إبراهيم قاسم يوسف- لبنان

من لا يتقن لغة أخرى

قبلَ الطوفان، لم تكنِ القططُ مَخْلوقَة بعد، فلم تكنْ في عدادِ الحيواناتِ على ظهْرِ السفينة. لكنْ حينَ انتشرتِ القوارضُ والفئران، وأخذتْ تلتهمُ مَخْزونَ الطّوْفِ من الزادَ، أوحى الرَّبُ "لجلجامش" أو "نوح" كما تقولُ "الأسطورة" أن يضربَ الأسدَ على رأسِه. وحينما فعل عطسَ السَّبعُ، فانحدَرَ من منخاريه زوجانِ من القطط: ذكراً وأنثى. ومنذ ذلك الوقت خُلقَتْ هذه الكائنات، وتولتْ مَهَمَّةَ القضاءِ على الزواحفِ والهوام. أمَّا وقد تبدَّلَ الزمن، وَتَقَلّصَتْ قدرةُ القطط على النّيلِ من الفئران، وتحولتْ إلى "دمىً" تطيبُ ملاطفتُها فحسب، باتَ "توم وجيري" وحدهما يذكران بالعَداوة الأزلية بين الهرِّ والفأرة، ويحتلان حيزاً يثيرُ الدَّهْشَةَ، في عقول الكبار والصغار سواءً بسواء، وأنا من أشدِّ المعجبين.

= =

توم وجيري"توم" تخطى مرحلةَ المراهقة إلى عُمْرِ البلوغ، لكنّه شرسٌ بطبعِه، خشنٌ في التعاطي مع الأطفال، ومختلفِ القوارضِ والهوام، متمردٌ يعيشُ على هواه، صوفه أنيقٌ وأسود، وعيناه فيروزيتان لامعتان، فيهما شررٌ من نارِ الجحيم، يرى عن بعدٍ حبةَ الخردلِ في الظلام، ينامُ مفتوحَ العينين، ويلتقط الإشارة والأصوات بكفاءَةِ "الرادار". يتمتعُ بمرونةِ مدهشة في استعراضِ عضلاتِه وإداءِ أرشقِ الحركات. نالَ المِدالية الذهبية في كمالِ الأجسام، وسَجّلَ رقماً قياسياً جديداً في العَدْوِ السريع. مخالبُه تخدشُ المَاسْ، وقريحته حادة في المكرِ والمناورةِ والدّهاء.

ولكنّ فأرةً مراوغةً عَصِيَتْ عليه، فقضى معها الليلَ بطولِه في الكرِّ والفر. لم تنتهِ ليلتُه إلا مع خيوطِ الفجر. لمَحَها مراراً وفشلَ في تعَقبِها والنيلِ منها، فالفأرةُ "البَاتَارْدْ" (1) أذكى وأشدُّ دهاءً من "توم". فازتْ بالمرتبةِ الأولى ونالتْ سَعَفاً ذهبياً مضفوراً كالتاج، جائزة على براعتِها في الرياضيات. وفي لعبةِ الشطرنج هَزَمَتْ "لاسكر"، وحاصَرَتْ له المَلِك، بعد تَرَبُّعِهِ على عرشِ البطولةِ سنواتٍ بعدَ سنوات.

اسْتفاقَ "توم" من نومِه مُعْتكِرَ المزاج، والنعاسُ ما انفكَّ يراودُ جفنيه، والعجوزُ كانتْ قاسية معه، أدَّبَتْه بعصا "المسَّاحَة"، فالمرأة لا تتساهلُ في توبيخِه وعقابِه كلما أغضَبَها، أو نشرَ في بيتِها الفوضى والفساد. لكنّها سرعانَ ما تسامحُه وتنسى، فتعقدُ عليه آمالاً كبرى، لعله يؤدّي رسالتَه ذاتَ مرّة، فيرضيها وينال من الفأرة.

"جيري" هي الأخرى نامتْ في جحرِها حتى الضّحى ولم تستفقْ من نومِها إلاّ والهرُّ يموءُ ويتزلفُ عندَ أقدامِ السيِّدة، والعجوزُ تُحَضِّرُ لقِطِّها وجبةَ طعامٍ دَسِمَة. لكنّ مواءَ الهررة محطةَ إنذارٍ مبكرة. يموءُ الهرُّ فتهربُ الفأرة. هكذا تنجو من مخالبِه في كلِّ مرة.

ما إنِ انتهى الهرُّ من شربِ الحليب حتى نادى الفأرةَ قائلاً لها: أين أنتِ أيتها الغبية اللئيمة؟ وردَّتْ "جيري" تقول: ألغبي من يفشل في النيلِ من الفأرة. وابنُ الحرام اللئيم؛ من يصادقُ العجوز الدردبيس. لن أتركَ جحري هذا النهار، سألتزمُ السكينةَ والهدوء، فكتابي معي سأقرأه وأرُدُّ على رسائلِ المعجبين. ومؤونتي قطعةُ جبنٍ كبيرة تكفي ليومينِ وأكثر، غَنِمْتُها حين خدعتُك وخدعتُ العجوزَ "البقرة". هذه الزانية نَصَبَتْ لي فخاً في الممر إلى "التّسقيفة"، ألا ليتَه أطبَقَ على يديها الاثنتين، وكَسَرَ أصابعَها العشرة.

هكذا مَضَتِ الأيام وتوالتْ معها فصولُ الحكاية، فأعدَّ الهرُّ عدَّته ورابطَ في المطبخ في الليلِ والنهار، وراحَ يتجسسُ على الفأرة مستنفرَ الأحوال، يتوقفُ في الزوايا يرهفُ السمعَ مخطوفَ الأنفاس، يَشْتَمُّ الروائح، يُمَوِّهُ نفسَه بين الأمتعةِ التالفة، "والكراكيبْ" (2) بالتعبيرِ المبتكرِ الجديدْ. "وجيري" تعودُ لجُحْرِها؛ تلجأ إليه بسرعةِ البرقِ كلما تناهى إلى مسامعِها حركةٌ أو مواءْ.

أخيراً وضعَ الهرُّ "الإصبعَ في الجرحِ" وأدركَ سِرَّ اللعبة. بعدما وَصَفَتْهُ بالحقود والعاجزِ المعتوه، حينما ناداها صبيحةَ ليلِ المعركة واليوم المشهود، فلجأ في ومضةِ وحيٍ وَتَنْوير إلى حيلةٍ أخرى. انتظرَها أياماً ثلاثة، حتى نفِدَ زادَها وقرأتْ كتابَها. وألحَّتْ عليها أمعاؤها. وحينَ أرهقَها الجوع، لجأ إلى الحيلةِ الأخرى، فبدلاً من المواء كما تفعلُ الهررة، راحَ ينبح ويقلِّدُ كلبَ الحديقة.

وحينما تناهى إلى مسامعِها صوتٌ صديق، خرجتْ "جيري" آمنةً مطمئنة، تفتشُ من جديد عن رزقِها في كسرة خبزٍ يابس، أو قطعةِ جبنٍ أخرى. لكنّ الهِرَّ المُخادع أطبَقَ عليها وأمْسَكها، فنالَ منها بخطّة بارعة واستوفى الثأرَ لنفسِه، ووقعتِ الفأرةُ في أسره، فقالتْ له واللومُ يسْحَقُ قَلبَها: من يقرأ ويكتب، ولا يتقن لغةً أخرى، تنطلي عليهِ الخدعة، ويُمْنى بخسارةٍ كبرى، فيقعُ بين مخالبِ الهرّ ويموتُ بداءِ الغباءِ والحسرة.

= = = = =

=1= (باتارد) Bâtarde مفردة فرنسيَّة تعني إبنة حرام.

=2= إشارة إلى موضوع بعنوان "كراكيب" للطبيبة الكاتبة أمل النعيمي في العدد 70 من عود الند.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3150149

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC