إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

ضاعَتْ بينَ الرُّكامْ

لا أدري واللهِ أهوَ "كابوسٌ" راودَني ذاتَ ليل،
أمْ مُشاهدةٌ اختزَنتْها ذاكرتي من عهدِ الطفولة،
أمْ هو من أحلامِ اليقَظَة
حينَما هَجَرْتني امرأتي،
وخانتني سلطتي على نفسي

كانَ موظفاً في مصرفٍ يستقطبُ زبائنَه من الأثرياءْ، يَتَمتعُ بمُرونةٍ مالية، وشهرةٍ واسعةِ الانتشارْ، وكان مُقَصِّراً في إداءِ عملِه، مهملاً لواجباتِه المنزلية، مهزوماً أمامَ زوجتِه، يتلقى منها لوماً وتهكُّماً وكلاماً لاذِعاً لا يرحمْ، وإنذاراتٍ متكرِّرَةً وتأنيباً من رئيسِه، لانشغالِه الدائم وهوسِه بالمطالعة، على حسابِ العمل وسائِرِ الشؤونِ المنزلية التي لا تنتهي ولا تتوقفْ.
وطبيبُه أيضاً؛ حَذّرَهُ مراراً لكي لا يجهدَ نظرَه، ويخففَ قليلاً عن نفسِه من عبءِ المطالعة، ليحافظَ ما أمكن على صِحَّةِ عينيه، فلا يُفاقمُ من القصور في بَصَرِه، ويساهمُ في حاجته المتوالية إلى نظّارةٍ جديدة. لكنَّه في كلِّ الأحوال؛ كانَ لا يَسْتجيبُ ولا يبالي، وينأى بنفسِه عن النقاشْ، حولَ هوايةٍ تَحَكّمتْ في مشاعره، ليغرقَ في مزيدٍ من القراءة، والإسرافِ في الإنفاق على الكتبْ، وما يَسْتدعي من التأنيبْ، ثم يلجأ من جديدٍ إلى تغييرِ نظارتيهِ في أوقاتٍ تقاربتْ، حتى غدتْ سماكةُ زجاجَيهما في أقصى الحدودْ.

غافلَ رئيسَه وحملَ كتابَه فدخلَ كما اللصْ إلى خزنةِ المالْ. أوصَدَ البابْ، أنارَ المصباحْ، نَظَّفَ نظَّارتَه جيِّداً مُسْتعيناً بِلُعابِهِ وقميصِه، تَنَفّسَ بكاملِ قدرتِه وتَنَهّدَ من أعماقِه، نزعَ ساعتَه من معصمِه ووضعَها أمامَ عينيه. ثمَّ جلسَ بسكينةٍ تامة؛ وراحَ يطالعُ كتابَه آمناً مطمئناً، في جوٍّ مُكَيَّف وعزلةٍ مَكِينَة، بعيداً عن عيون رئيسِه ووشايةِ الموظفينْ.

قبلَ أن ينتهيَ الدوامُ بوقتٍ قصيرْ، توَقّفَ عن القراءة، سَندَ خدَّهُ بباطن كَفِّه اليمنى، وراحتْ أنفاسُهُ تتردَّدُ بهدوءٍ وانتظامٍ. أغمضَ عينيهِ بوداعةٍ على المشاهدِ التي مرَّتْ أمامَ ناظريه، وسرحَ في خيالِه يستعرضُ ما أعجبَه من هذه الصور الجميلة. ثمَّ أشارَ بقصاصةِ ورق إلى الصفحةِ التي انتهى إليها. أغلقَ الكتابَ وأخفاهُ في ثنايا ثيابِه. حملَ ساعتَه، أطفأ النورْ وفتحَ البابَ مُتَسلِّلاً إلى الخارجْ.

في الخارجْ أذهلتْهُ المُفاجأة، حينَ وجدَ نفسَه وحيداً وسط دمارٍ مطلقْ. حدثَ زلزالٌ شاملٌ أتى على كلِّ أسبابِ الحياةِ والعمرانْ، فلم يشعرْ به وهو مُحَصَّنٌ داخلَ الخزنة، لكنَّه لم يأسفْ؛ لم يخفْ؛ ولم يبالِ أو يحزنْ لما حدثْ، بل اجتاحتْه عاصفةٌ من فرحٍ لا يُصَدَّقْ.

طرَحَ سُتْرَته على كتفِه، دَسَّ يدَه في جيبِه، حملَ كتابَه ظاهراً باليدِ الأخرى، فلم يعدْ يخشى ملامةً من أحدْ. ثم غادرَ المصرفْ. راحَ يجوبُ الطرقاتِ مُنْتشياً "يُدندِنُ" لحناً جَذِلاً، ويتسكّعُ وحيداً في الشوارعِ والساحاتْ، بعيداً عن مضايقاتِ المارة وأبواقِ السياراتِ وأصواتِ الباعةِ المُتجولينْ.

دخلَ مخزناً للتموينْ، فوجدَ فيه من الأطعمةِ و"المعلباتْ"، ما يكفي ويزيدُ عن حاجتِه للعيش عمراً بحالِه. اطمأنَّ إلى مستقبلِه وأحوال معيشتِه وغذائِه. ثم توَجَّهَ من فوره إلى أغنى دارٍ للكتُبِ في المدينة، ووجدَ ماَ فيها ثروةً هائلة من كتبٍ تفيضُ آلاف المراتْ، عن قدرتِه على القراءةِ في عمرهِ الباقي مهما تواصلْ، حتى ولو واظبَ على المطالعةِ بلا توقفٍ في الليلِ وفي النهارْ.

رسم قارئ كتاببلغَ قِمَّةَ الفرحْ واهْتَزَّ صوابُه من فرطِ سعادتِه، والدُّنيا لم تعدْ تتسعُ لمزيدٍ من أحلامٍ تحَقّقتْ بكاملِها، هبطتْ مرَّةً واحدة نعمةً سَخِيَّة من السماءْ، فاضتْ عليه بغير حسابْ، بعيداً عن زوجةٍ نكّدَتْ عليه هناءةَ عيشِه، ورئيسٍ يلاحقُه ويرفعُ بحقِّه تقريراً إثرَ تقريرْ، وطبيبٍ لا يَنْفَكُّ يَنْصَحُه ويُهَدِّدُه من عاقبةِ العمى وسوءِ المصيرْ، وزملاءٍ حسودين لا يترددونَ عن الوشايةِ به والتَّزلف للمديرْ، كلَّما ضبطوا كتاباً بين يديه. انتهتْ أزماته وتَخَلَّصَ إلى الأبدْ ممّن كانوا ينكِّدُون عليه عيشَه، أو يُنْكرون عليه هوايتَه ويمنعونَه من المطالعة. باتَ هؤلاء كلهم أعجزُ من أن ينالوا من إرادتِه، أو شخصيتِه بعد اليومْ.

اختارَ ما يعجبُه من كتبٍ كان يحلمُ بها، في التاريخ والأدب والفنون والطب وعلم الاجتماعْ، مستبعداً كتبَ الفلسفةِ والدِّينْ التي لن تُؤدي به إلى "مكانْ". أعدَّها في كومةٍ عموديةٍ عالية؛ أقصى ما أمكنَه أن يحملْ، وتهادى بها من شارعٍ إلى شارعْ، ومن حيٍّ إلى حيّ، حتى وصلَ منهكاً إلى بيتِه.

لم يُضِعْ وقتَه في استراحةٍ قصيرة على المدخلِ أو أثناءَ الطريق، بل توجَّهَ مباشرةً بالصعودِ إلى مسكنِه. لكنّه من شِدَّةِ تَعَبِه وثقلِ ما يحملْ وفرطِ لهفتِه في الوصولْ، ارتبكَ وتعثرَ بين ركامِ الطابقِ الأولْ، فهوى بحملِه وتطايرتْ من يديه كومةُ الكتبْ، ووقعتْ نظارتُه على الأرضْ فانكسرتْ وضاعتْ بين الرُّكامْ.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3254608

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC