محمد يوب - المغرب

ق ق ج: بين الانغلاق والانفتاح

القصة القصيرة جدا: بين الانغلاق والانفتاح

محمد يوبإن القصة القصيرة جدا عمل أدبي مختزل ومكثف، يعتمد تقنية الإقلال اللغوي المفضي إلى تشظي المعاني، عندما تقرأ نماذج منها تشعر بأنها قصيرة جدا لكنها غنية جدا، تشعر المتلقي بومضة ليست مضيئة وإنما خاطفة، تستفزه أكثر مما تضئ له المحيط الخارجي، تثير فضوله بطريقتها الملغزة، وما تنتجه القصة القصيرة جدا في ذهن المتلقي يعتمد على حساسية وقتية معينة لا نستطيع القول إن كانت قد تملكتنا أو أثارتنا.

وهي بذلك تكون مثيرة للاختلاف تحيل إلى مرجعيات كثيرة هي "المكتوب من قبل" أي أنها نص مفتوح على كثير من القراءات وتشجع على إنتاج المعاني وتوليد الدلالات. فعندما تكون القصة القصيرة جدا نصا مفتوحا scriptible يكتب لكي يعيد القارئ كتابته أو إنتاجه، لأنها تحول المتلقي إلى منتج إيجابي عوض أن يكون مستهلكا سلبيا.

وهناك عوامل متعددة تساعد على توليد المعاني في القصة القصيرة جدا من بينها عملية التناص وما يولده في ذهن المتلقي من تداعيات، فالنص القصصي القصير جدا ليس بنية مغلقة وإنما هو بنية مفتوحة دوما على نصوص أخرى تتقاطع معها شكلا ومضمونا، مما يساعد على قراءتها قراءات متعددة لأنها تحتمل نهايات يقترحها المتلقي.

فالقصة القصيرة جدا بشكلها المختزل والمضمر تسترجع الزمن المستعاد المفقود الذي يملك قوة استعادة الأحداث المشتركة والمضمرة بين الملقي والمتلقين، الأحداث الماضية التي اختزنت في اللاشعور وتراكمت فأصبحت مصدرا وموردا للملقي في إنتاج القصة القصيرة جدا.

وفي الشعور الباطني أو اللاشعور يتجاور الملقي والمتلقي وتتداخل الأزمنة والأمكنة حيث يدخل المكان خلسة في الزمن من أجل توحيد حالاتنا الشعورية مما يساعد على صراع الشخصيات المؤدية للأدوار.

وفي فضاء القصة القصيرة جدا يبرز المعنى ويختفي مع حالات المتلقي الشعورية واللاشعورية، تثير فيه ما مضى من الزمن وما عرفه من أحداث متجانسة وأخرى غير متجانسة تمكنه من الاقتراب من حالة العالم الخارجي، فلا توجد معرفة بدون مسبقات تثري ذهن المتلقي، فأنواع الفهم تفترض سلفا إدراكا قبليا، لأن المفاهيم المسبقة تتحكم في معارفنا وتساعد على تحريكها وتجديدها أثناء عملية القراءة.

فالأعوام في القصة القصيرة جدا تختزل وتصبح يوما واحدا، بل لحظة حاسمة في حياة الشخصيات التي تحرك الأحداث بالرغم من تكثيفها، وهذه اللحظة تعطي للعمل القصصي صفة الديمومة عندما تحرك متخيل المتلقي وتستدرجه لاستعادة كل الأعوام السابقة. واللحظة في القصة القصيرة جدا هي التي تجعلنا نشعر بحقيقة الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، وهي التي يمكن تسميتها باللحظة الأبدية التي تفجر مضمرات ومخزونات كل من الملقي والمتلقي.

وهكذا تكون القصة القصيرة جدا نصا مفتوحا قابلا للتلقي والتأويل بل أحيانا يصل إلى مرحلة الإنتاج وتوليد المعاني والدلالات. وانفتاح القصة القصيرة جدا راجع إلى تواجد عناصر القص وهي الملقي-المتلقي- القصة، ففكرة موت المؤلف في الدراسات البنيوية لا نقصد بها الموت الجسدي وإنما نقصد بها الموت الفاعلي، الموت النحوي ، فالقاص يبقى حيا يحرك شخصياته يعيش فيها وينمو ويتحرك بها ومعها يتحرك من الشخصية الفاعلة إلى الشخصية العاملة التي تقدم أدوارها في فضاء القصة القصيرة جدا، فعندما نسقط عنصرا من هذه العناصر الثلاثة يقع النص القصصي القصير جدا في فخ الانغلاق.

والقصة القصيرة جدا لا تمنح نفسها للمتلقي دفعة واحدة وإنما تنفتح أمامه بالتدريج وفي كل مرة يشعر المتلقي وكأنه يقرأها للمرة الأولى. كما أن القراءة تتعدد بتعدد القراءات وتتحول من القراءة الفردية إلى القراءة الجماعية، ونقصد بالقراءة الجماعية قراءات متعددة لقارئ واحد أو قراءة لجماعة من القراء. فالقارئ الواحد الذي يقرأ النص عدة قراءات يتوصل إلى معاني ودلالات مختلفة، كما أن جماعة من القراء تصل إلى قناعات ودلالات متعددة ومختلفة.

غير أن القصة القصيرة جدا تصبح مغلقة إذا لم تجد المتلقي المناسب والمؤهل لفتح مغاليقه، وتقع في فخ الانغلاق عندما تقرأ في جانبها السانكروني أي عندما يفهم النص من الداخل دون ربطه بعالمه الخارجي الذي يساعد على تعدد المعنى.

تصبح نصا مغلقا تكتب من أجل القراءة فقط lisible، نصا لا يساعد على إنتاج المعنى، نص قصصي محنط يعتمد فيه صاحبه على البهرجة اللغوية أكثر من الاعتماد على اللغة الدلالية والتداولية. مثلا، ثمة رفيف أسئلة أخرى نلمسها في قصة "بحث" للقاص جمعة الفاخري:

كَم هُوَ رَائِعٌ هَذَا الْقَمَرُ! إَنَّهُ مُسْتَدِيْرٌ وَلامِعٌ مِثْلُ دِرْهَمٍ.

لَمْ يَعْجِبْهُ تَشْبِيْهُهَا. نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ رَائِعٌ، مُسْتَدِيْرٌ وَمُغْرٍ كَرَغِيْفِ خُبْزٍ.

لَمْ يُعْجِبْهَا تَشْبِيْهُهُ.

افْتَرَقَا. مَضَى كُلُّ يَبْحَثُ عَمَّا يَشْغَلُهُ .

يشعر المتلقي بانغلاق القصة وعتمتها، لكن في عتمة الظلام تشتغل الأذن الثالثة التي هي حاسة الإصغاء لنبضات الكلمات التي تفهم النص القصصي في سياقه وفي محيطه النفسي والاجتماعي.

فالقصة هنا تحتاج إلى متلق حذق يفهم ما وراء الكلمات يخضع النص لعملية التأويل التي تفتح مغاليق النص وتكشف غموضه، وعند كشف الغموض تظهر متعة النص، فالقارئ إما أن ينزل بحر القصة القصيرة جدا ويكشف الحياة من جديد أو يكتفي بالفرجة عليها من بعيد ويصف الحدود والأبعاد.

فهي لا تملك الفرصة للثرثرة والإفصاح وتقديم إجابات، لأنها لو ثرثرت وقدمت إجابات لما أصبحت قصة قصيرة جدا، إنها تشبه الشعر الذي يصنع بالمجاز والاستعارة صورا فنية خاصة تحتوي العالم وتختزله، كما تشبه المسرحية التي تعتمد التركيز والتكثيف والتوتر والصراع لعزل لقطة واحدة مغلقة من الواقع.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3254608

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC