هيام ضمرة - الأردن

البسمة التي أنعشتني

هيام ضمرةكان يوماً مبتسماً ذلك الذي عزفت فيه صرخة الحياة الأولى لحفيدي، يومٌ تعطَّر برائحة المسك وشذى الانتعاش، انتقلت صرخته عبر الهاتف النقَّال منْ غرفة الولادة إلى مسامعي، فإذا معزوفته تطل على روحي بكل أوتار عزفها، لتزغرد الدنيا مِنْ حولي، كأنَّ كل شيء بات فيها ناطقاً، مغموراً برائحة الفرح، ومغموساً بشوق اللهفة، كأنما يعرف هذا الخداج أنَّ هذه الصرخة ستلئم الجراح وتبلسم الوجع، فقد عزفت اللحظة كل أشجانها وأفراحها في آن معاً.

انهمرت دموعي مدرارة، وتلمست موجوعة جراحي، فصرخته كانت نداءً، وأُولى دفقات الهواء إلى رئتيه كان وجعها رحمة. ما أجمل الأطفال الصغار! وما أروع نقاءهم وصفاءهم!

الأحفاد فرحٌ لا ينطفئ، يميلون حيث تميل أفئدتهم، وحيث يتيقنون طعم الحب والحنان. مناغاتهم أنغام متجددة التوزيع، وغفواتهم طيران هادئ على سحابة منفوشة تؤرجحها النسمات، أشد لحظات جمالهم حين يتثاءب فيهم الصحو من غفوة غارقة، يرفرفون بأطرافهم متناغين.

لفتاتهم صلاة، صراخاتهم نداء مستعجل، مناغاتهم إغراء لا يقاوم للإثارة والفرح، قهقهاتهم أنسام عليلة تمسح عن القلب كل أردان الحياة، فواعجباه كيف يتحولون ويتغيرون، حين يكبرون! يتلوثون، تقسى قلوبهم وتتحجر.

أول جراح الحياة تتلقاها من طفل كبُر، وصار راشداً، أو مِنْ راشدٍ غير راشد، كان يوماً طفلاً نقياً، تسطع براءته كأنوار الشمس، ثم واجهته نفخة قوية أطفأت هذا النور حين كبُرَ، وأخرج من جنباته أسنة شوك يجرِّح بها من لا يجب أنْ يُجرَّح.

نعيش العُمر بذاكرة حُبلى، أحلاماً نندفع لتحقيقها، وآمالاً نرومها نابضة كل حين، نقدم التضحيات تباعاً، ونظن أن ما بعد العسر يسرا، وما بعد التضحية التقدير، نتلقى كثيراً من الصدمات، وأكثر من اللكمات، ونتوقف كل حين لنُمسك علينا لُهاثنا، وندفع فينا أنفاسنا، يتسرب منا هارباً عرقنا، نجر عربة صبرنا كحمار مُذعن، ليأتي مِنْ خلفنا من يركلنا بقدمه غير عابئ بنا، ولهذا تكبو فينا صحتنا، وتفترشنا الكآبة، وإذا الحزن يفتح فينا دهاليز معتمة، تصاب نفوسنا بالهشاشة كما عظامنا، ولا نُحصِّلُ بعد العنت سوى الندامة.

وفي معمعة تصاعد الأحزان، وتكاثر السهام، تبتسم لنا الدنيا من جديد، وتمر علينا نسمات السلوى وكأننا للحياة نعود، هناك دوماً بداية لكل قصة، وبداية لكل حدث، ومثلها بداية للنهاية.

أنس حفيد هيام ضمرةفي هذا العمر، يُغرينا فرح إقبال الأحفاد، تهيم أرواحنا بأرواحهم، فهم الملائكة المُحلِّقة فوق غيمات العناية الإلهية، أطيار بأجنحة ستقوى على زرع الفرح على مدارج الحياة، خُلِقوا ليُغردوا، ويعبئوا الكون أصواتاً ننتشي بها، كتاكيت لم يبزغ بعدُ ريشها، نحتفي بهم لأنهم امتدادنا، ولأن فيهم قدراً منا، وطبعاً منسلاً من عمق خواصرنا، تنفتح لهم مخزونات مشاعرنا كلها، وبلهفة الظمآن نشرب ملامحهم حتى الثمالة، نسكر بهم.

يُرنحنا الفرح كلما ابتسموا، ويضج فينا الوله كلما ارتموا آمنين على صدورنا، ودفنوا رؤوسهم في أحضاننا، تتحسسهم أناملنا بحنو بالغ، كأنما ننتقل معهم على بساط الهناء مخترقين سماء الكون الشاسع، نحلق سويا، ونرتل أغاني النوم مع حوريات السماء، تهدهدنا مواويل أورثتنا إياها الجدات، فيها ملامح العز والكبرياء، فيا مرحى بتلك التراثيات الموروثة.

في اللحظة الأولى التي احتضنت فيها حفيدي وكان يغطُّ في نوم هنيء، اتسعت فضاءات روحي حتى خلتها والكون عالما واحدا، شممتُ فيه أفخر عطر رباني، فأسكرني شذى رائحته، وطيب مسكه، وتحسستْ قبلتي على جبينه طلاوة بشرته، وسطوع بياضها، تحتقن بشرته بوردية ساحرة، وشفتيه المتوردتين تقطران الشهد، فيما زغب شعر رأسه الأسود يُحوِّط ملامحاً ساحرة دقيقة التفاصيل.

تأملته وروحي تُسبِّحُ لملكوت الكون، لله معجزة التخليق ما أروعها! إعجازٌ ربانيٌّ خارقٌ خَلقُ هذا الإنسان، كيف ينمو مِنْ علقة، ويتخلّق في هدوء وعلى مراحل متتابعة، ليغدو إنساناً صغيراً لغته الصراخ، يبحث فمه المشرع عما يشبع جوع أمعائه.

كانت أجهزة جسمي كلها تدور في سرعة عجيبة، خلتني مصنعاً للعواطف يهدر بآلاته، وقد تدفقت بها الحياة منْ جديد، كيف ينتشلنا الفرح منْ أعتى أحزاننا ليرمم ما أتلفته فينا محننا، التصقت نظراتي في ملامحه أقرأها نوراً وحياة.

شكراً لك إلهي أنْ منحتني مكرمة مِنْ خلقك، وسرَّبت دبيب الفرح إلى كل أوصالي، لتنتعش بي الحياة. كم من عشرات حوادث القهر أحالت للبؤس حياتنا! وكم من الأدوات الحادة جرَّحت بالنكران أفئدتنا! فحين يُداهمنا العجز؛ يُغلغل بالأمراض أجسادنا ليتركنا في الهزال نقلب وجعنا على لهب الغصات.

لكن حين أطل وجه حفيدي الجميل تغير وجه الكون، تنكر للعبوس وصار مبتسماً سعيداً، وصار ساكن الموج يذرو أصدافه ليرصف قلوبنا، هذه الوجه الملائكي الجميل فتح طاقة الذكريات وتركها مشرعة، لأختنق بغصة الافتقاد، أي مصادفة جميلة أنْ يُولد حفيدي الآسر في نفس التاريخ الذي ولد فيه المرحوم زوجي! فما أكرمك يا إلهي! وكأنما أردت للامتداد أنْ يظل على ذات موعده السنوي، لنظل نحتفل بالمولد بنفس هذا اليوم من كل عام، فهل سيحمل هذا الطفل نفس صفات الراحل الرائعة؟

وقفت أتأمل وجه الصغير خاشعة أمام رهبة النعمة العظيمة التي وهبنا بها الخالق، فأنت يا صغيري ستكون سبباً في رأب الصدوع، وستحطم أعشاش الغربان في محيطنا، وستنظف أدران القلوب من لؤمها، وترسم أبخرتك على مرايانا أشكالاً سليمة غير مشوهة، القلب يا صغيري يتسع لك ليغدو ملعبك، ويغمره النور مبعداً عنك الخوف لتنمو سليم النفس مُعافى، ستتناولك السواعد كشيء ثمين، وستحبك القلوب كإنسان أثمن.

ها أنت تدخل الحياة لتحجز مكانك فيها، ستكبر ويكبر فيك الإدراك، وستنجز لنفسك ومستقبلك كما هي العادة، لكن لا أظنك ستخطئ كمثل ما أخطأ سواك، ربما يعصمك الله عن ذلك، وينجيك من سوء انحراف العقل الأناني، فليحفظك المولى من كل مكروه، ولتُحصِّنك آياته وأدعيتي يا صغيري، فامش على درب الأمان الهُوَيْنى، فالحياة تستحق أنْ نستمتع بها على هون، وأنْ نجعلها بنقاء روحك العابقة بكل الجمال، فأنت اللؤلؤة التي أخرجها الله مِنْ صدفتها في أقصى العتمة، لتنير الأفئدة، وتقشع بالضوء كل ما كان غير واضح، أو كل ما كان مُظللٌ بالغباش.

اهنأ يا صغيري بعمرك، وكنْ ابنا باراً لا يكسر قلب والديه، عمِّر القلوب المرهقة بطوب السعادة، فهي تستحق أجمل ما بالكون، وأفضل ما به، لتتعطر بأريجك الدنيا ويمتد ربيعها، فالقلوب مهما شاختْ فإن السعادة تُنهض بها عزمها مِنْ جديد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC