محمد صالح البحر - مصر

ليس للجَدَّة شيء عندي

وأنا أستيقظ كل صباح يعتريني شعور غريب وغامض حتى أنني لا أستطيع تفسيره فأظل متكوماً في الفراش أحاول استبيان اللاشئ الكامن في سماء الغرفة هناك في ركنها الأيمن تحت السقف الصلب المحدد وأتساءل: هل أنا حزين؟ هل أنا خائف؟ ما الذي يجعلني متعباً إِلى هذا الحد؟

وبعد الدوران الكثيف في فراغ الغرفة أكتشف ربما بمنتهى البساطة أنني مجرد إِنسان
وحيد. أشعر أنني مؤطر في هذه الغرفة ذات الجدران الأربعة الباهتة من القدم والمتباعدة بما لا ينم عن البراح بقدر ما يفوح بالخصومة، وأنني مضغوط إِلى مدى قصى بفعل السقف الجامد المتيبس والمتواري من خلفه شسوع الفراغ اللانهائي لفضاءات رحبة تراقصت في مخيلتي دوماً وشدتني رغبة اجتيازها كثيرا سوى أنها رغبة واهية يُميتها الكلل ومتكسرة أبدا تحت وطأة السقف الذي يحدها ويمنع الانطلاق عنها.

بالكاد أستطيع الإِنزلاق من فوق الفراش. أدلي قدمي الحافيتين بكل ثقل كسلهما فتثبتان فوق البلاط الجاف المحتشد بكل رطوبة وعفن الزمن القديم والعاري إِلا من بقايا تراب كنسته عجيزة الجدة تحتها في مشوار حبوها اليومي المكرر في الصبح وفي القيلولة من ركن الشارع المختبئ في استحياء إِلى ركن الغرفة الموحش والمصحوب عبر زمن سحيق بترنيمة العدودة القديمة.

أستند بكفي على الفراش فأكتشف الخشونة تطلع منه رؤوسا مدببة ومسنونة لأشواك غُرست منذ أمد بعيد ترعرعت واستطالت وتدثرت بتراب الجدة الساكن بيتنا ولا أعرف كيف كنت أنام عليه. إِنني لا أكاد أعرف ما الذي ينبغي علي الآن فعله بعد هذا الاستيقاظ المتأخر والغريب والغامض.

سأقوم إِلى الحمام أغتسل وأهب بدني ثيايا نظيفة. سأنطلق إِلى خارج هذه الغرفة متحرراً من كل القيود ومستقبلاً مساحة من البراح فسيحة ومكتحلة بضوء شمس باردة لا تغيب. سأفرد ذراعي وأحلق مثل طائر لا عش له، وجناحاه لا يكلان عن الرفرفة وسأقفز مثل حضان جامح لأثبت هناك أمام عيني الجدة المثبتتين على الماضي العريق فأستمد منه الأصل والفخر وسمر الحديث، لكنها النحلة تأتي عبر فراغ الغرفة المقبض منسكبة وشعاع الضوء الوحيد الساقط من مساحة البراح الخارجي إِلى ظلام الغرفة من خلال الشق الطولي الرفيع الذي اخترق ضلفة الشباك في الجدار الأيسر.

يناوشني الاستيقاظ كأنما دفقات كهربية تنبعث داخلي على مهل ويتراقص في وجهي شعاع الضوء الوحيد الرفيع كأنمما يشدني لساحات من الرحاية والسعة تموج هناك خلف النافذة المغلقة وفي سماء الغرفة تطن النحلة على وتيرة واحدة متحاشية شعاع الضوء فتصطدم بالجدران المصمتة وتقع على البلاط المترب. تتناثر إِلى عدد لا نهائي من النتف الصغيرة الميتة لكنها تتشبع بالظلام فتدب الحياة فيها وتعود أسرابا من النحل تدور في الفراغ وتطن على وتيرتها الواحدة. لحنها يزعجني، يبعث في داخلي شجنا أتحاشى تذكره. أحاول منعها لكن ثبوت قدمي يمنعني فأظل هكذا أحملق في الفراغ بعينين فيهما ما يشبه الدهشة أتابع طنيناً حزيناً لنحل لا أملك الإِمساك به وأنا جاثم بكل ثقل الجسد فوق كتل جامدة لجبال من الرطوبة والعفن والشوك المسنون ومحتشد بشعور غريب وغامض حتى أنني لا أستطيع تفسيره.

حزن شفيف وبهى

سقتني الجدة الحزن على الدوام، مع كل ثغر للشمس يبتسم فوق سطح بيتنا ثم يميل عنه ملقياً إِياه في براح الشارع ظلاً وحيداً ومميزاً لا تطاوله البيوت، تكون قد فارقتْ مرقدها وتكومت في زاوية على السطح، تنظر الشمس الطالعة من خلف سن الجبل القائم على رأس البلدة وئيدة وضعيفة وخائفة في وجه الجدة كأنما تستأذن في الظهور، تثبت الشمس هنيهة واقفة فوق سن الجبل، رأسها في السماء وعينها على الجدة تنتظر الإِشارة، حتى تبدأ الجدة في هز رأسها وئيدة في المبتدأ، وسريعة متلاحقة من بعده، وغائبة عن الوعي مثل سكران يستلذ بشرابه أو مريد توحَّد في الحضرة، حتى يكتمل الطلوع ويبدأ الميل، تقوم الجدة تتحسس طريقها فوق الدرج، تنزل إِلى صحن البيت لا تلتفت لأحد ولا تكلم أحداً قط، طريقها عرفناه على مر الزمن صوب الباب البرّاني تعافر مزلاجه وتفتحه عن آخره في وجه الشارع المكسو بظل البيت حتى منتصفه، تطأطئ الجدة رأسها ونسمع ترديد الكلمة.

ـــــــ حسناً.

ثم تتحسس طريقها خارجة تقطع عرض الشارع لتستقر هناك في الركن المتواري على استحياء قدام البيت وفي عين الشمس الآخذة أشعتها في الحمية يأتي الصوت خارجاً منها في فوق كأنها لم تزل ربيبة مرحلة الفتوة

"محمد. يا محمد."

فأهرول أحمل كوب الشاي السخن وقطع الخبز المحمص وأفترش الشارع إِلى جوارها.

تحكي الجدة عن دجاجات ربَّتها فوق سطح البيت كيف فاصلت في ثمنها حتى جمعت أكبر عدد منها كيف وقفت على يد النجار كي تُصنع أقفاصها في جودة وسعة وكيف قطعتْ أطوال الشوارع تحد السير تجمع لها الحشيش والردة والقمح.

تحكي الجدة عن عيال لها حصدتهم الحياة واحداً بعد واحد كيف ربَّتهم في حجرها ووهبتهم الصبر والفتوة دون أن تذرف عليهم دمعة حزن واحدة. ولا تبتسم إِلا حين تحكي عن رجل زُفَّت له في مثل وهج الحصان ونبله وقوته وأنا مستمع ومشاهد وكلي مشدود إِليها أناولها قطع الخبز المتبقية بعد نفاذ كوب الشاي تحضنها بشفتيها وتبللها باللعاب ثم تقضمها بلثة واهية وخالية من الأسنان حتى تعرض الشمس بوجهها عنا فتسلم الجدة نفسها لظل البيت الزاحف علينا وهي ترقب سقوط الشيخة الشمس خلف ظهر بيتنا بعينين فيهما ما يشبه الذهول وبقلب يدق على عجل فإِذا قرصها البرد تقوم إِلى صحن البيت تستقبل ركنها الأثير كأنما عروس تخطو نحو ليلتها الأولى أو لكأنهما على موعد طال وامتد حتى ظنا أنه لن يجئ. تغني الجدة عديدها موسيقاه سيمفونية للحزن الكامل الأبدي تظن في سماء البيت كنحلة تعلق في الجدران الطينية الناشفة فيتساقط التراب في الفراغ نتفاً تتناهى في الصغر والدقة حتى يعبق المكان بالرائحة ويستقر في دواخلنا حزناً شفيفاً وبهياً.

أنقبض وتصلني برودة البلاط المحبب وقشعريرة التراب الممتزج بالحصى الصغير المدور استيقظ جسدي وبقيت روحي مدثرة في الفراش فما الذي يمكنني فعله الآن سوى أن أرسم على ذلك الجدار باهت الصفرة حصاناً وأن أرسمه في مقابل العنكبوت الذي ينسج في زاوية الغرفة في الأعلى بيته على مهل وبسعة ويعشش فيه آمنا بدا الحصان متحفزاً رأسه في الأعلى وذيله مدلى لأسفل يرتكز على قدميه الخلفيتين المنحيتين في قوة وبكل العزم حتى كادت شعيراته الناعمة الآخذة في الطول أن تلامس بلاط الغرفة فيما قدماه الأماميتان قد امتدتا على الجدار في مواجهة الفراغ العنكبوتي.

يكمن إِشكالي مع الرسم في كونه ثابتا وأنا أكره الثبات لا لشئ إِلا لكونه يمثل بالنسبة لي مرادفاً للوحدة وأنا أكره أن أكون وحيداز لكن ثمة إِشكالا آخر أكثر رسوخا بالنسبة للجدة يكمن في حبها الشديد للحصان ذلك الذي أرضعته لي منذ كنت صغيراً.

الحصان ميراثها الوحيد الباقي من أزمنة مضت كانت الجدة فيها أكثر حسنا وبهاء وقدرة على أن تختار.

الحصان حلمها الوحيد ركبته الجدة من قلب صحراء البدو وانطلقت تشق رمال البوادي لتعتلي طين الوديان وماء البحر فعرفت كيف تلم أشلاءها المبعثرة المتخاصمة في جسد واحد حقق لها الوجود لأمد طويل.

الحصان فارسها الوحيد كل ما خرجت به من آفاق الحلم إِلى حدود الواقع في زمن ليس لها فيه نصيب وعليه حملها الجد الأكبر عروساً إِلى قعر دار فسيحة كانت مزاراً وملجأ ومأوى لكل من دخلها أو احتمي بظلها من عين الشمس.


الآن يباغتني الصحو

وقد ضاقت الغرفة بي

مثلما تضيق دائرة الحبل الخشن حول رقبة مجرمة

أيها الأفق الممتد في البراح الخارجي

هناك حيث تتعانق السماء والأرض

لستُ مجرما لهذه الدرجة

كي تحجب عني الشمس

كي تتركني مسجوناً في محيط جدران متخاصمة

أتلعثم بين كتمان الصرخة وشهقة البكاء

مثقل كاهلي بكل ميراث الجدة

ومدووش عقلي بالموسيقى الصاخبة

لاصطكاك سنابك الخيول

أيها الأفق الممتد في البراح الخارجي

هأنذا أبغي افتداء روحي

أتمنى لو أنطلق عدوا صوب باب الشمس

كي يغمرني الدفء النابت

كي تذوب من حولي جبال الثلج


طائر الموت مساحة للبراح

عندما حضر الموت الجدة أقبلت الريح على الضفاف من كل صوب أتت تحمل نسماتها الهوجاء وتلف حول البلدة تلوح بسعف النخيل الأصفر كان لها صفير مسموع والسعف يومض تحت أشعة الشمس المنعكسة على أسطحه الصلدة الحادة أنصالا تنذر بوعيد.

عندما حضر الموت الجدة خرج كل الناس من دورهم القديمة ساكنين مطأطأي الرؤوس ومدثرين بصمت عظيم يمشون صوب البيت يجرون أقدامهم التي ثقلت فوق الأرض يرفعونها بعنت شديد ويدفعونها في اتجاه البيت بكل عزيمة الجلال الكامن في قلوبهم وتدفعهم الريح كأنما روح عظيمة تسيرهم وهم لا يشعرون حتى بدموعهم الغزيرة وهي تنسكب أنهاراً ساخنة فوق صدورهم العارية خلف شقوق الجلابيب التلا تمزقت حتى القدمين من وطأة النبأ.

عندما حضر الموت الجدة حلقت الطيور في سماء البلدة ثم طوت أجنحتها واستكانت على سطوح البيوت ورؤوس الناس الكثيرين الملتفين في صحن البيت حول جسد الجدة الُمسجى، الهامد، والمتراصين في الشوارع المحيطة بصمت ودموع وشهقات مكتومة وحزينة تنفلت من أعمق أعماقهم كموجات واهنة لبحر سكن الهواء من فوقه لكنها متلاحقة في تتابع رتيب ومنتحب.

وأتتْ الغيمة السوداء تحجب الشمس وتفرش سوادها في السماء وفوق البلدة هكذا شمل السواد البيوت والشوارع والطير والناس بسياج عظيمم لم يخترقه غير طائر ضخم هبط من أعلى الأعلى هناك فوق الغيمة السوداء وجاء يشق السياج الجليل ويتكوٌَم فوق رأس الجدة طاوياً جناحيه الكبيرين للحظة لعلها غير محسوسة ومنتزعاً الدفء من الجسد الُمسجى لينطلق بعد ذلك كسهم ناري يخترق كل شئ بنفس سرعة اللحظة غير المحسوسة يحلق وحده فوق السياج المظلم يستقبل البراح وفي عينيه ما يشبه بريق الشمس.

موتي الآن يا جدتي

ليكن ذلك الفناء العظيم لك وحدك بقدر جلالك في سنين عمرك الغابر الذي طال واتسع لكنه عجز عن تحقيق ديمومته الخالدة لقد كانت هناك تلك المرة التي تمنيت خلالها أن أكون نسيجاً يخرج من جسدك لكنني الآن وأنا أتخبط في جدران غرفتك المغلقة وتتسخ قدماي بتراب عجيزتك المتراكم أنظر من خلال الشق الطولى الرفيع وأدهش من مساحة الضوء الكثيف الذي يغمر الخارج وأتساءل ربما بمنتهى البراءة
كيف تكون الحياة هناك

حين قلتها أحسست فجأة بالدفء واقتحم الغرفة قبس من النور حين نظرت إِليه رأيته يزيد في الشق ويخترق الرطوبة والعفن والظلام تتصلب روحي ورعشة تدخل جسدي فأنتفض أراني أهتز وأعلو وأنخفض أشعر أنني لا أمت بصلة إِلى شئ ههنا أنني مخنوق في عنق زجاجة لكنني أفلت من ألم عظيم

وأنا أسير نحو باب الغرفة بخطى وئيدة وواثقة عرفت أن حنيني للجدة لم يكن غير حنين لروضة تربيت فيها طفلا لكنها الآن وقد كبرت صارت أضيق من أن تستوعب خطوتي الرجولية أو أن تداري أشجارها التي أصابها الخريف قامتي التي طالت فوق فروعها.

وأنا أسير نحو باب الغرفة بخطى واثقة كانت مساحة الضوء الساقط تزيد في الأرض. وحين فتحت الباب، غمرتني مساحة شاسعة من ضوء لا نهائي وكأنني أستقبل بين ذراعي الشمس.

أحسست أنني خفيف وتمنيت لو أنطلق مثل رصاصة أسرع من الصوت، وأسرع من الضوء راميا من فوق كاهلي كل الجهد والعنت القديم، ومخترقا ذلك السياج الواهي الذي صنعته الجدة من حولي لأنفتح على فضاءات واسعة ولا نهائية لبراح عظيم.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC