غانية الوناس - الجزائر

الشمس لن تشرق من جديد

غانية الوناستُلاحقناَ الحياةُ لعنةً دائمَةً تتبعُ خطوَاتنَا، تسْتفزُنَا، تُبكينَا، تَظْلمنَا، تَقْهرنَا تمنحنَا الفرحَ لسَاعَاتٍ، ثمّ لاَ تلبثُ أن تسْرقَ منّا كلّ شيْء، وتُحِيلُنَا مجردَ رَمَادٍ للذكريَاتْ.

كان يوما ممطرًا وباردًا جدًا، كان كل شيء خارج الغرفة يشارك المطر حزنه ودموعه، كان كل شيء يعانق التراب المبتلْ.

في لحظة التقاءٍ فريدةٍ لا تتكرر، كان السّحابُ يلّف كلّ ما كنتُ أراهُ من وراءِ نافذتي، وقفتُ طويلاً أتأملُ المطر ،كنت أشعر به ينزلُ في أعماقي، يتهادَى بنعومته ليسكن أعمقَ نقطةٍ في كياني، لطالما كنتُ أعشقُ جو المطر ،وكان هو يبادلني عشقي بأن ْكانَ يستمرُ بالهطول ،وسحرهُ يلُّفني ويُغرقني في أفكارٍ كانتْ تُراودني ، فلا أعودُ أنتمي إلى هذا الواقع في شيء.

غادرتُ بتفكيري إلى الأفق البعيد أتأمل مطري ويتأملني مطري، نتبادلُ النظرات خلسةً عن أعين الواقع المتعب ،بعيدًا عن صخبِ الحياة المملّة المنهكة. غرقتُ بالتفكير والتأمل مطوّلاً، وبدتْ لي كما لو كانت ساعاتٍ من السّحرِ والنشوةِ التي تسرقُ بهجتها من صوت المطرِ خارجًا.

أيقظني رنين الهاتف من حلم يقظتي ذاك، فالتفتُ ابحثُ عن مكانه، كان صوتُه على غيرِ العادَة مزعجًا جدًا، فدارتْ أفكارٌ في رأسي وأنا أسمعُ رنينَه يتكررُ في أُذُني وصدَاهُ يتعالَى ويتعالَى في أرجاء الغرفة.

نهضتُ بسرعةٍ أتفقدُه لأُجِيب عليه، تعثرتُ بشَيْءٍ ما فوقعتُ مكَاني، اصطدمَ رأْسِي بشيء ما فأدْمَت جبهتي، تحسَّسْتُ ذاكَ الدم بيدي فانقبضَ قلبي فجأةً، وضَاقَتْ نفسي في لحظات.

تعالتْ دقَاتُ قلبي وتسَارَعتْ نبضاتُه، وازدادَ الرّنينُ إزعاجًا، شعرتُ بشيءٍ ما ليسَ بالعادّيِ أبدًا ،توترتُ وأصابني الفزع، لم أدر ما قد يكونُ حدث ، فقط ازدادَ خوفي وتوتري، وشعرتُ بكلّ شيءٍ يدُورُ من حوْلِي، وفكَّرْتُ فقطْ في أنْ أَصِلَ إلى الهَاتف كيْ أُوقِفَ رنينه، وَأُوقِفَ معهُ هذا الفزعَ الذي أصابني في لحظاتٍ فقطْ.

أخذتُ الهاتف بسرعة، ونظرت إلى رقم المتصل، فبدَا لي غريبًا، لم أعرفهُ. كان من دون اسمٍ، فازداد قلقي وخوفي، وارتجفتْ يدي وأنَا أضغط على زر الإجابة.

"منْ معي؟ منْ يتكلّم؟ مَا الأَمْر؟"

أسئلةٌ تلاَحقَتْ وَتتَابَعَتْ منّي دُونَما أَيّ وَعْي. لمْ أدر حقًّا ماذَا كنتُ أسألْ أو أَقُولْ.

"نتصلُ منَ المستشفى، وجدنَا هذَا الرقم في هاتف أحدهم، واتصلنَا كيْ نُخبركُم بأنّه قد أصيبَ في حادثٍ و... في الواقع يؤسفنا إبلاغكم بأننا لم نستطيع القيام بشيء. لقد مات".

"لقد مات". هذا فقط ما سمعته. هذا فقط ما تذكرتهُ من كل ما قال: "لقد مات".

سقطت أرضاً، سقط الهاتف من يدي وتهاوت معه كل أحلامي وآمالي إلى أعماقِ المجهولْ. مرّ كل شيء من أمامي شريطاً أسْود لاَ ضوءَ فيه ولاَ نُور. غرقتُ بكلّ ما في نفسِي وكلّ ما حولي في مطرِ دُموعِي.

لفّني السكون واستوطنني الصمت. ما عاد شيء يقوى على إيقاف ذاك الهُطول السري في داخلي. سوف تظل تمطر وتمطر، فقد غربت الشمس إلى الأبد.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3429100

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC