عدلي الهواري

كلمة العدد 75: عن معايير حقوق الإنسان

عدلي الهواريثمة جدل في الأوساط الأكاديمية وغيرها حول معايير حقوق الإنسان، فهناك من يريدها عالمية، وآخرون يريدون أن يترك أمرها لكل بلد أو ثقافة.

ينطلق بعض مؤيدي التنوع في معايير الحقوق من رفضهم للهيمنة الثقافية، وتحديدا الغربية، والحرص على التنوع الثقافي في العالم. ويبدو هؤلاء محقين في وجهة نظرهم عندما تستخدم حقوق الإنسان كذريعة تبرر التدخل في شؤون الدول الأخرى، إلى حد التدخل العسكري وتغيير النظم الحاكمة، وفي الوقت نفسه يتم السكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان بمقياسها العالمي والمحلي في الدول التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع مستغلي فكرة حقوق الإنسان.

على سبيل المثال، أثناء الحرب الباردة وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي كانت الدول الغربية ترى انتهاكات حقوق الإنسان في الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية، ولا تراها في دكتاتوريات أميركا الجنوبية وغيرها.

ورغم الهالة التي تحاط بها المعايير العالمية لحقوق الإنسان، إلا أن تطبيقها منظم بقيود قانونية، تجعلها بلا قيمة فعلية لو سمح باستغلال القانون لإفراغ الحقوق من محتواها، وهذا ما يحدث فعلا حتى في الدول الديموقراطية، ولذا فإن المحاكم المختصة بالبت في انتهاكات الدول لحقوق الإنسان، كالمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، تؤكد على أن الحالات التي تجعل القيود على ممارسة حقوق الإنسان ضرورية في المجتمع الديمقراطي حالات قليلة، وهي دائما أقل من الحالات التي تسعى فيها الحكومات إلى تقييد ممارسة الحقوق.

وثمة رأي يرى أن الدول عندما تقرر الانضمام إلى الأمم المتحدة، فهي توافق ضمنا، إن لم يكن صراحة، على احترام المعايير العالمية لحقوق الإنسان. ولكن في التطبيق العملي تلتزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالمعايير العالمية بالقدر الذي يناسبها، فمن الممارسات الشائعة في المعاهدات الدولية التحفظ على بند أو أكثر، كما الحال في سيداو، الميثاق المتعلق بمنع التمييز ضد المرأة.

بعد أن بينت أن المبدأ والممارسة لا يسيران جنبا إلى جنب، أود العودة إلى النقطة الجوهرية في الموضوع وهو المقياس: هل يجب أن يكون عالميا، أم مختلفا حسب البلد والثقافة؟ في رأيي أن من يعتقدون أن المعيار العالمي يعني هيمنة ثقافية مخطئون. وسوف أوضح أسباب اختلافي مع هذا الرأي.

للمنتمي إلى شعب أو ثقافة أو دين ما حقوق وواجبات، وبالتالي فإن احترام هذه الحقوق تبعا لهذه الانتماءات حق أصيل، ورغم ذلك يتم انتهاك هذه الحقوق بذريعة اختلاف الحقوق المحلية عن الحقوق العالمية.

لرفض الهيمنة الثقافية وجوه عديدة، منها السياسي والاقتصادي، وفي مقاومة الهيمنة في هذين المجالين ما يكفي للحفاظ على التنوع الثقافي المرغوب عالميا، فالتنوع الثقافي الذي يرحب بمطاعم ومقاه وأشياء أخرى كثيرة غربية ويتمسك بالعصبيات المختلفة تنوع ثقافي مزيف.

معايير احترام الحقوق اختلفت على مر الزمان. عندما بدأ طرد العرب والمسلمين واليهود من إسبانيا، اختار الكثير من اليهود العيش في العالم الإسلامي لأن معايير احترامه للحقوق كانت أفضل من معايير الدول الأوروبية آنذاك. أوروبا تقدمت، وتقدمت أيضا معاييرها. ولذا، ليس هناك ما يمنع تطور معايير الحقوق في الدول غير الأوروبية ودون أي ضغط من الخارج.

العالم هذه الأيام منفتح، ولا يستطيع أحد أن يغلق مجتمعه. في الماضي كان ذلك ممكنا، فما على نظام الحكم إلا أن يقيد السفر من البلد وإليه، ويظل المجتمع في حالة جمود مئات السنين. هذا غير ممكن حاليا، خاصة في عصر دخول التكنولوجيا في كل شيء.

بناء على ما سبق، من الأفضل لمن يرفض المعيار العالمي الحالي لحقوق الإنسان أن يقدم للعالم معيارا أفضل، فيصبح المعيار الجديد هو المعيار العالمي، فتصبح الدول الغربية مطالبة باحترامه، وعندئذ ستكون حجتها واهية إذا رفضت بذريعة الاختلاف الثقافي.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


مراجع للاستزادة

Beetham, D. 2004. Democratic Quality: Freedom and Rights
http://iis-db.stanford.edu/pubs/20433/Freedom_and_Rights.pdf

Humana, C. 1987. World Human Rights Guide. London: Pan Books.

Mouffe, C. 2008. Which World Order: Cosmopolitan or Multipolar? Ethical Perspectives 15(4), pp. 453-467.

Klug, F., Starmer, K., and Weir, S. 1996. The Three Pillars of Liberty: Political Rights and Freedoms in the United Kingdom. New York: Routledge.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3380850

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC