة جلاها ما تسرب في مسامات الحروف من النغمْ

هي صورة نثرت مقاطع وجهه برءا من الأسقام

في جسد الألمْ

وكأنّ الشّاعر ارتوى من قلب المرأة المفعم بالنّقاء، وشُفي غليل روحه المتعطّشة إلى عالم الارتواء، عالم يُمنح فيه الماء الّذي إن ارتشفته الروح لا تعود وتشعر بالظّمأ. ويسيل نغم المرأة داء يطيّب جروحات الشّاعر، ويداوي آلامه فيبرأ وترفّع عن كلّ ألم.

ويحاكي الشّاعر امرأة متصالحة مع ذاتها، واثقة من أهدافها، تعاين بقلبها الّذي هو الأصدق أنّ من آلف حياتها يتجذّر فيها، لأنّها امرأة المطلق، تسكن اللّامحدود وتجذب إليها كلّ قلب.

هي امرأة وحسبكَ أنها عرفت بكل دقة قلبها

أن المسافر لن يعود بغير خفّ هارب من متن قصتها

فتحت نهايتها على فيض من المطلقْ

هي امرأة من المطلقْ

نهايتها بداية مكتملة، منفتحة على ما وراء حدود العالم، على اللّامتناهي. جالسة على عرش العالم وتصبو إلى ما هو أرفع وأسمى منه.

ويرتحل الشّاعر في أعماق امرأته، ويرتفع ويحلّق ليلامس قوّتها الخفيّة العجيبة، مدركاً أنّه لا يمكنه الاستغناء عنها. هي الّتي تمتلكه وتحرّره في آن، من سيف الوقت، تلقي في ليله الضّياء بأغنية وشجى.

يحملها معه في أسفاره الشّعريّة، لتنسكب عليه وحياً إبداعيّاً، هي المستعدّة دائماً لمواجهة الشّدائد، بجرأة وعزم، وصدق. هي الصّوت المدوّي في قلب الشّاعر، يهزّ كيانه وينتشله من غرق السّنين.

هي امرأة الحنين، جناح قبرة الأرقْ

هي امرأة مهرّبة من الوقتِ المؤجج بالغرقْ

هي ليلة ترتدّ قافيةً وأغنيةً وحزنْ

هي عُدة لكل أسفارٍ

قواربها في عُرض بحرْ التيه معطوبةْ

تشدّ الرحل والترحال شاهدة لموت السطرْ

لحظاتها مثل الرعود جريئة تبني بصوت النفس

هيبتها بلا شيء من التقديم والتأخيرِ،

واضحة كعين الشمس في عزّ النهارْ

هي امرأة المعارك والسرايا والقتالْ

وتبقى الصّورة الأجمل والأبهى، مطبوعة في قلب الشّاعر، يتأمّلها ويرنو إليها كلّما هفّت روحه لتعانق المطلق. يستقي منها اللّغة الأخرى ليخطّ بها أبياتاً يفوح منها أريج امرأة من المطلق.

= = = = =

(*) نشرت القصيدة في صحيفة "الدستور" الأردنية بتاريخ: 14-9-2012.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3202835

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC