سلام عبود - العراق

حالة الطقس في جهنم لهذا اليوم

أنهى الرائد سام كوبر، الضابط في وحدة برمجة الطائرات التابعة لجهاز المخابرات الأميركية، معاينة الطائرة بريديتر وتفحص أجهزة تشغيلها، ثم أعاد برمجتها وكتب تقريره الفني. جلس شارد الذهن أمام جسد الطائرة الرصاصي الرشيق، الشبيه بسمكة قرش محنطة.

بعد أن اختتم الجزء الفني من تقرير إصلاح الطائرة، كتب عنوانا جديدا: استنتاجات خاصة. لكنه لم يتمكن من الانتقال إلى الخطوة التالية، خطوة كتابة الاستنتاج وتحليل النتائج. شيء محيّر يعيق تفكيره، ويجعل خياله يصرّ على الهروب بعيدا، أبعد من حدود طائرة بريديتر أو ريبر بدون طيار، وأبعد من حدود القاعدة الجوية، بل أبعد من حدود الخيال العلمي.

ربما هو على مشارف المفارقة العلمية الخيالية. نعم، على مشارف الخيال العلمي الهازل. الطائرة الواقفة أمامه تبدو في كامل "صحتها" وأنوثتها الآن. هي مدللته، الجريئة، العابثة. أصابها عطل طارئ، سبب انقطاع الاتصال بها لأقل من ساعة. حينذاك كانت تطير مخترقة سماء محافظة ميسان العراقية الجنوبية. تفحصها عندئذ ولم يجد خللا جسيما. أعاد برمجتها، وشرع يجري عليها تجارب التحليق طويل المدى وقصيره في سماء المملكة السعودية.

طائرة بدون طيارثم قرر إعادة إرسالها إلى العراق مجددا. لكنها خذلته من الوهلة الأولى. فقد وصله خبر سقوطها المفاجئ في ضواحي بغداد، وعثور السلطات العراقية عليها. وها هي الآن أمامه في مركز المراقبة في قاعدة الظهران السعودية، تنتظر منه إذن الشفاء والعودة مجددا إلى السماوات البعيدة.

لمس التقرير مجددا وهو يتبادل النظر معها، كما لو أنه كان يحتال على مراهقة عابثة، يريد أن يخدعها، لكي تعترف له بأخطائها. فكر مداعبا نفسه: ربما تحتاج الى فريق تعذيب، لكي تعترف وتقر بجريمتها.

رنين هاتفه النقال أرغمه على إيقاف التفكير العبثي في الاستنتاجات. صوت عشيقته الشهواني، القادم من مكان قريب، عمق لديه الرغبة بالهروب من لعبة الاستنتاجات، والتوجه إليها فورا.

التنقل بين جسدين، جسد الطائرة السحري، وجسد المرأة الساحر، لعبته الشهية.

ابتدأت حوارها بعبارته العابثة، التي يفتخر، منذ أيام أفغانستان، أنه صاحب براءة اختراعها وإشاعتها:

"كيف حالة الطقس في جهنم هذا اليوم؟"

أحس أنها حقا منقذة، وأنه في حاجة ماسة إلى جسدها الرائع، لكي يخرجه من جهنم الصحراء، ومن دوامة التقرير والاستنتاجات، والفرضيات الاستخبارية النظرية الفارغة، التي تثير سخريته.

كررت عبارتها، عبارته:

"ألم تسمعني؟ قلت: كيف الطقس في جهنم هذا اليوم؟"

"أشعر بلذة وأنا أستمع إلى كلماتي بصوتك."

"والجواب؟"
ردّ كما اعتادت هي أن تجيبه: "لا جديد في جهنم هذا اليوم!"

نعم، لا جديد في جهنم. هي وحدها جديده المتجدد في هذه الصحراء المفترسة الرتيبة، وفي هذه العزلة القاتلة، التي لم تبدد وحشتها حتى محاولته اليائسة لاستقدام زوجته إلى هنا، بكل ما يحمله هذا القرار من مغامرة وقيود شخصية، خاصة في ظل علاقته السرية بـ "النيويوركية الطائرة"، كما تسميها زوجته الطيبة تندرا، من دون أن تدرك أن تحليق النيويوركية شيء خاص جدا، لا يقل خصوصية عن تحليق طائرات بريديتر، وربما فاقتها سحرا.

قالت: "لا بد أن نلتقي الآن".

"هذا ما أفكر فيه أيضا."

فكر في جسدها المدهش، وفي روح الدعابة التي تحل فيه حينما يكون معها بمفردهما. هي منقذته من نفسه، من رتابة عمله، ومن عيوب مؤسسة الزواج.
واصل قائلا: "أنا في ذروة اشتياقي."

"لا تأمل كثيرا، فأنا أريد أن أفاجئك بأمر قد لا يسرك".

انقبض وجهه. "ما الأمر؟"

"أنا مسافرة."

"وما المشكلة؟"

فكر في أنها ربما ستمنحه شيئا إضافيا، مكافأة السفر، التي هو بحاجة إليها حقا.

"قد أغادر خلال ساعات."

"لا تضيفي شيئا، سنلتقي في أرامكو."

"أنا بانتظارك، ولكن لا تتأخر، فلا وقت لدي."

في النادي الاجتماعي لموظفي أرامكو كانت تنتظره. كانت متوقدة مثل طائرة جاهزة للتحليق. جاءت بملابسها العسكرية، فأدرك أنها في طريقها إلى المطار حقا.

قرار سفرها المباغت جعله يراها كما لم يرها من قبل. فلم ير رقبتها بهذه الرقة من قبل، ولم ير ملتقى نهديها بهذا الإغراء والفتنة. ربما هو معذور لهذا الضعف المباغت، فهي لم تترك له فرصة للاعتراض أو التفكير. وضعته وجها لوجه أمام قرار السفر المفاجئ.

تناول كأسه الثانية على عجل، وهو يشم أنفاسها. كاد أن يفلت منه سؤال تهكمي عن مهمته فوق السرية، التي يراها تختلط الآن بمهمتها أيضا.

"غدا فجرا سأكون في أفغانستان. لا تقلق، سأعود سريعا.

جو المشرب، المزدحم بوجوه معروفة، زاد من تشتته. صعقته المفاجأة. ليس مفاجأة سفرها فحسب، بل مفاجأة سفرها الى هناك، إلى حيث تعارفا وعملا وتحابا. هناك حيث سرقها من عشيقها السابق جوني. هناك حيث توجد أجوبة مهمته المحيرة، التي تشغله الآن. جلس أمامها مشلولا وهو يسمع تداخل الأشياء: العشيق، السفر، المهمة، الفراق.

"جوني ضمن جرحى انفجار قاعدة تشابمان. إصاباته خفيفة."

لم يجب. هي تعرف أنه لم يعد يأبه كثيرا بجوني، لأنه اضحى من مخلفات الماضي، من مخلفات جحيم أفغانستان، كما يسميه. تركاه خلفهما في قاعدة تشابمان في خوست وتمكنا من الانتقال الى قاعدة الظهران. هو بحجة الالتحاق بزوجته المريضة في حبه، التي أرهقتها حروبه وطول غيابه عنها، وهي لتعزيز فريق مكافحة الإرهاب في المملكة.

"جوني في حالة نفسية سيئة، ربما أكون مفيدة له في هذه الظروف."

"له أم للتحقيق؟"

"أنت على حق للتحقيق. لكنني لو قلت لك هذا لجاءني سؤالك معكوسا."

"ماذا تعنين؟ أنا استوضح لا أكثر."

"سام، أنا أعرف عقلك الكومبيوتري. لو قلت لك أنا ذاهبة من أجل التحقيق لكان سؤالك: للتحقيق أم له. أنا أختصر الطريق."

"اختصريه، ولكن ليس على حسابي."

هل حنّت لعشيقها القديم؟ ربما يئست من علاقتها به، برجل مزدوج، رجل متزوج، يصر على ممارسة دور رب الأسرة المعتدل، ودور الخبير المتميز في قاعدة عسكرية، وهو يحدق بوقار ومهابة في طائراته الصغيرة، من دون طيار، الذاهبة للبحث عن طرائد في سماوات أخرى وأراض أخرى. ثم يمارس دور العاشق الرومانسي عند السكر، وفي لحظاته الإباحية، اللصوصية. هل تريد استغلال حالة جوني للتقرب منه والعودة إليه؟

ودعته فزادته ارتباكا. لبث وحيدا يتجرع الخمرة كأسا بعد كأس، وأنفاسها الهاربة تكاد تخنقه. عاد إلى البيت مترنحا. لكن سكره الشديد، لم يوقف مجرى توقعاته. فهو يعي جيدا أنه لن يفلت من شباك زوجته، التي تنتظره بملل وكسل، وربما بارتياب، وهي تراه محملا بالغموض، غموض مهماته السرية، وغموض شخصه وعلاقاته المريبة.

واجهته زوجته، كما توقع، بهيئتها المتضجرة ونظرتها الفضولية المائعة، حتى أنه شعر أن نظراتها تسيل على جسده مثل قطرات عرق باردة، تفضح هزيمته أمام عشيقته النيويوركية، وربما تشي بمقدار خيبته. هل يمكن للمرء رؤية آثار الخيانة مرسومة على الوجوه؟ أي خيانة؟ فكر بدهشة حقيقية: خيانته لها، أم خيانة النيويوركيه له، أم خيانتهما لجوني؟

ابتسم لها وتذكر الطائرة الخائنة. ومثلما أحس وهو قرب عشيقته، هم بأن يغطي على ضعفه وهزيمته، وشدة انغراز عيونها في بدنه، بأن يبوح لها بالسر، ولكن في هيئة دعابة.

قالت وهي تتعمد أن يكون كلامها مثيرا للشك: "كيف حال الطقس في جهنم هذا اليوم؟"

باغتته طرافة التعليق وهو يخرج من فمها رخوا، كما لو كان يريد أن يذكره بالنيويوركية. لكنه استعذب المباغتة واستحسن طريقة نطقها المائعة، الكسولة، التي تختلف جذريا عن الطريقة التي نطقت بها عشيقته قبل قليل. الكلمات ذاتها خرجت من رأس واحد ومرت عبر ثلاثة أفواه. هو ينطقها بعبث، والنيويوركية بإغراء، وزوجته تحولها الى شريط مطاطي مليء بالفضول العفوي، الساذج.

ابتسم ولم ينطق. مر الى جوارها مترنحا. قرر وهو خفيف الروح أن يجيبها بصمت، من طريق وضع قبلة خفيفة على خدها. هي تسميها قبلة الخيانة. لمست خده. هو يسميها اللمسة المطاطية. اكتفيا بهذا القدر من التلاقي. راح كعادته يخلع سترته وهو يتوجه نحو الحمام للتبول. نظر في المرآة، للتأكد من عدم وجود آثار للنيويوركية وقراراها العاطفي المباغت على محياه.

لم ير أثرا خاصا للخيانة. أما هي فبقيت كعادتها تنظر بصبر وخدر تعقيبا ولو متأخرا على عبارتها التهكمية، الغامضة.

ليس الجحيم هو ما يشغله الآن. الفكرة المحيرة المتعلقة بطائرة البريدتير لم تزل تسيطر على فكره، تتبادل الظهور والاختفاء، في صراع تعاقبي، مع وجه النيويوركية المستفز، كما لو أنهما شعاران، كتبا على وجهي عملة، ما تنفك تتقلب في مخيلته.

لم يتمكن من كبت صوته الداخلي أكثر. صاح وهو في الحمام: "كاترين، هل سيأتي زمان تتمرد فيه الأشياء التي يصنعها الإنسان عليه؟"

الأشياء التي يصنعها الإنسان. نعم، ما أقوى هذه الفكرة! ألم يصنع النيويوركية بنفسه؟ ألم يجعلها من مجندة عادية في قاعدة تشابمان في خوست إلى متدربة على شؤون المخابرات، ثم عشيقة؟ ألم يصنع لها حياتها المهنية والعاطفية؟

"هل فكرتك نابعة من جو العمل أم من الفراغ؟"

فكر بجواب، لكنه أحس أنها وضعته في المصيدة. فإذا كان الجواب عن العمل فهو يعني البوح بما لا يجوز البوح به من أسرار الجيش. هذا خط أحمر. أما الفراغ، فلا يعني في هذه اللحظة سوى شفاه النيويوركية ونعومة رقبتها ومفترق نهديها. وهذا أيضا خط لا يقل احمرارا.

فكر: العاشقة الأريزونية، المريضة في حبه، تتجاوز براءتها هذه المرة، وتتوجه بحق إلى أعماقه. لكنها لا تعني شيئا محددا. هي طيبة وإنسانة محبة فعلا. هو يحس بالامتنان لهذه العفوية الثقيلة، ولكن المخلصة إلى حد الضجر. جوابها ليس ذكاء على الإطلاق، إنه مجرد تعبير عابر، نشأ بسبب طول العشرة والاعتياد ورتابة العيش وتكرار المواقف.

قال: "ما الفرق؟"

"صحيح، ما الفرق؟ ولكن الإنسان تحدّث كثيراعن حيوانات تتمرد عليه."

"هل يمكن أن نعتبر المنتجات الصناعية فائقة التطور حيوانات عصرية؟"

ضحك في سره وهو يفكر في النيويوركية: هي حقا حيوان، ولكنها حيوان نيويوركي جميل وفتان، وخائن أيضا.

"السيارات لا تقارن بالحيوان."

"ليس السيارات، الحواسيب مثلا."

"لماذا لا؟ ولكن قل لي ما الذي يشغلك فيها تحديدا؟"

الخيانة! فكر، وقال بصوت مرتفع هزلي: " يشغلني؟ أنا أتحدث معك منذ عشر دقائق وأنت تسألينني عما يشغلني؟"

"أعني ماذا يشغلك في هذا التمرد؟"

"تخيلي لو أن الحواسيب مثلا ترفض دفع المرتبات. أو تصوري أنك تذهبين إلى جهاز الصرف الآلي وتلقمينه رقم حسابك والمبلغ الذي تودين سحبه، وبدلا من عبارة " انتظر رجاء!"، يقول لك الحاسوب: أغربي عن وجهي أيتها الخائنة، الفاسقة!"

"لقد حدث هذا معي مرة."

"هددك الحاسوب واتهمك بالعهر؟" قال ملاطفا.

"تقريبا. امتنع مرتين عن الدفع، وفي المرة الثالثة رفض إعادة بطاقة السحب، وظهرت عبارة تقول: "نأسف لعدم مقدرتنا على إتمام العملية، راجع المصرف". وحينما ذهبت الى المصرف هل تعرف ماذا قالوا لي؟"

"طبعا لا، فأنا لم أكن معك."

كانت خلفه تنظر إليه والى الجزء البارز من وجهه في المرآة: "قالوا لقد علسها الجهاز."

استدار لها، ولا يعرف لماذا وضع يدية بين ملتقى نهديها وشرع يضغط على جسدها، وهي مستسلمة، مستعدة تماما، للقياه، هنا، حيث وجدا نفسيهما، من دون سبب محدد، يفعلان ذلك بشبق مفاجئ، ومتعة استثنائية.

قال لها وهو يقبل عنقها ويعتصر نهديها: "لأنك أخطأت في كتابة الرقم السري ثلاث مرات."

لم تجب. أحست أنها لم تعد معنية بخيانات الآلات والبشر. إنها معنية بهذه اللحظة الممتعة النادرة، التي تحل عليها من حين إلى آخر فجأة، من دون ترتيب، فتقرر الإفادة منها قدر ما تستطيع، بكل جوارحها.

شجعها اندفاعه فقالت بود ودلال مبالغ فيه: "دعنا نكمل في غرفة النوم، اشتريت شيئا يعجـ..."

"لا تفسـد..."

تصالب جسده، ثم توتر وتحرك ليفك نفسه من كماشتها. رفعت يدها وأغلقت فمه، برقة، وهي تقول مستعطفة: "كما تحب، كما تحب."

فكرت وهي تتشبث به وتهاجمه بعاطفة وقوة وضراوة: نعم، كما يحب، أفضل من أن تفرض هي ما تحب وتفسد كل شيء. فقد يتوقف، قد يعجز، قد يقطع الممارسة، قد وقد وقد. قد ينام ويتركها ثائرة في المكان الذي تعشق أن تمارس فيه الجنس معه، كزوجة، في غرفة النوم، التي لم يقترب فيها منها منذ أسابيع، منذ أن ظهرت المجندة النيوويوركية اللعينة في القاعدة مجددا.

هي تعرف أنه ليس معها في هذه اللحظة. لكنه كان جاهزا كرجل، باستسلام تام. هي تحبه لذلك، وربما هو يحبها ويثق بها لهذا أيضا.

خمدت أنفاسهما. انسحبت من فوقه، وتركته ممدا على أرض الحمام. أما هو فقد راق له أن يظل ممدا على الأرض الرطبة، وهو يراقب الزجاج المعتم لغرفة الحمام، المطل على حديقة المجمع العسكري، حيث يمكن للنيويوركية أن تكون مختبئة في حضن أحدهم، وهي تدعي السفر المفاجئ.

ضحك في سره. النيويوركية والبريديتر، كلاهما لعوب وخائن. كلاهما داعر وملغز. عادت إلى ذهنه صورة النيويوركية، صوتها الذي جره من معضلة الاستنتاجات، ثم وضعه أمام استنتاجات لا تقل غموضا. فاجأته النيويوركية بمكالمتها، أوقف عمله ورافقها إلى بار القاعدة.

قالت له: "هل سكرت بسرعة بسبب المفاجأة؟"

"أي واحدة من المفاجآت؟"

كان يود أن يختلي بها قبل سفرها المفاجئ إلى قاعدة تشابمان الأفغانية. هناك ينتظرها عشيقها السابق. هو الذي خلصها منه ومن قسوته وخشونته. لكنها، ربما تريد العودة إلى حيث كانت: الخيانة، تحت حجة العودة للعمل في وحدة السيطرة على الطائرات من دون طيارين في خوست. ودّ أن يستمتع بها قبل غيابها، الذي لا يحق له أن يسأل عن تفاصيله الدقيقة. كان يريدها ولو لساعات معدودة. لكنها أصرت أن تذهب لإتمام بعض الاحتياجات قبل سفرها.

"لماذا أنت منزعج إلى هذا الحد، بعد أسبوع سنلتقي."

لم يجب. أكتفى بتأمل عنقها الجميل ومنبت شعرها المرفوع تحت القبعة العسكرية، وعاد ثملا إلى المجمع السكني في الدمام، حيث تتركز بيوت العسكريين وموظفي السلك الدبلوماسي الأجنبي.

عادت كاترين إلى الحمام، وحينما وجدته يهذي مخاطبا طائراته العاهرات، جرته جرا وراحت تغير ملابسه، بينما تركها هو تفعل ذلك، وإحساس لذيذ يستولي على مشاعره، إحساس الولد العابث وهو يتلقى عناية أمه المزعجة.

"ماما كاترين، ما الفرق بين البريديتر والعاهرات؟"

"أنت تعرف أني لا أتعامل مع البريديتر ولا مع العاهرات."

"أعرف هذا، لكني أسألك من باب الخيال، الخيال العلمي."

أعانته على الوقوف، ثم جرته نحو غرفة النوم ووضعته على السرير، وقبل أن تغادر الغرفة رأته يجلس متقرفصا في وسط السرير وهو يبتسم ببلاهة. تمتم قائلا: "لا فرق البته!"

نطق الكلمات وهو يعلسها، ثمّ وضع رأسه تحت الوسادة. في الظلام الشاحب، تحت الوسادة، كانت النيويوركية وطائرة البريديتر، تقومان بطلعات استعراضية، تخرجان فيها من جمجمته إلى سماء الغرفة ثم تعودان تقتحمان دماغه. النيويوركية بأكاذيبها وحيلها والبريديتر بغموضها وأسرارها العجيبة.

كانت مهمته التي قطعتها النيويوركية، ثم شوشت عقله ونتائج بحثه بقرار سفرها الغبي، هو الذي يحرك دماغه.

ليس كل طائرات البريديتر في قاعدة خوست أو الدمام. هذه العاهرة، التي عادت من بغداد قبل يومين، التي سقطت لسبب مجهول، وعاد بها إلى السفارة الأميركية في بغداد عدد من مسؤولي الدولة الكبار من مقربي المالكي، عادوا يحملونها كما يحملون ملاكا مصابا.

تفحص أجهزتها الفنية والمشغلات وعالج الخلل، وقام بتفريغ جهاز المعلومات. لكن السؤال المحير والمباغت قفز إلى عقله، كما قفز أمامه قرار النيويوركية المباغت بالسفر. العاهرة تكذب. فكر حينما أخبرته. والعاهرة تكذب قال في نفسه حينما انتهى من فحص ومراجعة بيانات طائرة البريديتر. إنها تكذب، وتقحب.

قبل أسابيع فقدت الطائرة ذاتها الاتصال بمقر القيادة، وهي تحلق على مشارف محافظة ميسان الجنوبية. لم يعرف حتى هذه اللحظة سبب هذا الانقطاع. في ميسان كانت الإشارات تدار بالمناطيد سابقا، التي كثيرا ما تعرضت الى إطلاق نار عبثي من قبل متخلفين معادين، من أهالي المنطقة.

مرة أطلقت سيارة مجهولة زخة صواريخ مضادة للدروع باتجاه المنطاد المحلق في السماء! هؤلاء المتخلفون يفاجئون التكنولوجيا بغبائهم المتطرف، الذي يصعب التكهن باحتمالاته الحربية.

لكن البريديتر تعرضت للسقوط على مشارف بغداد هذه المرة. ولم تصل محمولة على أيدي القادة السياسيين إلا بعد عدة ساعات. هل هناك علاقة بين الحادثين: انقطاع الاتصال فوق ميسان والسقوط قرب بغداد؟ هل يجوز؟ هل يمكنها أن تخونهم؟ أن تمارس العهر الفني مثلا مع الأعداء؟

فكر الرائد سام كوبر وهو يخرج رأسه من تحت الوسادة. لماذا لا؟ ألا يمكن أن يكون الإيرانيون مثلا قد عبثوا بها، أوقفوها وأعادوا برمجتها؟ ألا تكفي عدة ساعات لذلك؟

لكن المعضلة لا تتعلق بالفكرة، لا بصحتها أو بخطئها، لأنني لا أنا، ولا أحد غيري، بالضبط مثل سفر العاهرة النيويوركية، يستطيع أن يثبت ذلك. وحتى لو تمكن من إثبات ذلك، ماذا سيسمي هذا الجنون: بريديتر خائنة، أم بريديتر عاهرة؟

"عاهرة أم خائنة؟ ماما كاترين! هل تستطيعين تخيل وجود طائرة بلا شرف ولا عفة؟

نطق ذلك وعاد يحشر رأسه المتنمل تحت الوسادة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC