محمد محمود التميمي - الأردن

ذكريات قلم حبر جاف

خمس أناملٍ وراحة يد صغيرة أمسكتني بقوة وغرزتني في قلب الورقة المسكينة، بدأت هذه اليد الصغيرة جيئة وذهاباً لأترك ورائي خطوطاً محفورة في جسد الورقة الضعيف، كانت خطوطاً عشوائية لا معنى لها.

فجأة، أطلقتني هذه الراحة الصغيرة كصاروخ بالستي قُصف به الحائط، ارتطمت بشدة ووقعت على الأرض، لم نكن نبكي أو ننزف فقد كنا جافي المشاعر والحبر. مكثت هناك لبرهة من الزمن، التقطني بعدها شاب ووضعني بين صفحات دفتره وخرج.

بعد ساعات من المعاناة والرزح تحت ضغط الأوراق والكتب، خرجت لأشاهد النور. أمسكني الشاب وبدأ الكتابة؛ أرقام وحسابات وكلمات بلغات ورموز مفهومة وغير مفهومة، لا اعرف ما كنت اكتب، ولكن ما عرفته أنني اجتهدت كثيراً في تلك الدقائق. ثم ومن دون سابق إنذار، دسني الشاب في فمه وبدأ يقرض أطرافي ويتسلى في ذلك، ولم تتوقف معاناتي عند ذلك، بل كنت مجبراً أيضاً على اشتمام روائح الفلافل والقهوة والتبغ التي يعج بها فم هذا الشاب.

الحمد لله أن ذلك لم يدم طويلاً، فعدت لصديقتي الورقة أحملها بكل ما هو مفيد، قبل أن أعود ثانية بين طيات الورق وثنايا الكتب. هناك شعرت بالاختناق، فقزت خارجاً، لأشعر بالحرية لأول مرة، وقبل أن اعتاد على جو الحرية هذا، التقطتني سيدة، نفضت ما علق بي من غبار، ووضعتني في حقيبتها.

يا للروعة! الكثير من الأقلام من مختلف الأحجام والأشكال والألوان. ويا لها من لحظات رائعة التي كنت أقضيها مع قلم الكحل، وتلك الألعاب التي كنت أتشاركها مع أحمر الشفاه، حتى أنني شاهدت جسدي النحيل لأول مرة في مرآة هناك.

ويا للأسف، هذه السعادة لم تدم طويلاً، فتحت الحقيبة، ودخلت إليها أنامل السيدة كأنها شهب مرسلة للبحث عني، حاولت الاختباء خلف محفظة النقود تارة، أو التنكر بين أقلام الزينة تارة أخرى، ولكن السيدة كانت تقصدني هذه المرة أنا بالذات، فلم تتوقف عن البحث حتى قبضت علي. وقتها، كتبت قائمة طويلة وبفعل خبرتي المتواضعة، عرفت أنها قائمة طويلة من طلبات التسوق، أنهيت الكتابة وبقيت طوال الليل بجانب القائمة نتجاذب أطراف الحديث.

في الصباح، كنت بين يدي الزوج، خشنتين رغم كبر سنه، عدت للعمل مرة أخرى ولكن هذه المرة بالتدريج وبعشوائية، فشطبت كل ما كتب في القائمة، وما أن انتهيت من شطب جميع ما عليها، رماها الزوج العجوز دون اكتراث لحديثنا الذي استمر حتى الفجر، تخلص منها حتى دون أن أودعها. ثم دسني في جيبه وتابع يومه.

في جيبه، شاهدت قطعا نقدية من مختلف القيم، بعضها ورقي وآخر معدني، لم أستطع الانسجام معها، فكانت طباعها حادة، ولديها جشع وطمع وحب سيطرة. مكثت بعض الوقت هناك في طرف الجيب متجنباً الاختلاط معها. كانت يد ذلك العجوز تدخل الجيب من فترة لأخرى لتقبض على بعض النقود أو لتضع المزيد منها. حتى جاءت اللحظة التي أخذني العجوز ليضعني على طاولة كبيرة.
كانت هذه الطاولة تحوي مختلف الأوراق والأقلام وأدوات القرطاسية.

لفت انتباهي قلم حبر سائل، كانت الفضة التي تكسو جلده والحروف الإنجليزية المحفورة عليه تدل على مستواه الاجتماعي المرموق، ولم يكن منوطاً به أي عمل سوى التوقيع. أما نحن، أنا وباقي أقلام الحبر الجاف، فكان العمل الشاق من رسم وكتابة وشطب من نصيبنا. كنت أرقبه وأتمنى لو أن حبري اقل جفافاً، وأن عائلتي اسمها "باركر" لأكتفي فقط بالتوقيع ولا أقف سوى في ذلك البيت الخشبي، وتنظر إلي بقية القرطاسية بعين الرهبة والحسد والتمني.

قطع صوت ضعيف مسلسل خيالي، كان قلماً جافاً أفنى جل حبره في كتابة مواضيع عادية و تواقيع وهمية ورسومات على أوراق لم تكن أحسن حالاً ولا مصيراً منه.

قال لي هذا القلم الذي لم يبق من حبره سوى القليل ليستعين به على آخر أوراق حياته: "يا بني، إياك أن تنافق، وأكتب الحق وإن لم يرد صاحبك ذلك، و..." وقبل أن يتم نصيحته امتدت له يد ترتعش، حاولت التوقيع على شيء ما، فلم يستجب. رجته اليد ونفخت فيه وبللت رأسه، ولم يستجب. بعد أن تعبت هذه اليد من تعذيب هذا العجوز رمته في سلة المهملات ظناً منها انه لا يحتوي على الحبر، ولم تعرف هذه اليد أن هذا القلم العجوز كان يحتوي على ما يكفي من الحبر للتوقيع وما يكفي من الضمير ليرفض.

ذهبت اليد نحو القلم الفاخر، تناولته ونزعت عنه الغطاء ووقعت بكل سهولة على الورقة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3154228

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC