محمد التميمي - الأردن

عابر جسر

محمد التميميكانت احدى ليالي كانون الباردة، وكنت أتجول في وسط المدينة، التي يوحى لداخلها أول مرة أنها مهجورة، كان الجو صحوا رغم برودته، كنت استعين على هذا البرد بمعطف جلدي وكوب من القهوة الساخنة.

توقفت على جسر قديم، عمره مئات السنين، يمر من فوق نهر يسير ببطء وهدوء حد الرتابة شأنه شأن سكان المدينة. خلعت احدى قفازاتي ومسحت بضع قطرات من الماء تكاثفت على حجارة الجسر المتعبة، وكأنما قد تعب من الوقوف كل هذه السنين حتى تعرقت حجارته. اقتربت منه وهمست خوفاَ من أن يسمعني أحدهم وينعتني بالجنون:

"من أنت أيها الجسر؟ وكم مر عليك من الوقت وأنت لازلت تبرح مكانك؟ وكم من القادة والفرسان مر من فوقك؟ ومن من النساء لامست يداها حجارتك؟"
وضعت كلتا يدي عليه، وأغمضت عيني وأخذت نفساً عميقاً أحسست أنني انتقلت به لعالم آخر، وقبل أن افتح عيني، سمعت صوتاً كما هو صوت الشيوخ الحكماء، يقول لي:

"لا تفتح عينيك واستمع."

دهشني الموقف وكدت أن أفتح عيني وألتفت، إلا أن صبري تماسك ولم أفعلها، وبقيت مطيعاً لهذا الصوت الجليل ومصغياً له وهو يكمل حديثه:

"أنا الجسر الذي تقف عليه يا بني، السحابة تلك التي في السماء هي جدتي، والنهر هو أبي، ولدته جدتي في يوم شديد المطر، فلولا السحابة والنهر لما وجدتني أنا، فهذا أنا الجسر يا بني، ابن النهر وحفيد السحاب."

"أهذا أنت؟ ولكن ما قصتك؟""

أجاب بشكل منفعل وبنبرة ممتعضة: "اقرأ قصصي في الكتب والصحف!"

"ما قصدت هذه القصص، أريد قصتك أنت والنهر والسحابة."

شعرت به سارحاً بخياله، يعود إلى أيامه الأولى، ثم قال:

"كانت السماء مليئة بالسحاب ومتلبدة بالغيوم، وكانت هذه الأرض جرداء تخلو من الشجر والبشر، وفوق هذه الأرض الجرداء جاء المخاض لجدتي السحابة، واشتدت آلام الولادة عليها وبدأت تنتفض بالبرق وتصرخ بالرعد، ثم بدأ المطر ينهمر منها ويشتد ويشتد ويتجمع على هذه الأرض التي احتضنته بين جوانحها، وولد أبي النهر. وكان في بداية الأمر سرياً صغيراُ ضعيفاً، ولكن أمه السحابة التي كانت تمده بالمطر على طول السنة. جعلته نهرا كبيرا كما ترى. ثم جاء البشر له عطشى وجوعا، فأمدهم بالماء والسمك فأحبوه وجاوروه وألفوه وألفهم، وكثر الناس على ضفتيه، ومن هنا كانت ولادتي فولدت كحجارة يتقافز عليها الناس لينتقلوا للجانب الآخر ثم أصبحت جسراُ صغيراً لا يحمل سوى البشر، أما الآن فكما شاهدتني كبيراً عجوزاً أحمل كل من وما يمر من فوقي. ولكن ما يزعجني أن الناس يمرون من فوق جسدي دائما دون أن يقف أحدهم ليشكرني أو ليمسح عن كاهلي بعض التعب، كل الناس يمرون ولا احد يلتفت إلي."

"أنا، أنا التقت إليك وها نحن نتحادث."

ضحك بخفة وقال: "لو لم تكن مثلي لما التفت إلي. لو لم تكن مثلي لما التفت إلي. لو لم تكن مثلي لما التفت إلي. ثم بدأ الصوت بالتلاشي."

عندها فتحت عيني والتفت وناديت: "انتظر لم تكمل لي بعد، من مر فوقك من الفرسان؟ من لامس يديك من النساء؟ ومن ومن..."

عاد إلى صمته الحجري، ولم تنفع الأنفاس العميقة وإغلاق العينين من إقناعه للحديث مرة أخرى. فتحت عيني ومسحت مرة أخرى على حجارته التي لم تعد صماء بالنسبة لي. لبست قفازي وأحكمت إغلاق معطفي وعبرت كما الآلاف من فوقه. وعند رؤيتي لأول شخص في طريقي ابتسمت له وقلت:

"هل تريد أن أسرد لك قصة هذا الجسر؟"


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3222187

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC