إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

الثعلب ونصوص أخرى

الثعلب

كان يطوفُ بحذر في أرجاءِ الغابة إلى جوارِ قصرِ الأمير، يتحينُ الفرصةَ لينقضَّ على طيورِ الحديقة، والأميرُ مولعٌ بالصيد وعاشقٌ للفرو، والجنسِ اللطيف، يتحيَّنُ الفرصَ للإيقاع بالثعلب، وأبو الحُصَيْن يدركُ قيمةَ جلدِه ويعرفُ نوايا الأمير، ولم يَنْسَ بعد أنه خَسِرَ تسعةً من أعزِّ أصحابِه. تصيَّدَها الرجلُ عندما انتقلَ إلى جوارِ الغابةِ للسكنِ في القصرِ الجديد. أفرغَ أحشاءَها وحنَّطها، ووضعَها في زوايا القاعةِ الكبرى، ليزدانَ بها قصرُه المُنيف.

فشلَ الأميرُ مئآتِ المرات أن ينالَ من الثعلب. كان كلما طاردَه، يتوهُ في الغابة، أو ينسلُّ ويدخلُ القصر. ثم يختفي فلا يتركُ وراءَه ما يدُلُّ على أثر. أعدَّ له مطبَّاتٍ كثيرة وخابتْ مساعيه للإيقاعِ بهذا الماكرِ العجيب.

مضتْ سنتانِ وأكثر والبندقية "أمُّ الناظور" لا تُخْطىءُ الهدف، ولا تفارق كَتِفَ الأمير. كان يترصّدُ الثعلبَ وحين يطاردُه، لا يحصدُ معه إلاَّ الخيبة والفشل. رسمَ الخطط؛ وأعيتْه الحيل لكي يظفرَ به ويشفي منه الغليل؛ فالضغينةً ما زالتْ تَحْفُرُ في قلبِه مُذ فَتَكَ بالطاووس أغلى ما يملكُهُ الأمير. هكذا أرهقَ الجميع، يتعقبونَه فيختفي بلمح البصر، لكأنَّه فصُّ ملحٍ يدخلُ القصرَ ويذوب.

جنديٌ قديم صديقٌ للأمير، خَدَمَ معه أيَّامَ "العسكر"، واشتركا في الكثير من المعاركِ والحروب. أتعبتْه الوحدة فأتى يزورُ القصرَ؛ ويجدِّدُ صداقتَه للأمير. كان الخدمُ مستنفَرين يتعقبون الثعلب، وهم في حالٍ من الغليان والّصَّخبِ الشديد، فالثعلبُ كان داخلَ القصر، وفشلوا للمرةِ الألف أن يحاصروه أو يجدوه.

بعد أن تمشى الصديقان طويلاً في الحديقة دلفا إلى القصر، يجولانِ في باحاتِه وممراتِه وغرفِه، والأميرُ يشرحُ بالتفصيل لصديقِه الضيف، عن سجادِهِ وتحفِهِ وتاريخِ لوحاتِهِ، وما تتسمُ به من قيمةٍ تاريخيةٍ عظيمة لا يدانيها مثيل.

وصلا إلى القاعةِ الكبرى، وتزدانُ أرضها بسجادٍ "عجميٍّ" من بلادِ فارس. تتوسطها بركةٌ من المرمر تسبحُ فيها أصنافُ السمكِ الملون، هدِيَّةً قَدَّمَتْها له "بارونة" إيطالية. أما مقاعدُها فمن خشبِ الأرز، وجدرانُها زاخرةٌ بلوحاتٍ نادرة، أشتراها الأميرُ من فلورنسا وڨيينا وباريس، وتتوزعُ في زواياها تسعة ثعالب أحسنَ تحنيطها؛ تفتحُ عيونَها فيتبادرُ إلى الأذهانِ أنها حيَّةٌ تُرزق.

كان الأميرُ وصديقُه في طريقهما إلى المكتبةِ المقابلةِ للقاعةِ الكبرى، حينما تنبَّهَ الصديقَ وهو يحصي الثعالبَ المحنطة؛ أنّها عشرة، ليستْ تسعة كما كان يعتقدُ الأمير.


وثعلبٌ آخر

ثعلبٌ آخر، توأمُ الثعلبِ الأوَّل، تخرَّجَ مع أخيه من ذات الجامعة بامتياز، أتقنَ فنَّ السياسة والاقناع. حملَ خطاباً بليغاً أعدَّه عن "الحربِ والسلام"، ليلقيه على مسامعِ البابِ العالي في استنبول، والتقى عسكرَ السلطان على الحدود؛ فأخبروه أنّهم في البلاد، يستخدمون الحمير يرسلونهم مع الحملة إلى "السفر برلك"، للسخرة وقضاءِ مصالحِ الرعيَّة.

مهروا له جواز سفره وأكدوا السماحَ له بالدخول، فلا ضيرَ عليه من الزيارة ما دامَ لا ينتسبُ إلى هذه الفصيلة، وما دامتْ السخرةُ تقتصرُ على الحمير.

لكنَّ الثعلبَ خافَ على نفسه وعادَ أدراجَه إلى دياره. وعندما سألوه عن السبب، قالَ لهم: "سأتورطُ وقتاً طويلاً في الخدمة وأعمالِ السخرة، قبلَ أن يميزوا بين الثعالبِ والحمير".


هاجسُ الحلزونة

"أم أربعة وأربعين" أتتْ تزورُ "الحلزونة" في بيتِها. قرعتِ البابَ وانتظرتْ. انتظرتْ لحظاتٍ خالتْها دهراً طويلاً. وهمَّتْ بالرحيل، حين أجابَها صوتٌ من الداخل يسألُ "من الطارق؟"

وأجابتْ تقول: "أنا جارتكِ أم أربعة وأربعين".

"وما الأمرُ؟" سألتِ الحلزونة.

قالتْ أم أربعة وأربعين: "لا شيءَ على الإطلاق، زيارةٌ وديةٌ يا عزيزتي، حملتُ معي قهوةَ الصباح لكلتينا فلا تخافي أو ترتبكي".

قالتِ الحلزونة: على الرَّحبِ والسعة، أهلاً وسهلاً بك مع أختكِ وفي دارك. لكنني أنهيتُ تنظيفَ المنزلِ للتوّ، وينبغي أن تنظفي أقدامَك جيداً قبلَ الدخول.


هرَّةُ "نيوتن" وكلبُه

إسحاق نيوتن فيزيائي، وفيلسوف إنكليزي. عالم رياضيات، كيميائي وفلكي وعالم لاهوت. وضعَ الأسُسَ الأولى لأهم نظرياتِ "الميكانيك". واحدٌ ممن تركوا بصماتٍ بارزةً في تاريخِ حضارةِ البشرية، وساهموا في بناءِ حضارةِ اليوم، ومنها محرك الطائرة "النفَّاث".

نيوتن هذا الذي "دوَّخَ" العالم، فماذا فعل؟ فتحَ كوُّةً في الجدار، ليعبرَ إلى الحديقةِ كلبٌ له كان يؤنسُ وحدتَهُ، فلا يبقى سجيناً في غيابِه. وعندما اشترى هرةً تؤنسُ وحدةَ الكلب، فتح لها كوةً أخرى، ليُسَهِّل عبورها إلى الحديقة أيضاً.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3180822

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC